أزمة بلا مخرج: لماذا فشلت محاولات إسلام آباد في احتواء طالبان باكستان؟
جددت باكستان رفضها مرة أخرى للتفاوض مع أي جماعة إرهابية متورطة في الاعتداء على قواتها المسلحة، وذلك في إشارة إلى جماعة طالبان باكستان (TTP) التي تشن هجمات متكررة على القوات الباكستانية خاصة في مناطق "بلوشستان" و"خيبر بوختونخوا"، وسبق للحكومة الباكستانية الدخول معها في مفاوضات إلا أنها باءت بالفشل.
ويأتي الموقف الذي أعلنته الحكومة الباكستانية بالتزامن مع الإعلان عن اعتقال خلية تابعة للحركة تضم أربعة أعضاء، على خلفية تورطها في الهجوم الانتحاري على المجمع القضائي لمنطقة إسلام آباد G-11 منذ أيام، وأدى إلى مقتل 12 شخصًا وإصابة ما لا يقل عن 36 آخرين، وفق تقارير باكستانية.
وتعول الحكومة الباكستانية على جارتها أفغانستان لتحجيم تحركات (TTP) التي تتخذ من الأراضي الأفغانية ملاذات لها بحسب الاتهامات الباكستانية، والتي تنفيها حكومة "طالبان الأفغانية"، وتجمدت المفاوضات بين أفغانستان وباكستان بعد الفشل في الوصول إلى حلول، وذلك في الوقت الذي تعد فيه "طالبان باكستان" السبب الرئيسي للتوترات بين الجانبين.

دوافع رفض التفاوض مع طالبان باكستان
أعادت الحكومة الباكستانية بشكل رسمي تأكيدها على عدم الدخول في مفاوضات مع حركة طالبان باكستان أو أي حركة إرهابية متورطة في هجمات على قواتها المسلحة ومدنيين، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية طاهر حسين أندرابي: "لقد كانت هناك زيادة في الحوادث الإرهابية في باكستان خلال نظام طالبان الأفغانية".
ورغم تأزم الأوضاع أمام الحكومة الباكستانية ووجود دوافع للتفاوض مع حركة طالبان باكستان للوصول إلى الاستقرار أو التهدئة، إلا أن الحكومة الباكستانية لديها العديد من المخاوف من اتخاذ خطوة التفاوض مع الحركة وقد تتمثل هذه الدوافع في:
أولًا: فشل التجارب السابقة
دخلت الحكومة الباكستانية في العديد من المفاوضات مع حركة "طالبان باكستان"، وشهدت هذه المفاوضات اجتماعات بين الطرفين بشكل مباشر أو عبر وسطاء قبليين، وقد تم التوصل في بعض الأوقات إلى التهدئة أو وقف إطلاق النار، إلا أنه منذ نوفمبر 2022 دخلت المواجهات بين الطرفين مستوى أكثر تعقيدًا، بعدما أنهت (TTP) وقفَ إطلاق النار المستمر منذ مايو 2022 مع الحكومة الباكستانية، وأمرت الحركة مقاتليها باستئناف الهجمات في جميع أنحاء البلاد، لا سيما في المناطق القبلية الوعرة المتاخمة لأفغانستان.

ثانيًا: غياب شرعية الحركة
تنظر أطراف داخلية باكستانية إلى حركة "طالبان باكستان" باعتبارها حركة غير شرعية، بل تنظر إلى أن المفاوضات السابقة مع الحركة كان منطقًا خاطئًا، حيث إن "طالبان باكستان" لا تستوفي معايير الحركة المتمردة الشعبية التي تستحق المشاركة السياسية، وأن ظهور الحركة ودعمها كان يأتي في سياق طارئ على الوضع الذي أعقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والغزو الأمريكي لأفغانستان.
ثالثًا: تعدد فصائل الحركة
من معوقات التفاوض أمام الحكومة الباكستانية التعددية الفصائلية داخل الحركة، فعلى الرغم من ظهورها كهيكل تنظيمي واحد إلا أن تعدد الفصائل يجعل التفاوض معها أمرًا صعبًا في ظل عدم القدرة على الوصول لقرار موحد داخلها، وهو الأمر الذي يعزز غياب الثقة من جانب الحكومة الباكستانية في أي تفاهمات قد يتم الوصول إليها في ظل غياب المركزية.
رابعًا: وصم الحركة بالإرهاب
تجد الحكومة الباكستانية صعوبة كبيرة في الوقت الراهن لإجراء مفاوضات مع الحركة التي تعتبرها في كل بياناتها الرسمية "الحركة الإرهابية" أو "فتنة الخوارج"، وهو الأمر الذي قد يثير انتقادات داخلية للحكومة خاصة وأن الحركة متورطة في إراقة دماء أبناء الشعب الباكستاني، وتعول الحكومة على طالبان الأفغانية في الاحتواء.

خامسًا: شروط الحركة الصعبة
تضع الحكومة الباكستانية أيضًا في الحسبان الشروط الصعبة التي تفرضها الحركة للوصول إلى التفاهمات أو وقف إطلاق النار، ففي حال تجاوز العقبات السابقة والموافقة على مبدأ التفاوض مع (TTP)، فإنه لا يمكن الموافقة على الشروط التي تفرضها الحركة والتي سبق أن طرحتها في مفاوضات سابقة وعلى رأسها "حماية أعضاء الحركة" وحصول الحركة على "تسهيلات أو امتيازات سياسية"، وهي نقطة أصبح التلاقي حولها أكثر صعوبة بعد تورط الحركة المتكرر في هجمات دموية.
تداعيات الجمود التفاوضي
أولًا: زيادة التوتر الأمني
من المتوقع زيادة التوتر الأمني على خلفية الجمود التفاوضي، وذلك في ظل استمرار الحكومة الباكستانية في الاعتماد على المعالجة الأمنية فقط والمزيد من العمليات العسكرية ضد معاقل الحركة، وهو الأمر الذي سيقابل بعمليات إرهابية من جانب الحركة (TTP) لإثبات وجودها.
ثانيًا: زيادة التوتر الإقليمي
يرجع التوتر الأمني المتصاعد على الحدود الأفغانية الباكستانية والخلافات بين البلدين بشكل أساسي إلى نشاط الحركة وتنفيذها هجمات على قوات الأمن الباكستانية، وفي ظل الجمود التفاوضي فمن المتوقع زيادة هذه الهجمات، وهو ما سينعكس بشكل سريع على التوتر القائم بين الجارتين أفغانستان وباكستان في ظل عدم القدرة على الوصول لتفاهمات.

ثالثًا: تزايد الضغوط الداخلية
في ظل عدم القدرة على احتواء حركة "طالبان باكستان" سواء من خلال المسار التفاوضي، أو مسار الاحتواء من جانب "طالبان أفغانستان"، ستتزايد الضغوط الداخلية على الحكومة الباكستانية في ظل استمرار هجمات الحركة على قوات الأمن أو تنفيذ عمليات إرهابية ضد المدنيين، وهو ما يفرض على الدولة اتخاذ المزيد من الإجراءات التي تمثل عبئًا على مواردها، فضلًا عما تمثله العمليات الإرهابية من تهديدات على كافة المستويات، خاصة الفرص الاستثمارية التي تسعى الحكومة الباكستانية لتنفيذها.
ختامًا:
يمكن القول إن رفض الحكومة الباكستانية لإجراء أي مفاوضات مع حركة طالبان باكستان (TTP) على الرغم من قدرتها العملياتية الواضحة، يأتي في سياق الضرورة التي تفرضها الاعتبارات الأمنية والتهديدات التي تمثلها الحركة الموصومة بالإرهاب، خاصة في ظل الخبرة التفاوضية التي اكتسبتها الحكومة من جولات سابقة والتي لم تؤد إلى الاستقرار المنشود، وبالتالي فإن هذا القرار ليس مجرد خيار سياسي.
في المقابل، فإن الجمود التفاوضي الحالي يمثل عقبة كبيرة في طريق التهدئة وتحقيق الاستقرار، في ظل عدم قدرة المعالجة الأمنية على إنهاء التهديد الذي تمثله الحركة، وعدم قدرة الأطراف الدولية التي تعول عليها الحكومة في احتواء الحركة، وهو ما سيكون له ارتدادات سلبية على مستوى العلاقات مع أفغانستان وأيضًا على المستوى الداخلي.



