التكيّف المرن.. ما هي دوافع الصين لتخفيف القيود على المعادن النادرة؟
في خطوة تؤشر على تهدئة الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة، أعلنت "بكين" تراجعها عن أحد أشد إجراءات التصعيد التجاري ضد "واشنطن"، حيث أعلنت رفع القيود عن صادرات التكنولوجيا الفائقة، والتي تشمل الغاليوم والجرمانيوم والأنتيمون ومنتجات أخرى مرتبطة بالتصنيع عالي التقنية، والتي يمكن استخدامها لأغراض مدنية وعسكرية.
ووفق بيان لوزارة التجارة الصينية، فإن رفع القيود ينطبق على السلع "ذات الاستخدام المزدوج"، أي السلع التي يمكن استخدامها للأغراض المدنية والعسكرية، ويدخل حيز التنفيذ فورًا، في خطوة سارية المفعول حتى نوفمبر 2026، وذلك بعد فترة من المواجهة الجمركية التي رفعت فيها الدولتان رسوم الاستيراد أكثر من مرة.
وتأتي هذه الخطوة بعد اجتماع بين الرئيسين الأمريكي والصيني في أكتوبر الماضي بكوريا الجنوبية، على هامش قمة التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي (آبيك)، حيث وصف الطرفان الاجتماع بالإيجابي، وتم اتخاذ عدد من القرارات التي من شأنها تخفيف التوتر، إذ أكد الرئيس الصيني أنه يمكن للصين والولايات المتحدة أن تتحملا المسؤولية بشكل مشترك كدولتين عظميين، وأن تعملا معًا لإنجاز المزيد من الأمور العظيمة والملموسة لصالح بلدينا والعالم.

دوافع محتملة وراء القرار الصيني
يبدو أن القرار الصيني جاء في إطار عدة خطوات اتفق عليها الرئيسان لتهدئة النزاع التجاري بين البلدين وتسهيل حركة سلاسل الإمداد العالمية، كما أن "بكين" تسعى إلى عدة أهداف تتمثل في:
دوافع اقتصادية: حيث إن الجلسة الأخيرة للحزب الشيوعي الحاكم مهدت لصياغة الخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين، وهي أحدث خارطة طريق للبلاد لاستراتيجيتها الاقتصادية والصناعية للفترة 2026-2030، وقد حددت هذه الخطط ليس فقط المسار الذي تنوي القيادة توجيه الاقتصاد فيه، بل أيضًا كيفية تشكيل مكانة الصين في العالم، مع الوضع في الاعتبار تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة والصين.
وتسعى "بكين" إلى استثمار قاعدتها الصناعية المتكاملة واحتكارها شبه الكامل للمعادن الأساسية كأوراق ضغط في المفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية للوصول إلى مكاسب اقتصادية وتحقيق الانفتاح بشكل أكبر، وليس الصدام الذي يضر بالتجارة العالمية، والذي ستكون له انعكاساته على "بكين". لذلك فإن الحزب الحاكم في الصين يسعى إلى صقل استراتيجية الأمد لإدارة منافسة القوى العظمى مع الولايات المتحدة.
وتهدف الصين أيضًا من خلال هذه الخطوة إلى الحفاظ على حصتها السوقية من المعادن النادرة، وعدم دفع المشترين للبحث عن بدائل أخرى، من بينها اتجاه الغرب إلى توسيع طاقة تكرير المعادن النادرة لتلبية الطلب، ما يمثل تهديدًا بتآكل حصتها السوقية المهيمنة في المعادن النادرة تدريجيًا، وذلك مع تسارع الشركات الأمريكية في جهودها لتوسيع سلاسل التوريد المحلية الخاصة بها. ولذلك فإن ورقة المعادن النادرة تتعامل بها الصين في إطار الضغط المرن حتى لا تسبب آثارًا سلبية على المدى البعيد.
دوافع سياسية واستراتيجية: تعتبر الصين ضوابط التصدير أداة يمكن توظيفها لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية، وليس أهدافًا اقتصادية فقط، حيث أصبحت ضوابط التصدير الأداة السياسية الرئيسية التي تستخدمها الولايات المتحدة والصين لإدارة تنافسهما الاستراتيجي. ولذلك بدأت الحكومة الصينية بإصلاح نظامها لضوابط التصدير بشكل كبير، مُحاكيةً التشريعات الأمريكية.

وتستخدم الصين أيضًا ورقة "المعادن النادرة" بحرص لحماية حصتها السوقية ونفوذها الجيوسياسي، حيث إن تركيز الصين على صناعات الدفاع وأشباه الموصلات والهيمنة على هذه المجالات ووضع تشريعات خاصة بها لتحقيق هدف استراتيجي تسعى إلى تحقيقه، وتؤشر تحركات الصين في هذا الإطار إلى حرصها على حماية مواردها وتشكيل بنية القوة التكنولوجية العالمية.
وفي هذه الأثناء، تضع الصين أدوات رقابية على تصدير المعادن النادرة وفرض تراخيص صارمة على هذا النشاط، لتعزيز هيمنة الصين على القطاع الذي تعتبره "المعادن النادرة البيئة الاستراتيجية للعقد المقبل". فسيطرتها على عمليات الاستخراج والمعالجة والإنتاج المتطور للمغناطيس تمنحها نفوذًا مستدامًا عبر سلاسل التوريد العالمية للتصنيع والطاقة والدفاع. تُمكّن هذه الهيمنة "بكين" من التحكم في الوصول، وتحديد الأسعار، والتأثير على التقدم التكنولوجي في جميع الاقتصادات المتقدمة.
دوافع محلية: تبدو أكثر الدوافع المحلية إلحاحًا هي الضغوط التي تتعرض لها بعض الشركات المحلية نتيجة العقوبات الأمريكية، التي فرضت حظرًا على الاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة في الصين، ما دفع مستثمرين عالميين لتحويل رؤوس أموالهم نحو دول تُعتبر أكثر ودًا للكتلة الغربية، وهو ما قد يدفع القيادة الصينية لتبني سياسات لتخفيف هذه العقوبات، تحقيقًا للاستقرار الاجتماعي وتخفيف البطالة بين خريجي الجامعات.
تداعيات محتملة للقرار
من المحتمل أن تكون هناك تداعيات لهذا القرار على صعيد العلاقات "الأمريكية - الصينية" و"الأسواق العالمية".
العلاقات الأمريكية - الصينية: من المحتمل أن يكون للقرار آثار إيجابية، ولو بشكل مؤقت، على طبيعة النزاع الأمريكي الصيني، باعتباره يمثل مؤشرًا على التهدئة التكتيكية بين الجانبين، مع استمرار المنافسة واحتفاظ الصين – التي تناور بهذه الخطوة – بنفوذها في هذا الجانب الذي تعتبره الولايات المتحدة الأمريكية جانبًا هامًا من أمنها القومي، ما يدفعها أيضًا إلى تهدئة تكتيكية في النزاع مع الصين.

الأسواق العالمية وسلاسل التوريد: تمثل الخطوة أهمية كبيرة بالنسبة للتسهيلات اللازمة لسلاسل التوريد، أو على الأقل تخفيف الضغوط قصيرة الأمد عليها، خاصة أن القيود التي فرضتها الصين على المعادن الحيوية تمس قطاعًا يعد ركيزة أساسية في أمن الطاقة والاقتصاد، حيث لا تقتصر أهميتها على تقنيات الطاقة فحسب، بل تلعب أيضًا دورًا حيويًا في الصناعات عالية التقنية، والفضاء، والدفاع، والتصنيع المتقدم، مما يجعلها محورية ليس فقط لأمن الطاقة، بل أيضًا لتعزيز المرونة الاقتصادية على نطاق أوسع.
ختامًا:
يمكن القول إن قرار الصين يأتي في إطار توظيفها لأوراق القوة كأداة تفاوضية وليس كأداة للصدام، في ظل حرص "بكين" على الاحتفاظ بحصتها السوقية من المعادن النادرة، حيث إن استمرار القيود غير المرن قد يؤدي في النهاية إلى ارتدادات سلبية تتمثل في تآكل حصة الصين السوقية في هذا الجانب.
لذلك يمكن قراءة القرار كخطوة تكتيكية في إطار استراتيجية "التكيف المرن" التي تنتهجها الصين في إدارة التنافس مع الولايات المتحدة الأمريكية، للوصول إلى تهدئة مؤقتة والاستعداد لجولة جديدة تستطيع من خلالها الصين ترسيخ نفوذها في جانب التكنولوجيا والطاقة، خاصة في ظل إدراك "بكين" أن إدارة التنافس تحقق لها نتائج إيجابية على عكس الدخول في صراع مفتوح.



