رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الضبابية النووية في إيران.. مخزون اليورانيوم يهدد بتصعيد جديد

المشروع النووي الإيراني
المشروع النووي الإيراني - أرشيفية

جددت الوكالة الدولية للطاقة الذرية تحذيراتها من عدم التمكن من مراقبة مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، وذلك في الوقت الذي لا تتمكن فيه الوكالة من استئناف التفتيش على المنشآت النووية، ولذلك فإن تقديرات مخزون اليورانيوم المخصب لم تتغير، وذلك في الوقت الذي تتمسك فيه إيران بعدم السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدخول المواقع النووية التي تم قصفها في يونيو الماضي من جانب أمريكا وإسرائيل. 

ويثير مخزون اليورانيوم الإيراني المخصب قلق الوكالة الدولية للطاقة الذرية والمجتمع الدولي، فرغم التصريحات الأمريكية بأن المشروع النووي الإيراني تم القضاء عليه بعد قصف منشآت فوردو ونطنز وأصفهان، عادت المخاوف مرة أخرى من مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، والذي تشير تقديرات إلى أنه يتجاوز الـ400 كيلو، إلا أن مكان هذا المخزون يظل مجهولًا، ولا يمكن للوكالة الدولية للطاقة الذرية الوصول إليه.

المشروع النووي الإيراني -أرشيفية 
المشروع النووي الإيراني -أرشيفية 

ونقلت وكالة "رويترز" عن تقرير وصفته بـ"السري" أصدرته الوكالة الدولية للطاقة الذرية ووجّهته إلى الدول الأعضاء، أن عدم حصول الوكالة على إمكانية الوصول إلى هذه المواد النووية في إيران لمدة خمسة أشهر يعني أن عملية التحقق منها متأخرة منذ فترة طويلة، مشددًا على أنه من الضروري للغاية أن تتمكن الوكالة من إجراء هذا التحقق في أقرب وقت ممكن.

خلافات مستمرة بين إيران والوكالة

منذ انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي عام 2018 أثناء الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب، بدأت الخلافات تتصاعد بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، حيث لجأت إيران إلى رفع مستوى تخصيب اليورانيوم لديها وقيّدت وصول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى مواقعها النووية، وذلك كورقة ضغط على المجتمع الدولي لرفع العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية.

المشروع النووي الإيراني - أرشيفية
المشروع النووي الإيراني - أرشيفية

واتخذت إيران موقفًا أكثر تشددًا تجاه الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعد حرب الاثني عشر يومًا مع إسرائيل وقصف المنشآت النووية من جانب واشنطن، إذ أصدر البرلمان الإيراني قرارًا بتعليق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، واتجهت الأمور للحل بين الطرفين بعد اتفاق القاهرة الذي وقّعته طهران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في سبتمبر الماضي، إلا أن إيران أعلنت تعليق الاتفاق بعد إعادة دول الترويكا الأوروبية تفعيل آلية "سناب باك".

كما اتجهت إيران إلى تشديد إجراءات التفتيش من جانب موظفي الوكالة الدولية للطاقة الذرية على المنشآت الإيرانية، حيث اعتبر رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، إبراهيم عزيزي، أن استئناف عمليات تفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية للمنشآت النووية الإيرانية غير ممكن، مؤكدًا أن القوانين المُصادَق عليها من قبل مجلس الشورى تمنع تمامًا منح أي جهة دولية حق الوصول الميداني إلى تلك المنشآت تحت أي ظرف.

ويأتي التشدد الإيراني الأخير تجاه الوكالة الدولية للطاقة الذرية في إطار عدم الثقة المتصاعد تجاهها، حيث ألقى مسؤولون إيرانيون بمسؤولية تفاقم الأوضاع على الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إذ اعتبروا أنها قدمت مبررًا للقصف الإسرائيلي في حرب استمرت 12 يومًا في يونيو الماضي، لأنها اندلعت في اليوم التالي لتصويت مجلس الوكالة على إعلان إيران منتهكة لالتزاماتها بموجب معاهدة حظر الانتشار النووي.

المشروع النووي الإيراني - أرشيفية
المشروع النووي الإيراني - أرشيفية

وتتمسك الوكالة الدولية للطاقة الذرية بحق التفتيش بموجب اتفاقية الضمانات المبرمة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتي تُلزم إيران بتقديم "تقرير خاص" يُفصّل موقع وحالة موادها النووية، بما في ذلك مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، في أعقاب أحداث كالهجمات أو الزلازل. كما يجب أن يتناول التقرير الخاص حالة المنشآت المتضررة من حرب يونيو.

وتواصل إيران التأكيد على سلمية برنامجها النووي وأنها لا تسعى لامتلاك سلاح نووي، وأنها مستعدة للتوصل إلى اتفاق جديد مع الولايات المتحدة الأمريكية، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أنها لن تتفاوض على برنامجها الصاروخي ولن تتخلى عن برنامجها النووي. ومؤخرًا قال سعيد خطيب زاده إن بلاده تريد التوصل إلى اتفاق نووي سلمي، وأضاف: "لا نسعى لامتلاك قنابل نووية، ومستعدون لطمأنة العالم".

وتأتي هذه التطورات بعد فشل خمس جولات من المفاوضات غير المباشرة بين إيران وإدارة ترامب حول الملف النووي قبل أشهر عدة، لكن فيما كان الوفد الإيراني يستعد للجولة السادسة، شنّت إسرائيل في يونيو الماضي هجومًا جويًا غير مسبوق على الأراضي الإيرانية، وانضمت إليها أمريكا لاحقًا التي قصفت المنشآت النووية، قبل أن يعلن بعدها انتهاء الحرب التي استمرت 12 يومًا.

المشروع النووي الإيراني - أرشيفية
المشروع النووي الإيراني - أرشيفية

معضلة التوقيت واتجاهات التصعيد

يأتي توقيت إصدار تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مرحلة توتر متصاعد بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، وفي ظل مخاوف لدى المجتمع الدولي من وصول إيران إلى قدرة تصنيع السلاح النووي، ومع حالة عدم اليقين التي يعيشها المجتمع الدولي تجاه مخزون اليورانيوم المخصب، تصبح الأمور مرشحة للتصعيد مرة أخرى.

أيضًا يأتي التقرير في التوقيت الذي ترى فيه إسرائيل ضرورة إسقاط النظام الإيراني في ظل ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، محاولة تل أبيب أيضًا استثمار الحالة التي أصبحت عليها إيران ووكلاؤها في المنطقة لتقويض ما تبقى من المشروع الإيراني أو على الأقل منع التهديدات الإيرانية لأمن إسرائيل، وهو ما يجعل تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية أحد محفزات تجدد الصراع بين إسرائيل وإيران بضوء أخضر أمريكي.

وفي ظل تمسك إيران بتعطيل وصول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المواقع النووية، خاصة "فوردو ونطنز وأصفهان"، وعدم معرفة المجتمع الدولي لما وصل إليه مخزون اليورانيوم الذي يكفي لتصنيع أكثر من 10 أسلحة نووية، من المحتمل أن تدعو أطراف دولية إلى ضرورة اتخاذ خطوات استباقية تجاه إيران، وسيكون لها ما يبررها، وهو منع حيازة السلاح النووي.

المشروع النووي الإيراني - أرشيفية
المشروع النووي الإيراني - أرشيفية

وما يعزز فرضية التصعيد العسكري مرة أخرى هو تراجع قدرة الحلول الدبلوماسية على الوصول إلى حلول فيما يتعلق بالاتفاق النووي أو مراقبة البرنامج النووي الإيراني، في ظل الشروط أو المطالب الأمريكية التي تراها إيران "غير منطقية وغير معقولة"، وعدم وجود أي بوادر من جانب واشنطن لإظهار مرونة تجاه المطالب التي ترفض إيران الاستجابة لها.

ورغم الضغوط التي تتعرض لها إيران، إلا أنها غير قادرة على الخضوع للمطالب الأمريكية تحسبًا لتداعيات ذلك على الشارع الإيراني، ولذلك فإن النظام الإيراني يحاول توظيف هذه الورقة لصالحه باعتبارها أخطارًا خارجية تهدد الكرامة الوطنية الإيرانية، وهو ما يستدعي الالتفاف حوله ومساندته لمواجهة هذه الأخطار.

المشروع النووي الإيراني - أرشيفية
المشروع النووي الإيراني - أرشيفية

وقد يزداد الوضع تعقيدًا بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، خاصة وأن طهران تعتبر أن تقرير الوكالة كان سبب الإجراءات التي اتُخذت ضدها مؤخرًا واستهداف المنشآت النووية، وهو ما قد يدفعها لتجديد اتهاماتها للوكالة بتقديم مبررات للمجتمع الدولي لاتخاذ إجراءات ضدها رغم التزامها بسلمية برنامجها النووي.

ختامًا:

اعتراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية بوجود حالة من "الضبابية النووية" يؤشر إلى تصعيد محتمل من جانب المجتمع الدولي في ظل غياب الرقابة الدولية على التطورات النووية في إيران، حيث إن الوصول إلى هذه النقطة يعني الوصول إلى مرحلة من عدم قدرة إيران على إدارة التوازن بين حق "الرقابة الدولية" وتحقيق السيادة الوطنية.

وفي ظل هذا الانسداد بين إيران والدول الكبرى، يأتي تقرير "الضبابية النووية" ليزيد أزمة الثقة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفي حال عدم القدرة على إدارة هذه المرحلة بين إيران والوكالة، فإن الأمور مرشحة للتصعيد خلال الفترة المقبلة، وهو ما يتطلب خطوات تكتيكية من جانب إيران لتفادي هذا التصعيد، خاصة وأن الموقف الحالي يعكس مأزق النظام الدولي للرقابة النووية، إذ إن فقدان الوكالة لسيطرتها على مراقبة دولة بحجم إيران يشكل سابقة خطيرة تهدد مصداقية معاهدة حظر الانتشار نفسها.

محمد شعت*

كاتب وباحث في الشؤون الإقليمية والدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء