رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تفجير يهز إسلام آباد: مؤشرات بالتصعيد العسكري بعد فشل المفاوضات مع كابول

التفجير الإرهابي
التفجير الإرهابي في باكستان

تتجه الأمور إلى مزيد من التصعيد بين باكستان وأفغانستان، وذلك على خلفية العمليات الإرهابية الأخيرة التي شهدتها الأراضي الباكستانية، والتي أسفرت عن عدد من القتلى والجرحى، وذلك في الوقت الذي تنظر فيه باكستان إلى أن الجماعات الإرهابية التي تنفذ مثل هذه العمليات تحظى بدعم من حكومة "طالبان" الأفغانية، التي توفر ملاذات لهذه الجماعات، وعلى رأسها جماعة طالبان باكستان  (تحريك طالبان TTP)، وهو الأمر الذي تنفيه حكومة كابول.

وتشهد الحدود الباكستانية الأفغانية، التي تمتد لـ2640 كيلومترًا، توترات مستمرة خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد وصول حركة طالبان الأفغانية إلى الحكم في أغسطس 2021، وذلك على عكس توقعات إسلام آباد التي كانت تأمل في قدرة الحركة على احتواء أي تهديدات للأراضي الباكستانية في ظل دعم الحكومة الباكستانية لها قبل وصولها إلى الحكم، وحاول الطرفان الوصول إلى تفاهمات بشأن الالتزامات الأمنية إلا أنها باءت بالفشل.

تفاصيل انفجار إسلام آباد ودلالاته

وفق تقارير باكستانية، فقد وقع تفجير انتحاري هز العاصمة الباكستانية "إسلام آباد" أمس الثلاثاء 11 نوفمبر، مما أسفر عن مقتل 12 شخصًا على الأقل وإصابة 36 آخرين خارج المجمع القضائي في منطقة "جي-11" بإسلام آباد، وغادر 18 مصابًا المستشفى بعد تلقيهم العلاج، بينما نُقل 14 آخرون إلى أجنحة المستشفى بعد استقرار حالتهم، وتم التعرف على هوية 10 ضحايا قُتلوا في الانفجار، فيما لا تزال هوية شخصين متوفيين قيد التحقق.

رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف
رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف

وزير الداخلية الباكستاني محسن نفقي قال في تصريح نقلته وسائل الإعلام الباكستانية، إن هجومًا انتحاريًا وقع الساعة 12:39 ظهر الثلاثاء 11 نوفمبر، وأن الانتحاري كان يحاول دخول قاعة المحكمة، لكن "عندما لم تسنح له الفرصة، هاجم سيارة للشرطة"، مؤكدًا أنه سيتم الكشف عن هوية من يقف وراء الهجوم على المحكمة، مضيفًا: "هناك العديد من الروابط في الهجوم، وسيتم الكشف عن الأدلة قريبًا". 

وسرعان ما توجهت أصابع الاتهام الباكستانية إلى الجماعات المسلحة التي تعمل انطلاقًا من الأراضي الأفغانية، بحسب تصريحات لرئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، الذي دعا "كابول" إلى كبح جماح الجماعات المسلحة، بما في ذلك حركة طالبان الباكستانية التي تعمل انطلاقًا من الأراضي الأفغانية، واعتبر ذلك شرطًا أساسيًا لتحقيق السلام الدائم في المنطقة.

وقد تلجأ باكستان إلى اتخاذ خطوات تصعيدية نظرًا للدلالات الخطيرة لوقوع الحادث في العاصمة، وهي رسالة تصعيدية من الجهة المنفذة التي تستطيع اختراق العاصمة وتنفيذ عمليات إرهابية بها، ولم يعد الأمر يقتصر على المناطق الحدودية مثل "بلوشستان" و"خيبر بوختونخوا"، ما يعني أن هذه الجماعات قادرة على إرباك المشهد الأمني في باكستان، وهي الرسالة التي اعتبرتها الحكومة الباكستانية "حالة حرب".

مفاوضات متعثّرة وتصعيد محتمل

يأتي توقيت الحادث ليحمل دلالات مقلقة أيضًا، خاصة وأن وقوعه جاء بعد أيام من إعلان فشل المفاوضات بين أفغانستان وباكستان في إسطنبول التركية، وتبادل الطرفان الاتهامات بمسؤولية الآخر عن هذا الفشل، ففي الوقت الذي رأت فيه أفغانستان أن باكستان تريد تحميل حكومة كابول مسؤولية حفظ الأمن على أراضيها، رأت باكستان أن "طالبان الأفغانية" لم تفِ بتعهداتها والتزاماتها الأمنية تجاه دول الجوار بعدم السماح لأي جماعات متطرفة باستخدام أراضيها، وهو ما لم يحدث.

حركة طالبان الباكستانية- أرشيفية 
حركة طالبان الباكستانية- أرشيفية 

وجاءت جولة المفاوضات التي احتضنتها إسطنبول للحفاظ على وقف إطلاق النار الذي يوصف بـ"الهش"، وذلك بعدما تصاعدت التوترات في الأسابيع الأخيرة عقب اشتباكات حدودية دامية أسفرت عن مقتل عشرات الجنود والمدنيين، واندلعت أعمال العنف عقب انفجارات في كابول في أكتوبر الماضي، والتي اتُّهمت حكومة طالبان الأفغانية بتنفيذها، وهجمات بطائرات بدون طيار نفذتها باكستان، وتوعدت كابول بالانتقام. وهدأت الاشتباكات بعد وساطة قطرية لوقف إطلاق النار.

وعلى الرغم من الدبلوماسية المكثفة من الوسطاء "قطر وتركيا"، إلا أن المناقشات توقفت دون تحقيق تقدم ملموس، وصرّح وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف وقتها بأن "المحادثات انتهت"، وأن الوفد الباكستاني سيعود إلى بلاده "دون أي خطة لاجتماعات مستقبلية"، وأضاف أن وقف إطلاق النار سيبقى قائمًا طالما "لم يُنتهك من الجانب الأفغاني"، لكن يبدو من التصريحات الباكستانية التي أعقبت الحادث الانتحاري أن هناك ما يؤشر على احتمالية التصعيد.

قيادات حركة طالبان الأفغانية - أرشيفية 
قيادات حركة طالبان الأفغانية - أرشيفية 

وفي تصريحات عقب تفجير إسلام آباد الانتحاري، حذر وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف من أن باكستان قد تنفذ ضربات داخل أفغانستان في أعقاب الهجمات الإرهابية الأخيرة في إسلام آباد وجنوب وزيرستان، منتقدًا نظام طالبان الأفغاني لإيواء المتشددين الذين يقفون وراء العنف، ورفض آصف إدانة نظام طالبان الأفغاني للهجمات، قائلاً إن مثل هذه التعبيرات عن الأسف لا يمكن اعتبارها "دليلًا على صدق النية". وأضاف: "إن من تحميهم طالبان الأفغانية يهاجموننا باستمرار".

وامتدت التحذيرات الباكستانية لتشمل الهند أيضًا، حيث حذر وزير الدفاع الهند وأفغانستان من أي مغامرة غير مرغوب فيها، قائلًا إن باكستان "ستدفع الثمن بنفس العملة"، مؤكدًا أن باكستان لن تبادر أبدًا بأي مغامرة عسكرية، لكنه أضاف: "لن ندع أي عمل عدواني يمر دون رد، بل سنرد بقوة".

واعتبر آصف أن العمليات الإرهابية التي تتعرض لها باكستان تدفعها إلى "حالة حرب"، حيث كتب في منشور على موقع "X": "نحن في حالة حرب. من يظن أن الجيش الباكستاني يخوض هذه الحرب فقط في المناطق الحدودية على طول أفغانستان أو في المناطق النائية من بلوشستان، فعليه أن يعتبر الهجوم الانتحاري في إسلام آباد بمثابة جرس إنذار"، ما يعني أن الحادث الأخير له دلالات واعتبارات خاصة لدى الحكومة الباكستانية.

ورغم تصريحات وزير الدفاع الباكستاني بأن بلاده في حالة حرب بعد الحادث الأخير وأنه من الممكن تنفيذ عمليات داخل أفغانستان، إلا أنه أكد أيضًا أن باكستان لن تقوم بأي عمل عسكري غير محسوب، ما يعني أن الرد على هذه العملية لن يكون بمثابة تصعيد مفتوح، بل قد يكون عبر ضربات خاطفة لمعاقل حركة "طالبان باكستان TTP" أو استهداف قياداتها حال رصدها على الأراضي الأفغانية.

وزير الدفاع الباكستاني خواجه آصف
وزير الدفاع الباكستاني خواجه آصف

تشير أيضًا تصريحات وزير الدفاع إلى صعوبة الحوار مع "طالبان أفغانستان" أو مواصلة التفاهمات الدبلوماسية على الأقل في الوقت الراهن، حيث أشار آصف إلى أنه في ظل هذه البيئة، سيكون من غير المجدي أن نعلق آمالًا أكبر على إمكانية إجراء مفاوضات ناجحة مع حكام كابول، مشيرًا إلى أن كابول قادرة على وقف الإرهاب المستمر في باكستان، "ولكن نقل هذه الحرب إلى إسلام آباد هو رسالة من كابول، والتي تمتلك باكستان القوة الكاملة للرد عليها".

ورغم استبعاد التصعيد المفتوح بين البلدين في ظل تجنّب هذا السيناريو من جانب الطرفين نظرًا للأزمات التي يعاني منها كل منهما، وعدم رغبة الطرفين أيضًا في فتح الباب أمام تدخلات إقليمية ودولية، إلا أن الظروف الحالية تؤشر على ارتفاع وتيرة التوتر وتكرار العمليات بين الجانبين، والتي كانت تحدث على فترات متباعدة، خاصة في ظل عدم القدرة على احتواء "طالبان باكستان" التي تُعد الطرف الأساسي في التوترات بين الجارتين.

ختامًا:

 يمكن القول إن حادث التفجير الانتحاري الذي وقع في العاصمة الباكستانية "إسلام آباد" سيرفع سقف التوتر بين أفغانستان وباكستان نظرًا لرمزيته، خاصة في ظل الاتهامات المباشرة من جانب مسؤولي الحكومة الباكستانية لحكومة طالبان الأفغانية بتوفير ملاذات للجماعات الإرهابية، وتلويح وزير الدفاع الباكستاني بالدخول في حالة حرب.

ورغم ذلك يبقى التصعيد المفتوح مستبعدًا في ظل أزمات يعاني منها الطرفان، إلا أنه في الوقت نفسه ستزداد وتيرة العمليات الحدودية وترتفع احتمالية تجدد الاشتباكات على الحدود، ولجوء باكستان إلى تنفيذ ضربات داخل كابول، وهو ما سيضطر "كابول" إلى الرد، لكن سيحرص الطرفان قدر الإمكان على أن يبقى التصعيد محسوبًا.

محمد شعت*

كاتب وباحث في الشؤون الإقليمية والدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء