الذكاء الاصطناعي في إسرائيل.. بين الطموح السياسي والتحديات الاقتصادية
يتسارع العالم حاليًا نحو استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية في العديد من المجالات، وبات يُقاس تقدم الدول وتخلفها بناءً على مدى استعانتها بمعايير الذكاء الاصطناعي.
في هذا السياق، بدأت العديد من الدول في مراجعة سياساتها العامة من أجل ملاءمتها ومطابقتها مع معايير الذكاء الاصطناعي ومدى قدرتها على التقدم أشواطًا مؤثرة في هذا المجال.
وحدهما الولايات المتحدة والصين نجحتا في تحقيق المزيد من الإنجازات في مجالات الذكاء الاصطناعي، مما يجعل دول العالم تحاول جاهدة اللحاق بركبهما والاستفادة من خبراتهما. وفي هذا الصدد، سبق أن طالب رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي الأسبق ورئيس معهد دراسات الأمن القومي الحالي، تامير هيمان، بضرورة تسريع وتيرة التواصل مع الولايات المتحدة الأمريكية فيما يخص تبادل الخبرات الخاصة بمجالات الذكاء الاصطناعي.

لجان متعددة
شكّلت إسرائيل في السابق العديد من اللجان الوطنية لأجل مناقشة دور الدولة في تطوير الذكاء الاصطناعي بما يتلاءم مع الاحتياجات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية الإسرائيلية.
ففي خلال الحكومة الرابعة والثلاثين (2015 ــــ 2019) بقيادة رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، تشكلت لجنة "المبادرة الوطنية للأنظمة الذكية الآمنة" بقيادة البروفيسور، إسحق بن إسرائيل، والبروفيسور، إفياتار ماتانيا. وفي عهد الحكومة السادسة والثلاثين (2021 ــ 2022) بقيادة نفتالي بينت، تشكلت لجنة "الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات" بقيادة الدكتورة أورنا بيري، والمعينة من قبل البروفيسور، شمعون أولمان، رئيس "منتدى البنية التحتية الوطنية للبحث والتطوير ـــــ TELEM" وتم تخصيص 5 مليارات شيكل للجنة بيري. ومؤخرًا، في عهد حكومة نتنياهو الحالية، تم تشكيل لجنة ثالثة (تسريع مجال الذكاء الاصطناعي) بقيادة البروفيسور يعقوب ناجل، لدراسة مدى نجاح البلاد في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وقدمت اللجنة مؤخرًا تقريرها الذي أثار العديد من ردود الفعل في الداخل الإسرائيلي.

تراجع إسرائيلي في مؤشرات الذكاء الاصطناعي
تشهد إسرائيل تراجعًا في بعض المؤشرات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، مثل "مؤشر الذكاء الاصطناعي العالمي" التابع لشركة تورتويز ميديا، والذي شهد تراجع تصنيف إسرائيل. أما فيما يخص مؤشر أكسفورد إنسايتس، فيشهد تصنيف إسرائيل تذبذبًا؛ إذ ظل التصنيف مستقرًا خلال الفترة من عام 2019 وحتى 2022، وانخفض في عام 2023، إلا أنه عاد للارتفاع مرة أخرى في عام 2024.
توصيات لجنة "ناجل"
يوجد إصرار حكومي إسرائيلي على أن برنامج الذكاء الاصطناعي الذي تقوده شركة TELEM ماضٍ في إنجازاته ويحقق المطلوب منه ويحقق جميع أهدافه، في حين يرى البعض، مثل مراقب الدولة والعديد من المشتغلين بمجال الذكاء الاصطناعي، أن البرنامج لا يتقدم ولا يقدم حلولًا كافية، الأمر الذي أدى إلى تدهور مؤشرات إسرائيل في هذا المجال، وهو ما أكدته لجنة ناجل مؤخرًا.
أفادت لجنة ناجل بتأخر إسرائيل في تصنيفات ومؤشرات استخدام الذكاء الاصطناعي، ولأجل تحسين مستوى تصنيف إسرائيل في المؤشرات الدولية، خلصت اللجنة إلى النقاط التالية:
• ضرورة إنشاء هيئة تابعة لمكتب رئيس الوزراء تكون مختصة بتعزيز تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ولها خطة عمل وأولويات وموارد لازمة.
• وضع إسرائيل حاليًا في التصنيفات الدولية لا يُرضي، لذا يجب العمل على أن تكون إسرائيل ضمن الدول الخمس الكبار في مجالات استخدام الذكاء الاصطناعي، ويجب تعزيز مكانة إسرائيل في مؤشر "الذكاء الاصطناعي العالمي" لشركة تورتويز ميديا ومؤشر "جاهزية الحكومة للذكاء الاصطناعي" لشركة أكسفورد إنسايتس.
• لابد أن يكون الذكاء الاصطناعي بمثابة قوة دفع للنمو الاقتصادي وتحسين كفاءة القطاع العام وتعزيز الأمن والرفاهية.
• ضرورة استغلال رأس المال البشري الإسرائيلي والبنية التحتية التكنولوجية والمعارف الأكاديمية في تشكيل مستقبل الذكاء الاصطناعي الإسرائيلي.
• إنشاء حاسوب وطني عملاق ضمن أقوى 20 حاسوبًا عملاقًا حول العالم، إذ يتكون هذا الحاسوب من 60 ألف وحدة معالجة مُحسنة بالذكاء الاصطناعي، وينتهي العمل منه في عام 2029، ويُستخدم من قبل 50 مجموعة بحثية و100 شركة، وتُقدّر تكلفته الإجمالية بحوالي 18 مليار شيكل.

انتقادات وُجهت للجنة ناجل
لم تُرضِ توصيات لجنة ناجل العديد من الأوساط السياسية والبحثية والعلمية الإسرائيلية، إذ أجمعت تلك الانتقادات على أن اللجنة هدفت في المقام الأول إلى تحسين وضع إسرائيل في مؤشرات استخدام الذكاء الاصطناعي دون تحقيق إنجاز واقعي، إذ إن الاعتماد على تلك المؤشرات في كثير من الأحيان يعد أمرًا مضللًا مثل العديد من استطلاعات الرأي العام، فمثلًا قيام أي دولة باتخاذ قرار يعزز من نشاط استخدام الذكاء الاصطناعي قد يسهم في ترقية تصنيفات تلك الدولة في المؤشرات الدولية دون تحقيق أي تقدم ملموس على الأرض.
وفي هذا الصدد، أوضح معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في تقريره أن توصيات لجنة ناجل غير عملية على الإطلاق، وذلك وفقًا للنقاط التالية:
أولًا: عدم امتلاك القدرات المالية والاقتصادية لتفعيل مثل تلك التوصية، فتكلفة الحاسوب تبلغ 18 مليار شيكل، وهي بالتالي ستلتهم معظم الميزانية المخصصة لتطوير برامج الذكاء الاصطناعي والمحددة بـ25 مليار شيكل.

ثانيًا: التجارب الإسرائيلية السابقة في إنشاء حواسيب صغرى استغرقت سنوات طويلة، لذا من المرجح عدم الانتهاء من إنشاء الحاسوب العملاق في عام 2029 كما حددته لجنة ناجل.
أوضح معهد دراسات الأمن القومي وجود العديد من البرامج والمناهج الأكثر فعالية والأقل تكلفة اقتصاديًا، ففي السابق أوصت لجنة "بن إسرائيل ـــ ماتانيا" بشراء حاسوب فائق يمكن استخدامه في برامج التدريب وسيحتل أيضًا المرتبة الـ20 على مستوى أقوى 500 حاسوب حول العالم، والأهم من ذلك أنه يمكن تقوية مكوناته بنسبة 20% كل عام، كما أن تكلفة إقامته وصيانته ستبلغ حوالي مليار شيكل.
وختامًا:
يرى معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي ضرورة تحقيق التوافق بين هدف الريادة في مجال الذكاء الاصطناعي وبين الإمكانيات المتاحة، وعدم الارتكان كثيرًا إلى تصنيفات المؤشرات الدولية التي تبدو كالسُّم في العسل، إذ يمكن الضغط على المؤسسات الواضعة لتلك المؤشرات من أجل تحسين وضع دولة أو شركة ما في مجالات استخدام الذكاء الاصطناعي دون أن يكون هناك فعالية تُذكر على أرض الواقع.
محمد الدابولي*
باحث في السياسات الدولية



