دمشق تتجه غربًا.. تعاون عسكري أمريكي–سوري مع دعم تسليحي وتدريبي
خلال أقل من شهرين، حطت طائرة الرئيس السوري أحمد الشرع، في الولايات المتحدة الأمريكية، إذ كانت زيارته الأولى في إطار حضور الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، وحاليًا تعد زيارته الحالية أول زيارة رسمية لرئيس سوري لواشنطن، التقى خلالها الرئيس دونالد ترامب.
تعد الزيارة ثورة جديدة في العلاقات بين البلدين بعد عقود طويلة من الفتور السياسي بين الجانبين، فمنذ استقلال الدولة السورية في عام 1946، لم يزر أي رئيس سوري الولايات المتحدة، إذ كانت العلاقات بين البلدين تشهد توترات مستمرة على خلفية تضارب المواقف السياسية، فمنذ الاستقلال وخلال فترة الحرب الباردة وما بعدها، انحازت دمشق دومًا إلى الجانب الشرقي من العالم، حيث الاتحاد السوفيتي سابقًا وروسيا في الوقت الحاضر.

مرات نادرة هي التي شهدت تعاونًا وثيقًا بين دمشق وواشنطن، ولعل أبرزها مشاركة سوريا في التحالف الدولي برئاسة الولايات المتحدة الذي شُكّل لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي في مطلع التسعينيات، ومنذ ذلك الحين لم تشهد البلدين أي تقدم في العلاقات.
سقوط نظام "الأسد" وصعود "الشرع" إلى سدة الحكم في دمشق مثل ثورة كبرى، ليست على المستوى السوري فقط، بل على مستوى العلاقات الدولية، فلأول مرة نرى شخصية صُنفت على مدار أكثر من عقد من الزمان على أنها إرهابية تتولى رئاسة إحدى الدول المركزية في الشرق الأوسط، وسط دعم أمريكي–أوروبي غير مسبوق، الأمر الذي يثير العديد من التكهنات حول شخصية الشرع ومشروعه السياسي الحقيقي.

فمنذ توليه السلطة في ديسمبر 2024، سعى "الشرع" إلى كسب ود القوى الغربية، خاصة الولايات المتحدة، مستفيدًا من الدعم التركي–السعودي لتوليه منصب رئاسة سوريا، مبديًا تعاونه مع واشنطن في العديد من الملفات الشائكة مثل ملف التطبيع مع إسرائيل، وهو الملف الذي كان من المحرمات في عهد سابقه "بشار الأسد".
تطبيع التعامل مع الحكومة السورية
رغم تقبل المجتمع الدولي لتولي أحمد الشرع رئاسة سوريا، إلا أن بعض الملفات العالقة كانت تعيق تحركاته الدولية، أبرزها وضع اسمه ضمن قوائم الإرهاب التي وضعها مجلس الأمن الدولي، وكذلك وزير الداخلية السوري أنس خطاب.
في 6 نوفمبر الماضي، تمكنت وزارة الخارجية الأمريكية في اجتماعات مجلس الأمن من إزالة اسم الرئيس السوري ووزير داخليته من قوائم الإرهاب التي أعدها المجلس، وشهدت الجلسة موافقة جميع الدول باستثناء الصين التي امتنعت عن التصويت، ويعود الامتناع الصيني إلى رغبة بكين في معرفة مصير الجماعات المقاتلة في سوريا، والتي تنتمي إلى إقليم تركستان الشرقية.
بإزالة اسم الشرع من قوائم الإرهاب، بات حر الحركة في التحرك دوليًا وزيارة واشنطن بصفة رسمية، وبالمناسبة، ليست زيارة الشرع المنسوبة إلى التيار الراديكالي الجهادي هي الأولى من نوعها، ففي الماضي استقبل الرئيس الأمريكي الراحل رونالد ريجان جهاديين أفغان (صنفوا كإرهابيين فيما بعد) إبان فترة الجهاد الأفغاني ضد الاتحاد السوفيتي.

واستباقًا لزيارة واشنطن، قامت وزارة الداخلية السورية، رفقة جهاز المخابرات، بحملات أمنية كبرى على معاقل تنظيم داعش وعناصره في مدينة القصير وحمص وبادية حمص، شملت اعتقال العديد من منتسبي التنظيم.
جدير بالذكر أنه في عام 2019 تم إعلان الانتصار على تنظيم داعش والقضاء على دولته المزعومة، وذلك بتحرير آخر معاقل التنظيم بمدينة الباغوز السورية، وبالتالي تغيرت تكتيكاته واستراتيجيات تحركه من السيطرة على المدن والباديات في سوريا والعراق إلى الانزواء في المدن الكبرى، وتقلصت عملياته بشكل كبير.
أتت العملية الأمنية تزامنًا وتماشيًا مع انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، والذي تصدّر عناوين الصحف والأخبار في الوقت الحالي. من المؤكد أن المشاركة السورية في التحالف تأتي بصورة رمزية للغاية، فجهود التحالف نجحت في تقويض داعش بصفة شبه نهائية منذ أكثر من ست سنوات، إلا أن تلك المشاركة تحمل دلالات أخرى غير محاربة داعش، وهي كالتالي:
أ- تسهيل اندماج النظام السوري في المجتمع الدولي، فالتحالف الدولي لمحاربة داعش هو باكورة هذا الاندماج، والذي يتم برعاية واشنطن.
ب- قطع الطريق نهائيًا أمام انضمام دمشق لأي تحالفات سياسية أخرى بعيدة عن توجهات ورؤى واشنطن، فسوريا منذ استقلالها ظلت عصية على البيت الأبيض، أما اليوم فسياسة خارجية سوريا تُرسم ملامحها من المكتب البيضاوي.

ت- انضمام سوريا للتحالف الدولي واندماج رؤيتها مع واشنطن يأتي في إطار خطة أمريكية لدفن النفوذ الإيراني في المنطقة، فبعد أن ظلت سوريا الحديقة الغربية لطهران، باتت اليوم من ألد أعدائها السياسيين وعنصرًا ضاغطًا على السياسات الإيرانية، لذا من المحتمل أيضًا أن يشرع الشرع في تعقب ذيول التنظيمات الإيرانية في سوريا ومنع عمليات تهريب السلاح من سوريا إلى لبنان حيث حزب الله.
ث- تخفيف المخاوف الإسرائيلية من نظام الشرع وبدء جولة مفاوضات خامسة بين سوريا وإسرائيل، ووضع ترتيبات لاتفاقية أمنية بين الجانبين قد يتم إبرامها نهاية العام الجاري، يقتضي بانسحاب إسرائيل من المناطق التي احتلتها بعد سقوط نظام الأسد.

ج- يأتي انضمام الحكومة السورية إلى التحالف الدولي في إطار رغبة سوريا وتركيا في إضعاف ما يسمى قوات سوريا الديمقراطية الكردية (قسد)، والتي كان لها الدور الأكبر في هزيمة داعش، وإجبارها على تنفيذ اتفاق مارس 2025، الذي يسمح باندماج تلك الميليشيات ضمن قوات الجيش السوري.
ح- إمكانية بروز تعاون عسكري وشيك بين واشنطن والحكومة السورية، بمقتضاه ستحصل سوريا على الدعم العسكري الأمريكي من تسليح وتدريب، في مقابل إمكانية إقامة قاعدة عسكرية جوية أمريكية قرابة دمشق، تستطيع منها واشنطن السيطرة على منطقة شرق المتوسط، وسبق أن قامت وزارة الدفاع الأمريكية في 18 أكتوبر الماضي بعملية إنزال مظلي في ريف دمشق، أدت إلى اعتقال قيادي بتنظيم داعش، وذلك بالتعاون مع الحكومة السورية.
محمد الدابولي*
باحث في السياسات الدولية



