من الفيلة إلى الخنازير.. تحوّل استراتيجي في مصادر تمويل الإرهاب
بعد أن فقدت "بوكو حرام" دعمها الاجتماعي والاقتصادي، بحثت الفصائل التابعة لها والمتمركزة في غابات "سامبيسا" وعلى أطراف بحيرة تشاد عن وسائل أخرى للتمويل، وبطبيعة الحال، كان اللجوء إلى الموارد الطبيعية والتجارة غير المشروعة في الحيوانات البرية أبرز هذه الوسائل.
وعادة ما كانت الحيوانات البرية مثل الفيلة تملأ الغابات في "سامبيسا"، إذ كان المواطنون معتادين على سماع أصواتها ورؤيتها، وبعد اندلاع التمرد في الشمال الشرقي من نيجيريا، هاجرت هذه الحيوانات إلى الغابات المجاورة في الكاميرون. ومنذ ذلك الحين، لوحظ انخفاض في أعداد الفيلة البرية مقابل ظهور الخنازير البرية.
ووفقًا لإحدى المنظمات المعنية بمكافحة الصيد غير القانوني، فإن إرهابيي "بوكو حرام" يعتمدون على صيد وتجارة الخنازير البرية بدلًا من الفيلة. ويناقش التقرير هذا الموضوع على النحو الآتي:
أولًا: الفيلة والخنازير البرية.. أي جدوى اقتصادية؟
تُعدّ الأفيال مهمة لمشاركتها في تجديد النظم البيئية للغابات أو السافانا من خلال نشر البذور الموجودة في روثها، إذ تنبت هذه البذور بسرعة لتتحول إلى أعشاب وشجيرات وأشجار.
بالإضافة إلى ذلك، تتميز بعض أنواع النباتات بأنها لا تنبت جيدًا إلا إذا مرت عبر الجهاز الهضمي للفيل. لذلك تُعرف الأفيال ببستانيّ الطبيعة أو مهندسي النظم البيئية، فهي تساعد في الحفاظ على النظم البيئية للأنواع الأخرى، ويُعد وجودها مؤشرًا رئيسيًا على ازدهار النظام البيئي.

وعلى الرغم من أهميتها في النظام البيئي، إلا أن الحاجة والفقر يدفعان السكان المحليين إلى صيد هذه الأفيال بشكل غير قانوني، ما يجعلها مهددة بالانقراض. تُصطاد الفيلة بشكل غير قانوني من أجل عاجها، كما تفقد موطنها بسبب تحويل الأراضي نتيجةً للأنشطة البشرية.
إضافةً إلى ذلك، تواجه الفيلة صراعًا بين الإنسان والحياة البرية، حيث تُقتل في هجمات انتقامية من البشر بسبب تجولها في المزارع أو المنازل.
وبحسب الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة African Wildlife، انخفض عدد الأفيال الغابية الإفريقية بنسبة تزيد على 86% على مدى 31 عامًا، في حين انخفض عدد أفيال السافانا الإفريقية بنسبة 60% خلال 50 عامًا، وهي إحصاءات تدل على معاناة الأفيال بسبب النشاط البشري وتردي الأوضاع الاقتصادية في الدول الإفريقية، ما كبّد الحيوانات البرية ثمنًا باهظًا لانتشار ظروف الجهل والفقر والبطالة.
ثانيًا: بوكو حرام والصيد (القانوني) و(غير القانوني) للحيوانات البرية
والواقع أن الحيوانات البرية قد تورطت أيضًا في دفع ثمن انتشار التمرد والإرهاب والأنشطة غير المشروعة، وبما أن الجماعات المسلحة والإرهابية هي ابنة بيئتها، فإن هذه الجماعات تتورط بشكل أو بآخر في أنشطة الصيد غير القانوني والتجارة بها.
وتقوم فصائل "بوكو حرام" المنتشرة في الشمال الشرقي من نيجيريا بالتورط في صيد الفيلة، ومن ثم بيعها عبر وسطاء وتحصيل الإيرادات التي تُستخدم في تمويل أنشطتها وشراء الأسلحة.
وحينما تناقصت أعداد الفيلة، تحوّل أفراد الفصائل الإرهابية إلى صيد الخنازير البرية، وذلك على الرغم من المنظور المحرّم لأكلها، ولكن الاستفادة هنا تتحقق من خلال استخراج عاج الخنزير البري، إذ يُباع هذا العاج الذي يتشابه إلى حد بعيد مع عاج الفيل.

وعلى أي حال، يقوم الصيادون بقتل الحيوانات البرية — سواء كانت أفيالًا أو خنازير — ثم تُنقل الأنياب من الغابات سرًّا باستخدام عربات تجرّها الحمير أو دراجات نارية أو حجرات مخفية في مركبات متجهة إلى "مايدوجوري"، عاصمة ولاية بورنو، المركز الاقتصادي لإقليم الشمال الشرقي في نيجيريا.
وعلى الرغم من أنشطة مكافحة الصيد غير القانوني، فإن الملاحظ هو استمرار أنشطة الصيد. فوفقًا لأحد التجار المرخّصين في "بورنو": "ليس من السهل اصطياد الفيلة، ولا حتى من قِبل أي شخص". وأضاف: "غالبًا ما تُجري وزارة البيئة في ولاية بورنو عمليات مكافحة تهدف إلى منع القطعان من التسلل إلى المناطق السكنية أو المزارع. كان الحراس يطلقون النار على واحد أو اثنين لتخويف البقية، أما من يُطلق عليه النار، فكان يُذبح وتُباع أنيابه لنا في مزاد علني".
كما أن الحكومة تقوم ببيع شحنات العاج المصادرة من الكاميرون وجمهورية إفريقيا الوسطى بالمزاد العلني، وذلك هو السبيل الذي تعتبره الحكومة "قانونيًا".
وعلى النقيض من كلام التاجر المرخّص من الحكومة، يزعم تاجر آخر "غير مرخّص" — كان ينقل بضائعه علانية — أن التجار غير المرخصين كانوا يُخفون بضائعهم، حيث كان يتم إخفاء العاج داخل شحنات الأسماك المجففة أو الفاصوليا أو جلود الأبقار. وبحسب هذا التاجر: "قد ترى شاحنة محملة بالفاصوليا ولا تشك في شيء، لكن في الداخل قد تجد أنيابًا، أحيانًا مخيطة في جلود سميكة أو مربوطة أسفل الشاحنة".
ووفقًا لكلام التجار، فإنهم يتواصلون مع آسيويين (صينيين وكوريين) ووسطاء من دول مطلة على المحيط الأطلسي، وتصل الأنياب — بحسب حالتها — إلى 5000-10000 دولار أمريكي.
لكن هذا الوضع قد تغيّر منذ اندلاع التمرد، إذ احتلت الجماعات المسلحة موائل حيوية للأفيال مثل "سامبيسا" وحولتها إلى معاقل حصينة. أدى هذا الصراع، إلى جانب الصيد العشوائي، إلى انخفاض حاد في مشاهدات الأفيال.
ثالثًا: الخنازير البرية بديلًا للفيلة كمصدر للتمويل
شكّل صيد الخنازير البرية بديلًا للفيلة المهاجرة أو المنقرضة، فلا توجد قيود على صيدها مثل الفيلة، كما أن لحومها تُباع بحرية — رغم أنها محرّمة شرعًا — ويقوم الصيادون باصطياد الخنزير ثم تقطيع أنيابه ومن ثم بيع لحومه.
وعبر رحلة تمتد من الشمال إلى الجنوب حيث الشريط الساحلي النيجيري، يتم بيع وتهريب العاج واللحوم.
ووفقًا لأحد التجار: تُعالَج اللحوم في مولاي، في طريق باغا، وفي منطقة تُسمى "لو كوست ب" وبالقرب من ثكنات مايمالاري، ومن هناك تُعبأ وتُنقل إلى جنوب نيجيريا. أما الأجزاء الأخرى — كالقرون والعظام — فتُشحن إلى "كانو"، ثم إلى سوق "دواكي" في ولاية"جوس"، وأخيرًا إلى "لاغوس"، حيث يُهرّب الكثير منها إلى الخارج.
وبطبيعة الحال، أصبحت هذه التجارة مصدرًا مهمًا في تمويل الجماعات الإرهابية والمسلحة والمتمردة، أي أنها أصبحت جزءًا من اقتصاد الصراع في نيجيريا.
وبما أنها أصبحت جزءًا من هذا الاقتصاد، فمن الصعب مواجهتها، خاصة إذا تورطت أطراف محسوبة على النخب السياسية التي تشترك في ذلك لتحقيق مصالحها الشخصية على حساب اقتصاد المجتمعات الفقيرة.
وأخيرًا، يُظهر التحوّل من عاج الفيلة إلى عاج الخنزير البري قدرة شبكات التجارة غير المشروعة في الحياة البرية على التكيّف، وقدرتها على إيجاد مصادر دخل جديدة. تُشكّل هذه القدرة على التكيّف تحديًا كبيرًا لجهود الحفاظ على البيئة، وتُبرز الحاجة إلى استراتيجيات شاملة تُعالج جانبي العرض والطلب في تجارة العاج غير المشروعة.



