رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

التصعيد الخطابي الإيراني تجاه واشنطن: توحيد الداخل وردع الخارج

المرشد الأعلى للثورة
المرشد الأعلى للثورة الإيرانية - أرشيفية

تواصل إيران خطابها التصعيدي ضد الولايات المتحدة الأمريكية على خلفية التوتر بين الطرفين وعدم التوافق حول الملف النووي الإيراني وفرض شروط من جانب واشنطن تراها طهران شروطًا غير قابلة للتنفيذ، خاصة وأن هذه الشروط تستهدف الكرامة الوطنية الإيرانية وفق رؤية رموز النظام الإيراني، ومحاولة إظهار إيران بأنها دولة مهزومة.

ويأتي التصعيد الخطابي الإيراني من على مستويات عدة تشمل المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، إضافة إلى عدد من المسؤولين العسكريين سواء في الحرس الثوري أو في الجيش الإيراني، حيث تدور التصريحات في مجملها حول استعداد إيران لأي تصعيد محتمل من جانب الولايات المتحدة الأمريكية أو إسرائيل، وعدم القبول بأي شروط تفرضها واشنطن.

مستويات التصعيد

أولًا: تصعيد خطابي سياسي

يأتي التصعيد الخطابي الإيراني على عدة مستويات، أول هذه المستويات هو التصعيد الخطابي الديني والسياسي، وذلك من خلال تصوير العداء مع الولايات المتحدة الأمريكية باعتباره عداءً أزليًا لا يمكن تجاوزه في ظل القناعات المختلفة والمتضادة بين الطرفين، وذلك من خلال ربط العداء السياسي بالمبادئ الدينية والقيمية التي لا يمكن التنازل عنها في سبيل التفاهم مع واشنطن.

ولا يقتصر هذا التصعيد على اتجاهات محددة داخل إيران، حيث إن الخطاب الإيراني تجاه الولايات المتحدة الأمريكية أكثر تناغمًا بين الخطاب الأصولي والخطاب الإصلاحي بعد حرب الاثني عشر يومًا واستهداف المنشآت النووية الإيرانية، وهي التطورات التي جعلت الخطاب الإصلاحي يتخلى عن لغة التهدئة والحوار إلى حد ما بعدما اعتبر الأصوليون أن سياسة الإصلاحيين مع الغرب قد فشلت ولم تؤتِ ثمارها.

علي لاريجاني - أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني 
علي لاريجاني - أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني 

وجاء التصعيد الأخير على لسان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، والذي وصل إلى ذروته بأن لا يمكن القبول بشروط واشنطن حتى لو وصل الأمر للدخول في حرب جديدة، والإعلان عن استعداد إيران لأي تصعيد مقبل من جانب الولايات المتحدة الأمريكية أو إسرائيل، معتبرًا أن واشنطن تتبع نفس السياسات التي أدت للحرب في العراق وتتمسك بنفس السياسات مع إيران.

لاريجاني وجه انتقادات حادة إلى الشعار الذي ترفعه الولايات المتحدة الأمريكية مؤخرًا "السلام بالقوة"، معتبرًا أن هذا الشعار ساهم في تحويل العلاقات الدولية إلى صراع من أجل الهيمنة بدلًا من التعاون، حيث إنه لم يسبق من قبل أن كانت وجوه أمريكا والنظام الصهيوني مكروهة إلى هذا الحد في جميع أنحاء العالم، معتبرًا أن علاقات إيران مع الغرب كانت متقلبة تاريخيًا، لكن الجمهورية الإسلامية سعت دائمًا إلى المشاركة المتوازنة.

تصريحات لاريجاني التي جاءت في فعالية بعنوان: "نحن والغرب: مؤتمر حول آراء وأفكار آية الله خامنئي"، اعتبرت أن الموقف الإيراني أصبح أكثر وضوحًا نتيجة الفهم الصحيح لطبيعة العلاقة التي أصبحت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى من خلال شعار "السلام بالقوة" الذي رفعته الولايات المتحدة. فالغرب، وخاصة أمريكا، يسعى إلى السلام من خلال السعي وراء القوة، حيث إن الغرب ادعى ذات يوم الاعتماد على العلم وحرية الفكر، لكن "النتيجة كانت حربين عالميتين، واليوم أوضح الغرب مساره أكثر وربط العلاقات العالمية بالقوة".

أظهر لاريجاني أيضًا تمسك النظام الإيراني بسياساته تجاه الغرب وعدم القبول بمطالب أمريكا حتى ولو كان الثمن اندلاع حرب جديدة، معبرًا عن الجاهزية الكاملة من جانب إيران لمواجهة أي تصعيد، وأن القوة الإيرانية قادرة على رد أي عدوان ومواجهته، مستشهدًا بالحرب الإسرائيلية التي استمرت 12 يومًا، حيث أكد أن القوة الوطنية الإيرانية وثبات قواتها المسلحة أجبر العدو على التراجع وإنهاء الصراع.

يأتي هذا الخطاب التصعيدي من جانب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، بعد تصعيد مماثل لزعيم الثورة الإيرانية علي خامنئي، والذي أظهر خلاله تمسك الجمهورية الإيرانية بسياستها تجاه الولايات المتحدة الأمريكية، وأن الخلاف بين الجانبين خلاف جوهري وليس تكتيكيًا، وصراع مصالح بين منهجين مختلفين، كما فرض المرشد الأعلى للثورة الإيرانية ما يمكن وصفه بـ"الشروط المستحيلة" لإعادة التعاون بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية.

خطاب المرشد الأعلى للثورة الإيرانية ارتكز أيضًا على ترسيخ فكرة العداء مع الولايات المتحدة الأمريكية، والتأكيد على أن هذا العداء ليس وليد الظروف الآنية أو الخلافات الحالية، ولكنه ممتد منذ عقود بين الجمهورية الإيرانية وأمريكا، وهذا العداء في الأساس بسبب تآمر الولايات المتحدة الأمريكية على إيران وشعبها، وبالتالي فإن الموقف الحالي من جانب إيران هو بمثابة مقاومة للاستكبار الأمريكي وإجهاض للتآمر.

 اللواء محمد باكبور -  قائد الحرس الثوري الإيراني
 اللواء محمد باكبور -  قائد الحرس الثوري الإيراني

 

ثانيًا: تصعيد خطابي عسكري

إضافة إلى التصعيد الخطابي الديني والسياسي، يأتي التصعيد الخطابي العسكري، ولا يقتصر ذلك على خطاب القادة العسكريين، ففي أول خطاب لخامنئي بعد حرب الاثني عشر يومًا قال خامنئي: "إن إيران قادرة على توجيه ضربات أقوى لإسرائيل والولايات المتحدة"، معتبرًا أن النظام الصهيوني لو كان قادرًا على الدفاع عن نفسه، لما لجأ إلى أمريكا، فقد رأى أنه لا يستطيع التعامل مع الجمهورية الإسلامية.

وتضمن التصعيد الخطابي العسكري تصريحات لقادة عسكريين بينهم قائد الحرس الثوري الإيراني، اللواء محمد باكبور، الذي حذر الولايات المتحدة من أن أي تكرار للعدوان على إيران سيؤدي إلى ردود أفعال ساحقة ستجعل واشنطن تندم أكثر على العمل ضد الجمهورية الإسلامية، وستعطي المعتدي درسًا سيبقى في التاريخ، منتقدًا الرئيس الأمريكي لتضحيته بأمن ومصالح الأمريكيين من أجل بقاء النظام الصهيوني.

 اللواء عبد الرحيم موسوي - رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية
 اللواء عبد الرحيم موسوي - رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية

وفي إطار التصعيد الخطابي العسكري، جاءت تصريحات رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية اللواء عبد الرحيم موسوي الذي قال إن الجمهورية الإسلامية أعدت ردا حاسمًا وفق توجيهات قائد الثورة الإسلامية آية الله السيد علي خامنئي، وأن الخطة جاهزة لكن الظروف لم تستدعِ تنفيذها بشكل كامل بعد، وحذر قائلاً: "إذا هاجموا إيران مرة أخرى فسوف يرون ما نحن قادرون على فعله".

ثالثًا: أهداف التصعيد الخطابي

للتصعيد الخطابي من جانب رموز النظام الإيراني عدة أهداف، تتمثل في الضغط على الولايات المتحدة الأمريكية والأطراف التي تدعمها في ضغوطها على إيران، بأن أي مواجهة أو اعتداءات مقبلة لن تكون منخفضة التكلفة، ولكنها ستكون عالية التكلفة في ظل استعداد إيران لأي مواجهة مقبلة، حتى لو وصل الأمر إلى الدخول في حرب جديدة وفق تصريحات علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني.

يهدف التصعيد الخطابي إلى الحفاظ على سردية "الخطر الخارجي" الذي يمثل تهديدًا مباشرًا لبقاء الدولة، وهو الأمر الذي يجب معه توحيد الجبهة الداخلية والالتفاف حول النظام الذي يواجه هذه المخاطر ويحاول الحفاظ على الكرامة الوطنية، وتحمل أي مشكلات داخلية في سبيل الاستعداد لأي مواجهة مقبلة، خاصة في ظل تصاعد الأزمات الداخلية في إيران.

كما تهدف لهجة التصعيد التي تتبعها إيران إلى تكذيب الروايات الأمريكية والإسرائيلية بأن إيران دولة هشة أو أنها أصبحت "منزوعة الأنياب"، وذلك بعد الاختراقات التي تعرضت لها مؤخرًا وتراجع نفوذها الإقليمي، حيث تسعى إلى ترسيخ رواية مغايرة تظهرها كدولة قوية قادرة على مواجهة القوى العظمى في العالم، وهي رواية تحاول الاستفادة منها على كافة الأصعدة سواء المحلية أو الإقليمية أو الدولية، خاصة إذا كانت أوراق القوة تمكنها من تحسين شروط التفاوض في أي جولات مقبلة.

محمد شعت*

كاتب وباحث في الشؤون الإقليمية والدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء