إعادة تموضع إيران في آسيا الوسطى.. هل يدعم نظرية "الاقتصاد المقاوم"؟
تتخذ إيران خطوات متسارعة لتعزيز علاقاتها مع دول آسيا الوسطى، خاصة فيما يتعلق بالتعاون الاقتصادي وفتح مجالات استثمارية جديدة، وذلك في الوقت الذي تسعى فيه طهران إلى فتح نوافذ لاقتصادها المحاصر في ظل سياسة "الضغوط القصوى" التي يمارسها الغرب ضدها، ولجوء دول "الترويكا الأوروبية" إلى تفعيل آلية الزناد "سناب باك".
وتأتي الخطوة الجديدة من جانب إيران لإعادة التموضع في دول آسيا الوسطى بتعزيز التعاون مع أوزبكستان وتعزيز حجم التجارة بين البلدين، وذلك في الوقت الذي صرح فيه مسؤولون إيرانيون أن طهران تعتبر "أوزبكستان" حلقة الوصل مع دول آسيا الوسطى، مشيرين إلى أن هذا العام شهد نموًا بنسبة 58% في حجم التجارة بين إيران وأوزبكستان.
ويبدو من خلال التحركات الإيرانية باتجاه آسيا الوسطى أن نظام طهران يسعى إلى تفعيل رؤية "الاقتصاد المقاوم" لمواجهة الضغوط الاقتصادية الغربية، وتقليل الاعتماد على قطاع النفط والغاز الذي يواجه قيودًا وضغوطًا مكثفة في ظل حزم العقوبات التي تستهدفه، وهو ما دفع طهران إلى تعزيز نشاطها التعديني مع أوزبكستان بعد كازاخستان.

ما هي نظرية "الاقتصاد المقاوم"؟
نظرية "الاقتصاد المقاوم" أعلنها المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي عام 2014، وتتضمن سياسة اقتصادية متكاملة متمايزة عن نظريات الاقتصاد الغربي الليبرالي، وتعتبرها إيران إجراءً دفاعيًا ضد العقوبات الاقتصادية التي تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية والأنظمة الغربية باستمرار.
وتقوم فكرة "الاقتصاد المقاوم" على الاقتصاد الذاتي أو الإنتاج المحلي، لكنه في الوقت نفسه ليس اقتصادًا مغلقًا، بل منفتح على اقتصادات العالم ومرتبط بها، وهو يعتمد على تقليل الأضرار والخسائر الناتجة عن العقوبات المستمرة من خلال دعم مختلف الوحدات الإنتاجية والحد من اعتماد الموازنة العامة للبلاد على الإيرادات النفطية بشكل أساسي، ومحاولة فك الارتباط بالدولار الأمريكي عبر اتفاقيات ثنائية لتسوية المدفوعات الدولية عبر العملات المحلية.

وفي عام 2021 أعلن الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني أن إيران نجحت في تقليل الاعتماد على الواردات النفطية في تمويل موازناتها الحكومية، فمن دولة تعتمد على واردات النفط بالكامل، استطاعت تخفيض نسبة الاعتماد إلى أدنى مستوياتها، ومن ناحية الصادرات قللت إيران الاعتماد على النفط، حيث كان يصل إلى 93%، ليصل إلى 63% خلال عام 2016.
وتتمثل أهم مرتكزات نظرية الاقتصاد المقاوم في القدرة على المقاومة والتصدي للعوامل المهددة، والاعتماد على القدرات والإمكانات المحلية، وتحقيق النشاط والحيوية في الاقتصاد الإيراني، وتقليص تبعية الاقتصاد الإيراني لقطاع النفط، وكل ذلك مرتبط بالعقيدة الجهادية التي يعتنقها النظام الإيراني في التعامل مع التحديات التي يفرضها الغرب.
استراتيجية الاتجاه شرقًا
بعد الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 رفعت طهران شعار "لا شرقية ولا غربية"، حيث سعت إيران إلى تبني سياسة مستقلة غير تابعة للشرق أو الغرب، لكن مع تصاعد الضغوط الغربية عليها بدأت طهران في الاتجاه تدريجيًا نحو الشرق لبناء شراكات اقتصادية واستراتيجية مع الصين وروسيا ودول آسيا الوسطى، بحثًا عن تقوية اقتصادها الوطني والخروج من العزلة الدولية.
وقد بدأ تنشيط هذا الاتجاه في عهد الرئيس السابق إبراهيم رئيسي، الذي سعى إلى تفعيل نظرية "الاقتصاد المقاوم" بشكل أكبر، وذلك بهدف تحصين الاقتصاد الإيراني ضد العقوبات الغربية، من خلال توسيع العلاقات التجارية والاستثمارية مع روسيا والصين، وزيادة التبادل التجاري خاصة في قطاع المعادن مع دول آسيا الوسطى، والانضمام إلى المنظمات الشرقية الكبرى مثل منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) والاتحاد الاقتصادي الأوراسي (EAEU).
ويضمن الاتجاه شرقًا لإيران عدة مكاسب تتمثل في توفير استثمارات في البنى التحتية والطاقة والنقل، ودعم الصناعات المحلية والتكنولوجية، والاستفادة من خبرات دول الشرق في هذه المجالات، وتوسيع التبادل التجاري وتنشيط قطاع المعادن مع دول آسيا الوسطى. ولذلك فإن التوجه شرقًا بالنسبة لإيران لم يعد مجرد خطوة تكتيكية، بل أصبح خيارًا استراتيجيًا بهدف تعزيز الاقتصاد المقاوم والاستقلال عن النظام المالي الغربي.
الدبلوماسية الاقتصادية
مؤخرًا تتجه إيران بشكل أكبر نحو دول آسيا الوسطى، وخاصة فيما يتعلق بالتعاون الاقتصادي، أو ما يمكن تسميته بـ"الدبلوماسية الاقتصادية"، وقد بدا ذلك من خلال تأكيد وزيري الطرق والتنمية الحضرية في إيران وكازاخستان على تحقيق هدف حجم التجارة البالغ 3 مليارات دولار، وضرورة تطوير موانئ إيران وزيادة الحركة التجارية من خلال تنويع طرق النقل، وذلك في لقاء جمع فرزانة صادق، وزيرة الطرق والتنمية الحضرية في جمهورية إيران الإسلامية، مع نورلان سورانباييف، وزير النقل في جمهورية كازاخستان، على هامش حضور القمة الثالثة للدول غير الساحلية.

وبدا من خلال مخرجات الاجتماع أن هناك اتجاهًا من الجانبين لوضع خطط مستقبلية لتعزيز التعاون والتنسيق في الملفات التي تشغل الجانبين، حيث ناقش الجانبان ضرورة تعزيز جميع قطاعات النقل بين إيران وكازاخستان، وأكدا أهمية وضع وثيقة شاملة للتعاون في مجال النقل مدتها خمس سنوات، كما أكد وزير خارجية كازاخستان عدم وجود أي قيود على قبول الرحلات الجوية الإيرانية على الأراضي الكازاخستانية.
واستكمالًا لهذا الاتجاه، تسعى إيران إلى شراكة جديدة مع دولة أوزبكستان تتعلق بالنشاط والتبادل التجاري، وقد بدا ذلك من خلال زيارة وزير الصناعة والتعدين والتجارة الإيراني محمد أتابك لأوزبكستان بهدف التفاوض مع كبار المسؤولين الأوزبكيين، بمن فيهم رئيس الوزراء ووزير الاقتصاد والصناعة، بالإضافة إلى التوصل إلى اتفاقيات جمركية جديدة وإزالة الحواجز الجمركية وتسهيل التجارة.
ورغم إشادة وزير الصناعة والتعدين والتجارة الإيراني بأن التبادل التجاري بين إيران وأوزبكستان شهد نموًا بنسبة 58٪، إلا أنه اعتبر هذا النمو غير كافٍ، داعيًا إلى تحقيق نقلة نوعية في العلاقات بين البلدين من خلال إزالة بعض العقبات، وخاصة في مجال النقل بالسكك الحديدية والطرق، والمشاكل الجمركية. وتؤشر هذه التصريحات على المساعي الإيرانية إلى تعزيز الشراكة مع أوزبكستان.
وتركز إيران في علاقاتها مع دول آسيا الوسطى على تنشيط قطاع المعادن الذي يمكن أن يكون أحد الموارد المهمة للاقتصاد الإيراني، حيث أظهرت بيانات منظمة تطوير وتحديث المناجم والصناعات التعدينية الإيرانية (IMIDRO) اكتشاف احتياطيات معدنية جديدة بقيمة تزيد على 28.7 مليار دولار في جميع أنحاء البلاد، وفي حال توفير الاستثمار الأمثل لهذا القطاع مع دول آسيا الوسطى فسيُمثّل دعمًا كبيرًا للاقتصاد الإيراني.
ختامًا:
يمكن القول إن إدراك إيران لعدم تغير السياسة الغربية تجاهها دفعها إلى الاتجاه التدريجي نحو الشرق، وذلك بهدف بناء استراتيجية داعمة لرؤيتها فيما يتعلق بالاقتصاد المقاوم، من خلال بناء شبكة من التحالفات الاقتصادية الجديدة التي تشمل دول آسيا الوسطى. ويبدو اهتمام إيران بتسريع هذه الوتيرة مؤخرًا والدفع باتجاه تشكيل شراكات راسخة مع دول آسيا الوسطى.
ويمثل توسيع الشراكة والتعاون مع أوزبكستان وكازاخستان في مجالات التعدين والنقل والطاقة تحولًا في مفهوم الأمن الاقتصادي الإيراني، الذي لم يعد مقتصرًا على الموارد النفطية، بل يحاول توظيف موارد وبدائل أخرى للخروج من حلقات الحصار التي يفرضها الغرب، من خلال البحث عن أسواق جديدة واستثمارات مستدامة، وتفعيل رؤية الاقتصاد المقاوم التي تستطيع تحقيق الانفتاح على دول العالم.
ويظل هذا التوجه مهددًا من جانب الغرب، في ظل قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على الضغط على الأسواق الجديدة التي تحاول إيران فتحها، وهو ما يتطلب مرونة إيرانية للموازنة بين العلاقات مع الغرب والبحث عن فرص جديدة مع دول الشرق.
محمد شعت*
كاتب وباحث في الشؤون الإقليمية والدولية



