تخوفات إسرائيلية من تشكيل لجنة تقصي حقائق في أحداث 7 أكتوبر
تُحمل المعارضة الإسرائيلية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، مسؤولية الإخفاق الأمني والاستخباراتي والعسكري الذي وقع في يوم 7 أكتوبر 2023، والذي كلف البلاد أكثر من 1200 ضحية وفق التقديرات الإسرائيلية. ورغم نجاحات الحكومة الإسرائيلية فيما بعد في تحييد حركة حماس وإضعاف قواها والانتصارات المتتالية على إيران وحلفائها في المنطقة (حزب الله)، إلا أن هناك أصواتًا في الداخل الإسرائيلي تطالب بفتح تحقيقات في أحداث 7 أكتوبر.
تعد لجان تقصي الحقائق أو لجان التحقيق سمة بارزة في السياسات الإسرائيلية العامة، خاصة بعد الإخفاقات العسكرية، إذ يتم تشكيل تلك اللجان بموجب قانون صادر عام 1968، إذ تتولى المحكمة العليا تعيين رئيس تلك اللجنة وأعضائها، وتعد توصيات تلك اللجنة غير ملزمة قانونيًا، إلا أنها ذات أثر سياسي فعال وقوي.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، بعد الهزائم العسكرية التي منيت بها تل أبيب في حرب الغفران (حرب أكتوبر)، تم تشكيل لجنة "أجرانات" للتحقيق في سبب تلك الهزائم، خاصة في الأيام الأولى من القتال. كما جرى تشكيل لجان أخرى على غرار لجنة "أجرانات" عقب حرب 1982 في لبنان، ولجان أخرى في عام 2006 و2010، وكلها تهدف في الأساس إلى بحث أسباب الهزائم والإخفاقات العسكرية الإسرائيلية أو بعض الانحرافات التي ارتكبت أثناء العمليات العسكرية. لذا، كان من المفترض أن يتم تشكيل لجنة تقصي حقائق فور اندلاع أحداث 7 أكتوبر للوقوف على أسباب الإخفاق الأمني والاستخباراتي.

ساهمت تقارير لجان تقصي الحقائق في الماضي في إنهاء الحياة السياسية للعديد من الشخصيات الكبرى في النظام السياسي الإسرائيلي، مثل رئيسة الوزراء السابقة جولدا مائير، ورئيس هيئة الأركان الإسرائيلية خلال حرب أكتوبر الجنرال دافيد إلعازار، الذين حملتهم لجنة "أجرانات" مسؤولية الأحداث. ومثلما كانت تلك اللجان سببًا في إنهاء الحياة السياسية للعديد من الشخصيات السياسية، كانت أيضًا بابًا جديدًا لتيارات سياسية أخرى للنهوض. فعلى سبيل المثال، كانت تداعيات لجنة "أجرانات" أنها ساهمت في بداية خفوت نجم "حزب العمل" وبروز نجم "حزب الليكود".
جدل في الكنيست
يسود حاليًا في الكنيست جدل كبير حول تشكيل لجنة للتحقيق في أحداث 7 أكتوبر، ففي الكنيست جرى جمع أربعين توقيعًا على مشروع قانون لتشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث 7 أكتوبر، مما استدعى إلزام حضور رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لجلسة المناقشة، والذي أبدى رفضه لتشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات 7 أكتوبر.

وبدلًا من تشكيل لجنة رسمية للتحقيق في الأحداث، اقترح تشكيل لجنة سياسية غير رسمية على غرار لجنة الحزبين التي تشكلت من الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة للتحقيق في أحداث الحادي عشر من سبتمبر، معللًا بأن الشارع الإسرائيلي لن يقبل لجنة تحقيق رسمية. ونتيجة لهذا الموقف، اتهمته المعارضة الإسرائيلية بالتهرب من المسؤولية.
إقحام الأزمة القضائية
لا يفوت نتنياهو أي فرصة سياسية لإبداء العداء مع المحكمة العليا في إسرائيل، فمن دواعي رفضه تشكيل لجنة رسمية هو أن تلك اللجنة سيتم تعيينها من قبل رئيس المحكمة العليا في البلاد، والذي يحظى بخلاف سياسي كبير مع نتنياهو منذ عام 2023 وحتى اليوم، إذ كانت هناك سجالات سياسية وقضائية بين الطرفين لم تنتهِ حتى الآن.
وأشار نتنياهو أيضًا إلى أن قوى وأحزاب اليمين الإسرائيلي، والتي تعتبر جزءًا من الائتلاف الحاكم والمسؤولة عن وزارة الأمن القومي إيتمار بن غفير، سترفض تشكيل لجنة رسمية للتحقيق في الأمر، وهو ما سيؤدي في النهاية إلى إحداث انقسام سياسي في الشارع الإسرائيلي.

موقف المعارضة
تتهم المعارضة الإسرائيلية نتنياهو بالتهرب من المسؤولية، وتدعي أن استطلاعات الرأي تؤيد تشكيل لجنة تحقيق رسمية، وأن رغبته في تشكيل لجنة غير رسمية ليكون له الدور الأكبر فيها والسيطرة على تحقيقاتها وصلاحياتها، مما يعيق الوصول إلى الحقائق.
وفق هذا السياق، أوضح زعيم المعارضة يائير لابيد، أن نتنياهو هو المسؤول الأول عن إخفاقات 7 أكتوبر، وأنه حاليًا يتهرب من مسؤولياته، وأنه مذنب ويجب أن يرحل. كما انتقد زعيم حزب "إسرائيل بيتنا، أفيجدور ليبرمان، رئيس الوزراء نتنياهو، واصفًا إياه بالتخلي عن مسؤولياته وإلقاء اللوم على الآخرين، مضيفًا بأنه المسؤول عن تخريب "قانون الحريديم"، والمسؤول الأول عن مجازر 7 أكتوبر. فيما انتقد رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، سعي نتنياهو، واصفًا إياه بأنه يحاول إنشاء لجنة وهمية.
لجان تحقيق الجيش
أكد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، أن الوصول إلى الأسباب الحقيقية لتفسير إخفاقات 7 أكتوبر ينبغي أن يتم عبر تشكيل لجنة خاصة للتحقيق، وأن جميع التحقيقات التي أجرتها اللجان المشكلة من الجيش لم تتوصل إلى معظم الحقائق وكانت غير كافية، إلا أنه تجنب الحديث عن تشكيل لجنة تحقيق رسمية حتى لا يتورط في الجدل السياسي حول هوية لجنة التحقيق المفترض تشكيلها.
سبق أن شكل رئيس هيئة الأركان السابق هرتسي هليفي، لجنة داخلية في الجيش للتحقيق في إخفاقات 7 أكتوبر، وضمت اللجنة كل من القائد السابق للقيادة الجنوبية اللواء سامي ترجمان، ونائب قائد سلاح البحرية السابق الأدميرال إيلي شارفيط، والقائد السابق لسلاح الجو الإسرائيلي اللواء عميكام نوركين، وغيرهم من قادة الجيش.

شملت تحقيقات الجيش الإسرائيلي على مستوى هيئة الأركان العامة والقيادة العليا للجيش أربعة مواضيع رئيسية وهي:
1- تصور الجيش الإسرائيلي لغزة.
2- تقييم استخبارات الجيش الإسرائيلي لقدرات حماس منذ عام 2014.
3- صناعة القرار يوم 7 أكتوبر.
4- القيادة والسيطرة والأوامر الصادرة خلال المعارك بين 7 و10 أكتوبر.
وفي هذا الصدد، تم التحقيق في 41 معركة منفصلة، وراجعت اللجنة 24 تحقيقًا كان على مستوى هيئة الأركان العامة، بالإضافة إلى تحقيق تكتيكي متعلق بالهجوم على مهرجان نوفا الموسيقي. واقتصرت 24 تحقيقًا على مستوى هيئة الأركان فقط، ولم تطرق إلى علاقة الجيش بالحكومة ومسؤوليتها السياسية، كما لم تتطرق إلى العلاقة بين الجيش والشاباك والشرطة الإسرائيلية.
تقييم لجنة ترجمان
استمعت اللجنة إلى شهادة 80 قائدًا عسكريًا وأجرت مقابلات مع أكثر من 70 شخصًا كانوا ذوي صلة بأحداث 7 أكتوبر، وخلصت اللجنة من التحقيقات التي أجرتها إلى النتائج التالية:
أ) عشر تحقيقات خضراء: بمعنى أن تلك التحقيقات كانت وافية وشاملة واحترافية، ويجب تطبيق نتائجها في الجيش الإسرائيلي.
ب) تسع تحقيقات برتقالية: تلك التحقيقات كانت تخص هيئة الأركان العامة ومهرجان نوفا، وتفيد بأنها توفر أساسًا جيدًا إلا أنها غير مكتملة ويجب استكمالها، حيث أنها لم تحدد نقاط الضعف ولا التغييرات التي يجب إجراؤها في الجيش.
ت) التحقيقات الخمس الحمراء: أفادت لجنة ترجمان أن هناك خمس تحقيقات تم إجراؤها لا ترتقي وكانت غير مرضية ويجب إعادة إجرائها مرة أخرى، وتلك التحقيقات متعلقة باستراتيجية الجيش تجاه غزة، وتخطيطات هيئة الأركان، وتحركات الجيش في 7 أكتوبر، وكذلك دور سلاح البحرية.
وبانتهاء تحقيقات لجنة ترجمان، حددت الأسباب الرئيسية في إخفاق 7 أكتوبر، موضحة أن الإخفاقات لم تكن ناجمة عن غياب معلومات، بل تراكمت معلومات مثيرة ومتنوعة تفيد باحتمالية شن حماس هجوم موسع على إسرائيل، مستغلة في ذلك الوقت الانقسام الداخلي في المجتمع الإسرائيلي جراء الأزمة القضائية التي كانت مشتعلة. إذ بررت اللجنة وجود فجوة بين المفاهيم الاستراتيجية والعملياتية للجيش تجاه قطاع غزة وحماس، وعدم الاهتمام بخطة "سور أريحا" الخاصة بالتعامل مع الهجمات الموسعة على إسرائيل.

لجان التجقيقات العسكرية
شكلت إسرائيل على مدار تاريخها خمسة لجان تحقيق رسمية، بدأت بلجنة "أجرنات"، والتي ترأسها رئيس المحكمة العليا شمعون أجرانات في 21 نوفمبر 1973 للتحقيق في أسباب الهزيمة العسكرية في حرب أكتوبر. وتشكلت اللجنة الثانية في سبتمبر 1982 تحت رئاسة رئيس المحكمة العليا وقتها يتسحاق كاهان للتحقيق في أسباب مجزرة صبرا وشاتيلا، والتي ألقت باللوم الكبير على حزب الكتائب اللبنانية وخففت من مسؤولية الجيش الإسرائيلي ووزير دفاعه أرئيل شارون.
أما اللجنة الثالثة "لجنة شمغار" فتشكلت في فبراير 1994 برئاسة رئيس المحكمة العليا مائير شمغار للتحقيق في أحداث الحرم الإبراهيمي، التي ارتكبها المتطرف باروخ جولدشتاين، وخلصت اللجنة إلى عدم وجود مسؤولية حكومية في ذلك الحادث وأنه حادث فردي. وفي ذات السياق، أوصت اللجنة بتقسيم الحرم الإبراهيمي بين المسلمين واليهود حتى لا يحدث أي احتكاك مباشر بين الطرفين.
وفي سبتمبر 2006 تشكلت اللجنة الرابعة بقيادة القاضي "إلياهو فينوغراد" للتحقيق في أداء الحكومة الإسرائيلية خلال حرب 2006 على لبنان، وأفادت اللجنة إلى أن قلة الخبرة السياسية لرئيس الوزراء إيهود أولمرت، وقيادة الجيش وقتها أدت إلى تذبذب أداء الجيش وعدم تحقيق أهدافه.
وأخيراً، تم تشكيل "لجنة تيركل" بقيادة القاضي يعقوب تيركل للتحقيق في أحداث سفينة المساعدات التركية مرمرة، التي هاجمتها القوات البحرية الإسرائيلية في 14 يونيو 2010 وأدت لمقتل 10 مواطنين أتراك وإصابة العشرات منهم، وخلصت نتائج التحقيقات إلى عدم تحميل الجيش الإسرائيلي أية مسؤولية جنائية أو سياسية نتيجة هذا الهجوم.
ختامًا:
تعكس الأزمة حول لجنة تقصي الحقائق في أحداث 7 أكتوبر عمق التحديات السياسية والأمنية في إسرائيل، حيث تصطدم المساءلة بالاعتبارات الحزبية والعداءات القضائية. وتثبت التجارب السابقة أن لجان التحقيق يمكن أن تغيّر موازين القوى الداخلية وتكشف إخفاقات خطيرة، لكن كشف الحقائق بالكامل لا يتحقق إلا بإرادة سياسية حقيقية، لضمان محاسبة المسؤولين واستعادة الثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع.



