رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

عملية "السيوف الحديدية": انحرافات الخطة الإسرائيلية وتراجع الثقة الأمريكية

العدوان الإسرائيلي
العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة - أرشيفية

أحدثت عملية "السيوف الحديدية" التي جاءت ردًا على عملية "طوفان الأقصى"، تحولات عميقة في المشهد السياسي العالمي والمحلي والإقليمي، فخلال عامين متتاليين من الاقتتال والمراوغات والمناورات السياسية الداخلية والخارجية، بات العالم أمام واقع جديد رسمته الحرب الأخيرة.

تجري حاليًا العديد من الدراسات المتنوعة حول تأثيرات الحرب الأخيرة سواء على الداخل الفلسطيني أو الإسرائيلي ومدى انسحاب تلك التأثيرات إلى دول الإقليم ومختلف دول العالم. وفي هذا الإطار قدم رئيس الاستخبارات العسكرية الأسبق ورئيس معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي تامير هايمان تحليله الخاص لتأثيرات الحرب خلال الفترة الأخيرة، والذي حمل عنوان: "The Swords of Iron War: Transformations in the Global, Regional, and Israeli-Palestinian Arenas - A Preliminary Assessment" ("حرب السيوف الحديدية: التحولات في الساحات العالمية والإقليمية والإسرائيلية الفلسطينية - تقييم أولي").

قيادات جيش الاحتلال الإسرائيلي - أرشيفية
قيادات جيش الاحتلال الإسرائيلي - أرشيفية

أولًا: أهداف الحرب

بعد أحداث السابع من أكتوبر، حددت الحكومة الإسرائيلية ثلاثة أهداف رئيسة للحرب في قطاع غزة وهي:

1- إنهاء سيطرة حماس على قطاع غزة واستبدالها بهيئة مدنية فلسطينية.

2- نزع سلاح الحركة تمامًا.

3- عودة الرهائن المختطفين يوم 7 أكتوبر 2023.

ولتحقيق الأهداف الثلاثة، وضعت حكومة الحرب الإسرائيلية خطة مكونة من أربع مراحل رئيسة متدرجة تبدأ بهجوم عسكري وتنتهي بإقامة سلطة مدنية بديلة لحركة حماس في قطاع غزة، ووضعت الخطة مدى زمني أقصاه عامان من أجل تنفيذ بنودها كاملة، على أن تكون مدة الاقتتال المباشر لا تتجاوز 90 يومًا، والخطة كالتالي:

المرحلة الأولى (التحضير والمناورة):

تشمل مناورات عسكرية واسعة مشمولة بتدخل بري مع حشد وتعبئة قوات الاحتياط، ومدة تلك المرحلة شهر واحد فقط.

المرحلة الثانية (النصر الحاسم):

تستمر هذه المرحلة ثلاثة أشهر فقط، وكان المفروض خلالها أن تقوم قوات الجيش الإسرائيلي بالتدخل المباشر لتفكيك الجناح العسكري لحركة حماس.

المرحلة الثالثة (الاستنزاف والانتقال السياسي):

تعتبر هذه المرحلة هجينة ما بين استمرار العمليات العسكرية لتصفية جيوب حركة حماس من ناحية، وبين إيجاد وتنصيب هيئة حكم مدنية لإدارة قطاع غزة، وكان من المفترض أن تستمر هذه المرحلة تسعة أشهر.

المرحلة الرابعة (الاستقرار):

في هذه المرحلة يتم تدعيم السلطة المدنية وفرض الاستقرار الأمني، ومدة المرحلة حوالي 12 شهرًا تقريبًا.

قوات الاحتلال الإسرائيلي - أرشيفية
قوات الاحتلال الإسرائيلي - أرشيفية

ثانيًا: انحرافات الخطة

يشير "هايمان" إلى أن الخطة الأساسية التي وضعتها حكومة الحرب الإسرائيلية شهدت انحرافات عملياتية، مثل عدم الالتزام بالجدول الزمني الموضوع، إذ تأخرت تل أبيب في الولوج إلى المرحلة الثالثة، فضلًا عن تبدل أهداف المعركة كليًا وظهور أهداف جديدة ناشئة، مثل طرد سكان القطاع وضمه وعودة المستوطنات إلى القطاع بعد إخلائه.

يرى "هايمان" أن حركة "حماس" نجحت في استغلال انحراف الخطة الأصلية لتحدث انقلابًا في الرأي العام العالمي، إذ بات يُرى حركة "حماس" في دور المظلوم والمعتدى عليه، بينما تُرى إسرائيل في دور الدولة المعتدية الغاشمة. 

أدى تلكؤ إسرائيل في الدخول إلى المرحلة الثالثة من القتال إلى إضعاف الثقة المتبادلة مع الولايات المتحدة، وتحديدًا إدارة الرئيس السابق جو بايدن، الذي بات يشكك في النوايا الإسرائيلية من المعركة، فجدول المعركة الأساسي وتفاصيله كان بالاتفاق مع الإدارة الأمريكية، وذلك وفق ما عبر عنه رئيس هيئة الاستخبارات العسكرية السابق.

كان من المفترض أن تنتهي المرحلة الثانية في فبراير 2024، ومن ثم الولوج إلى المرحلة الثالثة، وهو ما لم يحدث، إذ انشغلت الإدارة العسكرية في ذلك الوقت بتصفية زعيم حركة حماس يحيى السنوار، فضلًا عن فتح جبهة قتال جديدة في الشمال مع "حزب الله"، مما استدعى سحب الفرقة المدرعة (36) وإرسالها إلى الجبهة الشمالية، وجرى سحب الفرقة المدرعة من غزة إلى لبنان للحيلولة دون استدعاء قوات الاحتياط.

تزايد سخط الإدارة الأمريكية مع تداول وزيرين في الحكومة الإسرائيلية ـ ولعله يقصد هنا وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، ووزير المالية سموريتريش ـ معلومات تشير إلى تحول الخطة الرئيسة للحرب.

قوات الاحتلال الإسرائيلي - أرشيفية
قوات الاحتلال الإسرائيلي - أرشيفية

الخلاف الأمريكي-الإسرائيلي

يؤكد "هايمان" أن تغير خريطة أهداف إسرائيل ومراحل المعركة المتفق عليها أدى إلى انعدام ثقة الرئيس السابق جو بايدن بإسرائيل وإشعاره بالإهانة الشخصية، خاصة بالجزئية المتعلقة بعملية هجوم رفح والسيطرة على الجانب الفلسطيني من معبر رفح.

ارتأت إدارة واشنطن وقتها أن عملية رفح ستزيد من حصيلة الخسائر البشرية وتوقف تواصل الإمدادات الإنسانية والإغاثات من مصر، الأمر الذي دفع بايدن وقتها إلى تعليق شحنات القنابل والجرافات المدرعة للجيش الإسرائيلي.

عربات جدعون والمآزق السياسية والإنسانية

بلغت ذروة الانتقادات إلى إسرائيل إبان تفعيل خطة عربات جدعون، والتي تهدف إلى بسط السيطرة كاملة على قطاع غزة، مما أدى إلى حظر أوروبي عام على توريد الأسلحة إلى إسرائيل، إذ أضرت عملية تعليق المساعدات الإنسانية بالصورة الدولية للنظام الإسرائيلي، الذي اتهم بتهمة التجويع المتعمد للسكان في قطاع غزة.

ثالثًا: مكاسب على الساحة الشرق أوسطية

ورغم ارتباك الخطة الإسرائيلية وتزايد النفور الأوروبي-الأمريكي من السياسات الإسرائيلية، يرى "تامير هايمان" أن إسرائيل على مستوى الشرق الأوسط نجحت نجاحًا مبهرًا، إذ أحدثت انقلابًا كبيرًا في المحور الإيراني الشيعي، وكان النجاح الإسرائيلي في مواجهة إيران وحزب الله استثنائيًا، ويرجع ذلك إلى عدد من الأسباب:

1- التحضير الاستراتيجي العميق الذي جرى إعداده منذ سنوات، ويقصد هنا عملية البيجر، إذ تم توظيف قدرات إسرائيلية استغرقت سنوات في إعدادها.

2- الاستغلال الجيد لعشوائية الخصوم ووجود خفة حركة عملياتية لدى القيادة الإسرائيلية، إذ كانت عملية البيجر على وشك الانكشاف، فضلًا عن توافر معلومات استخباراتية عن اجتماع على سطح الأرض يضم قادة حزب الله ومنهم الأمين العام حسن نصر الله، مما استدعى توجيه ضربة عاجلة وقاتلة لمكان الاجتماع.

3- انخراط حزب الله في الحرب السورية ومن ثم تقليص قواته في الجنوب اللبناني، فضلًا عن اقتناع حسن نصر الله أن إسرائيل تتجنب المواجهة مع الحزب.

4- التنسيق الأمريكي-الإيراني في مواجهة إيران، إذ نجح التنسيق في تأخير المشروع النووي الإيراني وتآكل القدرات الصاروخية الإيرانية، وإثبات التفوق الجوي الإسرائيلي.

قوات الاحتلال الإسرائيلي - أرشيفية
قوات الاحتلال الإسرائيلي - أرشيفية

رابعًا: صعود المحور الإخواني

يرى "هايمان" أن المحور الشيعي تراجع للخلف تحت وطأة الضربات الإسرائيلية، وفي المقابل تصاعد محور آخر أُطلق عليه المحور الإخواني، المتمثل في دولتي قطر وتركيا، وتعزز هذا المحور بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 وسيطرة "هيئة تحرير الشام" المدعومة من تركيا على الحكم في دمشق.

ويرى أيضًا أن هذا المحور تعززت قواه بعد الهجمات الإسرائيلية على الدوحة في سبتمبر 2025، والتي أدت إلى سحب الدعم الأمريكي لإسرائيل وإطلاق جهود دبلوماسية للتهدئة مع قطر، أسفرت في النهاية عن اعتذار رسمي وعلني من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، واتجاه أمريكي لفرض وقف إطلاق النار في غزة.

قوات الاحتلال الإسرائيلي - أرشيفية
قوات الاحتلال الإسرائيلي - أرشيفية

خامسًا: إنجازات هشة

يوضح الكاتب أن حركة "حماس" فشلت في تحقيق أهدافها، فاستراتيجية الحركة كانت قائمة على الهجوم المفاجئ، ومن ثم جر إيران وحزب الله للحرب وشن حرب واسعة النطاق لتدمير إسرائيل، إلا أن تلك الخطة فشلت ذريًا وأدت إلى تدمير الحركة ذاتها وحلفائها.

ورغم وقف إطلاق النار، يبدو أن الأهداف الإسرائيلية، سواء المتعلقة بالخطة الرئيسية أو الأهداف المعدلة، لم يتحقق منها شيء، فحماس ما زالت مسيطرة على قطاعات في غزة، فضلًا عن امتلاكها للسلاح، ويرى الكاتب أن ثمة شعورًا بالنصر متناميًا داخل الحركة، خاصة بعد الفشل الإسرائيلي في تحقيق أهداف الخطة العسكرية.

ختامًا:

يثني "هايمان" على تماسك المجتمع الإسرائيلي وتحقيق الصمود الداخلي، إذ شكلت صدمة 7 أكتوبر حافزًا قويًا لتطوير رؤية مشتركة لمستقبل البلاد. إلا أن استمرار حملات اللوم والروايات المتضاربة من شأنها إعادة الاستقطاب وإثارة الصراعات الداخلية مرة أخرى، وينوه إلى أنه على القيادة الإسرائيلية استغلال ما حدث في بناء أجندة وطنية جامعة وتطلعية.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء