"بوكو حرام".. مأزق المنشقين بين العفو الحكومي والانتقام الدموي
في إطار مواجهتها لإرهاب جماعة "بوكو حرام"، فقد نفذت الحكومة النيجيرية منذ إدارة الرئيس السابق "محمد بخاري" برنامجًا للعفو عن المقاتلين السابقين في التنظيم، ومن المعروف أن تشجيع أنشطة الانشقاق والتجسس هو في صميم عمليات مكافحة الإرهاب. وعلى الرغم من تحقيق نتائج مرضية عبر تنفيذ برنامج "الممر الآمن" للمقاتلين السابقين والمنشقين، فالثابت أن هناك مواطن قصور نتجت عن ضعف التمويل وتحديات اجتماعية، وعدم كفاية واستدامة البرنامج ذاته. وعلى الرغم من أصولية هذه التحديات، هناك جانب آخر لم تعبّر عنه الأوساط الأكاديمية بالاهتمام، وهو فاعلية إعادة الاندماج مرة أخرى في المجتمعات المحلية، والدعاوى الانتقامية من الأشخاص المنشقين، خاصة الذين سيتحولون بعد ذلك للاصطفاف إلى جانب القوات العسكرية التي تحارب التنظيم، وهو ما سيتم مناقشته في هذا التقرير:
أولًا: طبيعة عملية الممر الآمن
تُعد عملية الممر الآمن ضمن برامج إزالة التطرف ونزع السلاح وإعادة الإدماج. وقد شرعت نيجيريا في تنفيذ هذه البرامج مع تغيير القيادة السياسية في نيجيريا، ومنذ عام 2016 بدأت أولى خطوات عملية الممر الآمن في المناطق الشمالية الشرقية من البلاد، خاصة في ولايات بورنو ويوبي وأداماوا. ويعتمد الأخير على تصنيف المقاتلين إلى فئتين: عالي الخطورة ومنخفض الخطورة. المقاتلون عاليو الخطورة يتم محاكمتهم، أما المقاتلون منخفضو الخطورة فيُطبق البرنامج عليهم. تركز العملية على توفير بيئة آمنة للمقاتلين التائبين من أجل تسليم أنفسهم دون خوف من الانتقام، ثم إخضاعهم لبرامج تدريب نفسي ومهني وتعليمي داخل مراكز مخصصة، بهدف إعادة تأهيلهم وإعادة دمجهم في المجتمع. كما تتضمن العملية تعاونًا بين القوات المسلحة النيجيرية، والمنظمات الإنسانية، والهيئات الحكومية المعنية بالتنمية الاجتماعية.

ثانيًا: تحديات عملية الممر الآمن
وعلى الرغم من أن المبادرة لاقت ترحيبًا من بعض الجهات باعتبارها خطوة نحو إنهاء الصراع، فإنها واجهت أيضًا انتقادات تتعلق بمدى استعداد المجتمعات المحلية لقبول العائدين، وفعالية البرامج في منعهم من العودة إلى التطرف، وضعف التمويل الذي يهدد جدوى العملية نفسها واستدامتها. أضف إلى ذلك الأخطاء التي شابت عمليات تصنيف المقاتلين، والمواءمات السياسية التي نُفذت لعدم تصنيف المقاتلين عالِيِي الخطورة. ويظل تردي أوضاع معسكرات البرنامج وعدم الفصل بين المقاتلين والأطفال من التحديات التي يمكن أن تعصف بجدوى البرنامج، إلى جانب قصور المواد التي يتم تدريب المقاتلين عليها، خاصة إذا كانوا مقاتلين سابقين لهم شأن في الجماعة. ومع ذلك، تظل "الممر الآمن" إحدى أبرز محاولات نيجيريا لتحقيق السلام المستدام بعد سنوات طويلة من العنف.
ثالثًا: الانتقام من المنشقين كأحد أدوات الترويع والإرهاب
يُعد انتقام الجماعة من المنشقين عنها أحد أهم التحديات التي يمكن أن يواجهها المقاتلون السابقون. ففعليًا رصدت عدة منظمات إنسانية شروع الجماعة في زرع جواسيس لها يقومون بجمع المعلومات عن أعضائها السابقين بهدف قتلهم كأسلوب للعقاب على الخيانة. ووفقًا لأحد الأعضاء السابقين في حديثه لمنظمة إنسانية: "يزور مقاتلو بوكو حرام وأعضاؤها المدينة وقتما يشاؤون لتنفيذ مهامهم وعمليات الاغتيال. وفي حالات عديدة، يتسللون إلى المدينة بقائمة تستهدف في أغلب الأحيان أعضاء فرقة العمل المدنية المشتركة، والجهات العسكرية الحكومية، وكبار رجال الأعمال، و"الكفار"، وغيرهم من الأعداء الذين استهدفوهم". كما أكد أن المستهدفين يُعتقلون ويُحاكمون، وغالبًا ما يُحكم عليهم بالإعدام أو السجن أو أشكال أخرى من العقوبات التي يصدرها الجهاز القضائي لبوكو حرام، وفي أحيان أخرى يُقتلون على الفور.
دفع هذا الوضع المقاتل السابق في بوكو حرام إلى الهجرة إلى إحدى المدن الحامية، حيث يحتمي بمعسكرات الجيش في مدينة "موننغو"، حيث قاعدة الإمداد اللوجيستي للفرقة الثامنة المسؤولة عن قيادة عمليات مكافحة الإرهاب في الشمال الشرقي النيجيري. ويقوم بممارسة حياته الشخصية ويحاول ألّا يدلي بمعلومات عن نفسه مفضلًا إخفاء هويته الحقيقية لعله يلاقي الأمان. ويبدو أن التنظيم يستمر في تتبع أثره، خاصة وأن هذا المقاتل قد شارك في عمليات مكافحة الإرهاب بعد أن انخرط لمدة 13 عامًا مع بوكو حرام، وقد استسلم عام 2021، ومن ثم شرع في تنفيذ عمليات مكافحة الإرهاب مع الجيش النيجيري كأحد القوات شبه العسكرية التي تساعد الجيش في توفير المعلومات الاستخباراتية والاستطلاع. لذلك فإن هذا المقاتل يعلم أنه على قائمة المستهدفين من الجماعة، وتزداد مخاوفه الشخصية حينما يعلم بهجمات "بوكو حرام" على المعسكرات التابعة للجيش.

ويكشف هذا الوضع مدى ضعف أساليب الحماية التي يجب أن توفرها الدولة للمقاتلين السابقين، خاصة حينما يتحولون إلى داعمين لجهود الجيش النيجيري. أضف إلى ذلك أن هؤلاء المنشقين يواجهون "وصمة عار مجتمعية"، إذ لا تزال المجتمعات المحلية تتعافى من الجرائم التي ارتكبتها الجماعة في حقهم. ومن جانب آخر، يؤكد ذلك أن الجماعة الإرهابية لا تزال موجودة وتتمتع بنفوذ وقدرة على تتبع المنشقين السابقين ومعاقبتهم على نشاطهم المناهض لها. ولطالما تقاعست الدولة عن تحسين برامج نزع التطرف وإعادة الإدماج، وعدم معالجة الأسباب الجذرية للإرهاب، فليس من المتوقع أن تختفي الجماعات الإرهابية، وأبرزها "بوكو حرام".
ختامًا:
يمكن القول إن هذه المبادرة مثلت خطوة مهمة في مسار مكافحة الإرهاب وبناء السلام في نيجيريا، لكنها ما زالت تواجه تحديات حقيقية تتعلق بضعف التمويل، وصعوبة إعادة دمج المقاتلين السابقين في مجتمعاتهم، واستمرار تهديد الجماعة لهم بالانتقام. ورغم النجاحات المحدودة التي تحققت، إلا أن نجاح البرنامج على المدى الطويل يتطلب دعمًا مؤسسيًا أكبر، وتوسيع برامج إعادة التأهيل النفسي والاجتماعي، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمعات المحلية. فبدون معالجة الأسباب الجذرية للتطرف، وضمان حماية العائدين، سيظل الطريق نحو سلام دائم واستقرار حقيقي في نيجيريا مليئًا بالتحديات.



