رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من الثورة إلى العزلة: تحولات المشهد الجهادي في ليبيا بعد سقوط القذافي

التنظيمات المسلحة
التنظيمات المسلحة في ليبيا - أرشيفية

شكلت ليبيا ما بعد القذافي مناخًا مزدهرًا سياسيًا لتيارات الإسلام السياسي، والتنظيمات الإرهابية المسلحة، إذ بات المناخ حينها مناسبًا للخطابات الثورية والإيديولوجية، وعلى الرغم من ذلك، فإن خفوت واختفاء التيارات الجهادية المسلحة من المشهد الليبي أصبح تساؤلاً، اختلفت في الإجابة عليه التفسيرات النظرية التقليدية (المدرسة الإيديولوجية، والبنائية)، وهو ما دفع الباحث "ولفرام لاشر" من المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية (SWP) لمناقشة هذا الوضع ليدون تفسيره ضمن دراسة حملت اسم "أين ذهب جميع جهاديي ليبيا"، وهو ما سنحاول إيضاحه في هذا التحليل، وذلك على النحو الآتي:

أولًا: تفسير المشهد في أعقاب سقوط القذافي

يرى الباحث أن التفسيرات النظرية التقليدية لم تقدم التفسير الشامل لفهم حالة تصاعد وازدهار صعود التيارات الإسلامية والجهادية، فعلى الرغم من أن المدرسة الإيديولوجية ترى أن انتشار الجماعات الإسلامية المسلحة ينبع من قناعة عقائدية راسخة تجعلها قادرة على الاستمرار والمواجهة، وأن المدرسة البنائية تعتبر أن التحالف مع الإسلاميين وظهورهم نتيجة لتهميش هذه التيارات أساسًا من قبل نظام القذافي، وبالتالي هي رد فعل عن الظلم والتجهيل، لم يعتبر الباحث هذه التفسيرات كافية. فبعد عام 2016 استمرت الحرب والانقسامات، ومع ذلك لم تعد الجماعات الإسلامية قادرة على تجديد تعبئتها، ما يعني أن ثمة عاملًا ثالثًا – اجتماعي وثقافي بالأساس – يجب أخذه في الحسبان.

التنظيمات المسلحة في ليبيا - أرشيفية
التنظيمات المسلحة في ليبيا - أرشيفية

وبالتالي وضع "لاشر" تفسيره عبر عدة اعتبارات اجتماعية وسياسية وثقافية، وذلك على النحو الآتي:

(أ) الاعتبارات التكتيكية

يعتبر "لاشر" أن الانضمام للجماعات الإسلامية لم يكن نتيجة اقتناع عقائدي، بل جاء كخيار تكتيكي مؤقت. فالأفراد والجماعات المحلية بحثوا عن تحالفات تضمن لهم الحماية أو النفوذ في بيئة يسودها الخوف والاضطراب. هذا التفسير يشرح كيف وجدت جماعات مثل "أنصار الشريعة" و"داعش" حلفاء بين الثوار السابقين في السنوات الأولى بعد الثورة، خاصة أثناء الصراع الأهلي الذي استمر 2014-2015، لكن هذا المنطق نفسه أدى إلى التراجع لاحقًا: عندما أصبحت هذه التحالفات عبئًا أو مصدرًا للتهديد، انسحب الحلفاء السابقون منها. أي أن التحالفات التكتيكية التي صنعت الصعود كانت هي نفسها سبب السقوط.

(ب) الحاضنة الاجتماعية مفتاح السر في الازدهار والخفوت

وفقًا للباحث "لاشر"، فإن الحاضنة الاجتماعية هي مفتاح السر في فهم الازدهار والخفوت للجماعات الإسلامية، فالجماعات الإسلامية المسلحة لم تنشأ في فراغ، بل كانت متجذرة في النسيج الاجتماعي الذي تشكّل أثناء الثورة على القذافي. فالكثير من الإسلاميين والجهاديين قاتلوا إلى جانب الثوار، ما منحهم رصيدًا من الثقة والشرعية في مجتمع محافظ بطبعه، وقد مكنهم هذا الوضع من العمل علنًا بل وتمثيل الليبيين في الانتخابات والوصول للبرلمان والحكومة، إلا أن هذه العلاقات الاجتماعية بدأت تتفكك بعد عام 2015، مع تصاعد العنف الجهادي وتحول الجماعات الإسلامية إلى عبء أمني وأخلاقي على المجتمع. وحين فقدت تلك الجماعات "القبول الاجتماعي"، دخلت مرحلة العزلة والتفكك.

التنظيمات المسلحة في ليبيا - أرشيفية
التنظيمات المسلحة في ليبيا - أرشيفية

(ج) موضة إسلامية أم التزام عقائدي

تتبنى الدراسة مفهومًا متحدثًا وهو "الموضة الإسلامية"، وتعبيرًا عن فكرة "الإسلامية السطحية"، ويقصد به تبني الخطاب الإسلامي والإيديولوجي بدافع براجماتي للتماهي مع التيار السائد ولاكتساب المكانة الاجتماعية، ومحاولة الاستفادة من القبول الاجتماعي لهذه التيارات في أعقاب المناخ الثوري السائد، ليس في ليبيا فقط بل في المنطقة. أي أن الأصل في الدافع للانضمام للجماعات الإسلامية والتيارات الجهادية ليس بدافع العقيدة والإيمان، ولكن بدافع براجماتي. وبالتالي يعتبر الباحث أن "لم تكن الجهادية في ليبيا مجرد مشروع عقائدي، بل ظاهرة اجتماعية عابرة استمدت قوتها من التقاليد المحافظة والفراغ السياسي بعد سقوط الدولة. ومع هزيمة داعش في 2016 وتبدّل المناخ الاجتماعي، فقدت تلك 'الموضة' بريقها بسرعة، تماماً كما ظهرت بسرعة".

ثانيًا: مراحل صعود وهبوط الحالة الإسلامية

قسم الباحث صعود وهبوط التيارات الإسلامية والجهادية في ليبيا إلى ثلاث مراحل، وذلك على النحو الآتي:

1-  مرحلة الصعود (2011-2014)

انبثقت الجماعات الإسلامية من رحم الثورة. كثير من قادتها كانوا سجناء سابقين أو منفيين سياسيين، فاستعادوا مكانتهم كـ"رموز مقاومة". تشكّلت كتائب مثل راف الله السحاتي وكتيبة أبو سليم في بنغازي ودرنة، وبرز خطاب ديني يمزج بين الوطنية والإسلامية.

تميزت هذه المرحلة بقدر من التسامح الاجتماعي مع الإسلاميين، إذ اعتُبروا شركاء في الثورة لا تهديداً. كما ساعد انهيار مؤسسات الدولة وغياب الأمن على انتشارهم العلني.

2 - مرحلة الذروة (2014-2016)

تزامنت مع الحرب الأهلية الثانية، حيث تحوّلت التحالفات التكتيكية إلى سمة عامة، الإسلاميون قاتلوا إلى جانب فصائل ثورية ضد قوات خليفة حفتر، فيما غضّت مصراتة النظر عن تمدد داعش في سرت بحجة التركيز على العدو الأكبر. في هذه الفترة، برز تنظيم الدولة الإسلامية كقوة عسكرية وإعلامية، واستغل حالة الفوضى لتجنيد الشباب المحليين والأجانب.

3- مرحلة الخفوت والانهيار (2016-2020)

بدأت الهزائم العسكرية لداعش في سرت ودرنة وبنغازي، وتحول المزاج الشعبي ضد الجماعات الإسلامية. الفظائع التي ارتكبها التنظيم شوهت صورة الإسلاميين عمومًا، حتى المعتدلين منهم. تزامن ذلك مع انهيار شبكة الثقة الاجتماعية بين الثوار السابقين والإسلاميين، إذ باتت أي علاقة بهم تُعتبر وصمة أو تهمة بالإرهاب. ومع مرور الوقت، انسحب كثير من القادة من المشهد أو غادروا البلاد، بينما اختفى النشاط الجهادي المسلح تقريبًا.

التنظيمات المسلحة في ليبيا - أرشيفية
التنظيمات المسلحة في ليبيا - أرشيفية

وعلى الرغم من معركة"الكرامة" التي قادها المشير "خليفة حفتر" لاستعادة ليبيا وتقدمه على مشارف العاصمة طرابلس، وهو المناخ الذي كان يمكن أن يمثل فرصة للتعبئة ضده، إلا أن أي تحالف جهادي جديد لم يظهر. كانت الجماعات الإسلامية قد فقدت شرعيتها بالكامل، ليس فقط سياسيًا، بل اجتماعياً وأخلاقيًا.

وختامًا:

يخلص الباحث إلى أن سقوط الجماعات الإسلامية والجهادية في ليبيا جاء نتيجة سياق اجتماعي وثقافي، وجاءت هزيمتهم الأخلاقية والاجتماعية كهزيمتهم العسكرية والسياسية. والواقع أن الدراسة قدمت مفهومًا سوسيولوجيًا مبنيًا على لقاءات ميدانية لقادة سابقين ومنشقين، وتعتبر مدخلاً هاماً لفهم أسباب انضمام الأفراد وخروجهم من الحركات الإسلامية المسلحة.

التنظيمات المسلحة في ليبيا - أرشيفية
التنظيمات المسلحة في ليبيا - أرشيفية

ويلفت الباحث أخيرًا إلى ضرورة الحذر في استخدام مصطلحات "إسلامي" أو "جهادي"، خاصة وأنها قد تم استخدامها ضد الخصوم للإشارة إلى وصمتهم الاجتماعية أو للتخلص منهم. كما أن المشروع الإسلامي في ليبيا لم يكن مشروعًاً متماسكًا مبنيًا على رؤى قوية، بل كان تعبيرًا عن حالة اجتماعية مؤقتة فقد زخمها حين وضعت في مواطن تولي المسؤولية وانكشاف عوارها في إدارة الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أي كانت تعبيرًا عن هوية جماعية مؤقتة، مرهونة بالقبول والثقة الاجتماعية، والتي حين فقدها المجتمع، شهدنا خفوتها وتلاشيها.

شيماء حسن* 

 باحث دكتوراه متخصصة في الشأن الإفريقي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء