رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

المغرب والبوليساريو.. صراع ممتد بين الحكم الذاتي وتقرير المصير

قوات البوليساريو-
قوات البوليساريو- أرشيفية

عقد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أمس جلسة لمناقشة واستعراض آخر تطورات ملف "المغرب وجبهة البوليساريو"، وتمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة "مينورسو MINURSO" لمدة عام آخر، وقد تقدمت الولايات المتحدة بمشروع قرار يمهد لوضع حل للأزمة بين الحكومة المغربية والجبهة، وقد اعتمد مجلس الأمن القرار رقم 2797، الذي يجدد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (مينورسو) لمدة عام واحد، حتى 31 أكتوب 2026. وقد حظي النص بموافقة 11 دولة، وامتناع ثلاث دول عن التصويت (الصين وباكستان وروسيا)، بينما لم تصوّت الجزائر. يستعرض هذا التقرير الأزمة المستمرة منذ عقود ومواقف الدول الأخرى من التصويت، وذلك على النحو الآتي:

أولًا: جذور الأزمة بين المغرب وجبهة البوليساريو

شأنها شأن الدول الإفريقية التي غادرها الاستعمار منذ عام 1975 والتي تُعد "مسمار جحا"، وبلغة أكاديمية أكثر تُعد "أقاليم تطالب بالاستقلال"، فبعد انسحاب "إسبانيا" المستعمر القديم عن المغرب، ظهرت أزمة إقليم "البوليساريو"، إذ سارعت المغرب بالسيطرة على الإقليم مقابل رفض أبناء "الصحراء" أو الجبهة الاندماج مع المغرب، وهو ما ساهم في استمرار الحرب بين الطرفين.

<span style=قوات البوليساريو -أرشيفية ">
قوات البوليساريو -أرشيفية 

وفي عام 1991 تم الاتفاق على وقف إطلاق النار وإرسال بعثة الأمم المتحدة إلى الإقليم في محاولة لتثبيت الاتفاق، وانتهاءً بتنظيم استفتاء لأبناء الإقليم، واستمر عمل البعثة إلى الوقت الراهن، ولكن لم يتم إجراء الاستفتاء بسبب "قضية الجنسية" ومن له حق التصويت: من هو "الصحراوي" وبالتالي يجوز له حق التصويت في الاستفتاء، ومن هو المستوطن القادم من المغرب بعد عام 1975 وبالتالي لا يحق له المشاركة.

وعلى الرغم من المحاولات الدولية لتقديم اقتراحات للتوفيق بين الطرفين، فإنها باءت بالفشل، وهو ما أكده سابقًا وزير الخارجية الأمريكي الأسبق “جيمس بيكر" قبل انسحابه من المفاوضات عام 2003، وذلك لعدم وجود رغبة لدى الطرفين لوضع حل نهائي للصراع.

وباختصار، ينظر المغرب إلى إقليم الصحراء بأنه جزء من أراضيه، ووفقًا لمشروع "خطة السلام 2007" فهو يقترح منح الحكم الذاتي للإقليم تحت السيادة المغربية، بالمقابل ترفض الجبهة الاندماج مع المغرب أو حتى منح حكم ذاتي وفق الرؤية المغربية، وتسعى لتنظيم استفتاء ينتهي بتحقيق الاستقلال، وبالتالي حقها في تقرير مصيرها.

ثانيًا: مسودة المقترح الأمريكي المقدم لمجلس الأمن

منذ عام 2007 بدأت الأمم المتحدة تميل أكثر إلى فكرة الحكم الذاتي الواقعي بدلًا من الاستفتاء الصعب التنفيذ، نتيجة لفشل المحاولات الأممية لإيجاد مخرج مناسب. ومنذ وصول "ترامب" في فترة رئاسته الأولى اعترف بالسيادة المغربية على إقليم الصحراء، وذلك في نطاق توسيع اتفاقات إبراهام والتطبيع بين المغرب وإسرائيل.

أهالي إقليم<span style= البوليساريو - أرشيفية">
أهالي إقليم البوليساريو - أرشيفية

وقد تقدمت الولايات المتحدة بمسودة مشروع قرار لتمديد فترة ولاية البعثة الأممية، ويقر بأن وضع "الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية" يُشكّل الحل الأكثر جدوى، وبالتالي الاصطفاف بجانب المغرب، وقد أُقر القرار بموافقة 11 عضوًا، وامتناع الجزائر عن التصويت، ورفض كلٍّ من باكستان وروسيا والصين. ويدعو قرار الأمم المتحدة جميع الأطراف المعنية إلى "اغتنام هذه الفرصة غير المسبوقة لتحقيق سلام دائم".

وقد كانت بوادر الموقف الأمريكي حاضرة، ففي تصريحات المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال برنامج "60 دقيقة" أشار إلى أن المغرب والجزائر يمكنهما التوصل إلى سلام دائم، وهنا يمكن الإشارة إلى دعم الجزائر للجبهة، وأنها قضية أساسية في التنافس بين الجارتين المغاربيتين. كما أشار مستشار الرئيس الأمريكي "مسعد بولس" في تصريحات سابقة إلى أن الولايات المتحدة تدعم المغرب التي تسيطر على 80% من مساحة الإقليم، ما عدا "المنطقة الصحراوية" التي تسيطر عليها الجبهة.

<span style=قوات البوليساريو- أرشيفية">
قوات البوليساريو- أرشيفية

ثالثًا: مواقف طرفي الصراع

وبمجرد إقرار مسودة القرار، بثّ التلفزيون المغربي كلمة للملك "محمد السادس"، أشاد فيها بالقرار الأممي، واعتبر أن هذا التاريخ 31 أكتوبر مرحلة مفصلية في سبيل وحدة التراب المغربي، كما أشاد بالسياسة المغربية التي عملت على تغيير مواقف الدول في الأمم المتحدة، حيث أصبح ثلثا الدول يدعم الخطة المغربية للسلام. وقد تعهد بأمن وسلامة المغاربة واللاجئين في مخيمات "تندوف"، ووجّه دعوة للرئيس الجزائري لحوار صادق، من أجل تجاوز الخلافات، وبناء علاقات جديدة تقوم على الثقة وروابط الأخوة وحسن الجوار.

وعلى جانب آخر، خرجت المظاهرات في منطقة تندوف الصحراوية الجزائرية لتدين مسودة القرار الأمريكي بمجرد الإعلان عنه، حيث اعتبر المعارضون أن مشروع القرار يُهمّش حقهم المنشود في تقرير المصير، معبّرين عن غضبهم إزائه. ومن جانبه شكر سفير جبهة البوليساريو لدى الأمم المتحدة "سيدي محمد عمر" الحلفاء الذين امتنعوا عن التصويت والجزائر على احتجاجهم على التصويت، قائلًا إن هذا "أوضح تمامًا أن قرار اليوم لا يعني أي اعتراف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية"، وأن الإقليم ما يزال إقليمًا غير متمتع بالحكم الذاتي وفق تصنيف الأمم المتحدة، ما يعني أن القرار جاء كمحاولة لفرض رؤية سياسية ولا يغيّر من الوضع القانوني للإقليم.  

وفي الواقع يعكس هذا القرار ضعفًا دبلوماسيًا لجبهة "البوليساريو" ودولة الجزائر -الداعم الأساسي لها- فعلى الرغم من رفض دول روسيا والصين وباكستان، فإن إقرار المسودة بالاستناد إلى مرجعية "الحكم الذاتي المغربي" يجعلها المرجعية الأساسية لأي مفاوضات قادمة، وهو وضع مختلف عن موقف الحياد الذي كانت تتبناه الأمم المتحدة سابقًا.

<span style=قوات البوليساريو - أرشيفية">
قوات البوليساريو - أرشيفية

وعلى أي حال، يُفهم من عدم تصويت (روسيا والصين وباكستان) رفضهم لانفراد الولايات المتحدة بالقرار والنفوذ، ولكن أيضًا يرسلون رسالة بأنهم لن يعرقلوا عمل البعثة الأممية ولن يدخلوا في صراع مع الأمريكيين. وعلى أي حال، فلكل دولة قضيتها التي تدافع عنها وتبني عليها سياستها، فالجزائر وباكستان تدعمان حق تقرير المصير، أما الصين فتتمسك بمبدأ الحياد ورفض فرض حل سياسي دون توافق الأطراف، وروسيا ترفض تغليب النفوذ الأمريكي على الملف.

وإجمالًا، يمكن القول إن المغرب قد حققت "انتصارًا" غير كامل، لكنها خطوة في صالحها، وذلك بتمديد عمل بعثة الأمم المتحدة التي تحافظ على سيطرة المغرب عسكريًا في معظم أراضي الإقليم. فإقرار المسودة بهذا الشكل يمثل تحولًا في الموقف الدولي من الحياد إلى تبني الرؤية المغربية، ويضعف من موقف البوليساريو، وذلك على الرغم من اعتراض القوى الكبرى. وقد نرى في الأيام المقبلة تحركات سياسية من قبل "الجزائر" لإعادة الزخم لقضية "جمهورية الصحراء"، وقد تسعى لتحركات داخل الاتحاد الإفريقي الذي يعترف بها -باعتبارها قضية تخص تصفية الاستعمار القديم-، كما يمكن أن تستغل الجزائر أطرافًا في دول قارة أمريكا اللاتينية مثل المكسيك، بوليفيا، كوبا، فنزويلا، والمناهضة للنفوذ الأمريكي، لتكوين جبهة مناوئة للنفوذ الأمريكي، وبالتالي استغلال حالة التوترات الموجودة أصلًا لتصبح قضية الصحراء صراعًا بين "الشرعية الدولية" و"الهيمنة الأمريكية".

شيماء حسن* 

 باحث دكتوراه متخصصة في الشأن الإفريقي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء