حفتر يدعو الليبيين لاستعادة القرار الوطني عبر حراك شعبي منظم
قال قائد الجيش الليبي "خليفة حفتر" إن ليبيا تحتاج إلى "تغيير جذري" في المشهد السياسي لضمان الأمن والاستقرار ووحدة أراضي البلاد. وقد نقلت صفحة القيادة العامة للجيش الوطني الليبي على منصات التواصل الاجتماعي تصريحات المشير، والتي تفيد بضرورة "أن يتولى الشعب زمام الأمور بأنفسهم عبر حراك سلمي منظم لتقرير مصيرهم وبناء ليبيا".
وقد جاءت دعوة "حفتر" على هامش لقاء مع مشايخ وأعيان وحكماء قبائل بني وليد، وخلال أكتوبر الماضي، وأثناء اجتماعه بوفود القبائل في مدينة "فزان"، أكد "حفتر" أن "الجيش منح الوقت الكافي لمعالجة الأزمة السياسية، لكن دون جدوى". وأضاف أن "ليبيا تقف عند نقطة مفصلية تفرض علينا اتخاذ القرار الحاسم بشأن المشهد السياسي المتأزم لنتمكن من بناء البلاد". ويناقش التقرير تحليل سياق تصريحات "حفتر" وذلك على النحو الآتي:
أولًا: السياق السياسي لتصريحات المشير "حفتر"
جاءت التصريحات في سياق سياسي مضطرب، إذ حاولت الأمم المتحدة، وعبر مبعوثتها "حنة تيتا"، تقديم خارطة طريق لوضع حل للأزمة الليبية المتفاقمة في 21 أغسطس الماضي، وربما إحداث اختراق في الأفق السياسي المغلق منذ عام 2021. وقد تضمنت خارطة الطريق ثلاث خطوات أساسية:
1) وضع آليات للوصول إلى الانتخابات.
2) توحيد المؤسسات الليبية عبر تشكيل حكومة موحدة.
3) تشكيل حوار واسع لضمان مشاركة جميع الليبيين في مناقشة القضايا الوطنية.

إلا أن هذه الخطة تواجه عقبات سياسية كبيرة، خاصة فيما يتعلق بالخلافات حول القوانين الانتخابية وشروط الترشح. وتستهدف المرحلة الأولى معالجة الخلافات حول القوانين الانتخابية (الإطار الدستوري والقانوني)، بينما تسعى المرحلة الثانية إلى توحيد المؤسسات الليبية من خلال تشكيل حكومة موحدة تشمل مختلف المناطق، في حين تحاول المرحلة الثالثة إنشاء حوار وطني واسع النطاق لمناقشة القضايا المختلفة وإشراك جميع أطراف المجتمع الليبي.
ويبدو أن التحديات التي تواجهها هذه الخطة قد تعاظمت، وتتمثل في غياب الإرادة السياسية لحل أزمة الانقسام السياسي بشأن الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات، وإعادة تنظيم المفوضية العليا للانتخابات، وصعوبات توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية، وفقدان الأطراف المشاركة في السلطة نفوذها إذا تمت عمليات التوحيد، وأخيرًا انتشار الميليشيات المسلحة وتدخل الأطراف الإقليمية والدولية لدعم الأطراف الليبية المختلفة. وقد أكدت "حنة تيتا" هذه التحديات في إحاطتها لمجلس الأمن بتاريخ 14 أكتوبر الماضي.
ثانيًا: دلالات تصريحات "حفتر"
بالرجوع إلى نص التصريحات نجد أنها جاءت بلغة حاسمة، وتُظهر تمسكه بـ"الكلمة النهائية"، مما يعكس فكرة أنه فاعل رئيسي ومهيمن، وبالتالي يمنحه مزيدًا من القوة في التفاوض وتأكيدًا على تعزيز النفوذ العسكري والسياسي. أما السياق المكاني والزماني فهو مرتبط بلقائه مع القبائل سواء في الشرق أو الغرب. هنا يمكن أن نتحدث عن محاولاته توحيد الشرق والجنوب واكتساب ولاء هذه القبائل وضمان تأييدها خلال أي عملية عسكرية يمكن أن يخطط لها، أو حتى عبر عمليات سياسية، أي إنه يحاول أن يقول: "أنا هنا وأضمن أي اتفاق سياسي أو أي تحرك عسكري".

وهنا أيضًا يمكن أن نعتبر أن تصريحاته رسالة إلى الأطراف الأخرى في الغرب، التي تتمسك بشرعيتها الدولية وتحاول فرض إرادتها. وأخيرًا يمكن فهم التصريحات في إطار فشل المحاولات والمبادرات الإقليمية والدولية لتحقيق التوافق السياسي، وبما أن "حفتر" رجل عسكري فهو لا يعرف سوى لغة الحسم.
أما مضمون تصريحات "حفتر" بأن الشعب لا بد أن يتولى زمام الأمور بنفسه، فهو هنا يحاول تجميع الليبيين حول قيادته، وربما تأليب القبائل والعائلات على الحكومة في طرابلس، خاصة بعد تردي الأوضاع الاقتصادية في ليبيا. وعلى أي حال، فإن المشير "حفتر" دائمًا ما يسعى إلى التأكيد على استعادة ليبيا وتحقيق الأمن والاستقرار.
وعلى أي حال، فإن المحللين قد انقسموا في تفسير نوايا "حفتر"، فبعضهم يفسرها على أنها محاولة للاستفادة من الزخم حول ضرورة وجود توافق سياسي، والبعض الآخر يفسرها على أنها ربما تمثل البديل في حال تعثرت الجهود الأممية. ويمكن رصد تنامي نفوذ حفتر في الغرب الليبي وبين أوساط القبائل والعائلات في طرابلس مؤخرًا، وهنا يمكن القول بأن "حفتر" ربما يتجهز للجولة القادمة.
ثالثًا: الدعم الدولي والإقليمي
في الواقع يسعى "حفتر" إلى شرعنة وجوده وتعزيز العلاقات مع القوى الدولية والإقليمية المؤثرة في ليبيا، إذ يمكن رصد العلاقات الوثيقة بينه وبين روسيا، الحليف الدولي الذي لا يمكن إغفال وجوده، خاصة بعد إقامة القواعد العسكرية في الجنوب والشرق، والعلاقات مع بعض دول الاتحاد الأوروبي مثل إيطاليا، التي تقليديًا هي داعمة لحكومة الدبيبة، ولكن هذه العلاقات يمكن فهمها في إطار التعاون التقني لإدارة ملف الهجرة غير الشرعية، وأيضًا اليونان، حيث يمكن رصد زيارة وزير الخارجية اليوناني George Gerapetritis لبنغازي للقاء حفتر في يوليو 2025 لتوسيع العلاقات الدبلوماسية والعسكرية بين اليونان وشرق ليبيا. كما يسعى لتعزيز التعاون مع مصر كلاعب إقليمي، وأطراف عربية خليجية أخرى، ويمكن أيضًا رصد لقاءات مع مسؤولين أمريكيين وأتراك.
الواقع أن تدخل الأطراف الدولية والإقليمية قد أعاق بشكل كبير إيجاد مخرج سياسي، خاصة وأن الأطراف الداعمة في الداخل الليبي لا يمكن أن تفضل مصلحة الليبيين على حساب مصالحها. وليس أدل على هذا من التصريحات التي أدلى بها وزيرا الخارجية الروسي والتركي في أعقاب الاشتباكات التي حدثت في طرابلس ومقتل أحد قادة الميليشيات المسلحة، وتكرار الأمر نفسه مع قائد قوات الردع، حيث اتفق الطرفان على أن "روسيا وتركيا اتفقتا على استخدام نفوذهما على الأطراف الليبية لمنع استئناف الأعمال العدائية في البلاد"، وهو ما يوضح تفاقم الأزمة الليبية واحتكار الحل بيد الأطراف الخارجية، وهو ما لا يصب في مصلحة الشعب الليبي.

ختامًا:
تعكس تصريحات خليفة حفتر الأخيرة رغبته في تثبيت موقعه كفاعل رئيسي في المشهد الليبي، وليس مجرد طرف عسكري. فهي تحمل دلالات واضحة على رفضه للتهميش السياسي وسعيه لفرض دور "ضامن" لأي اتفاق مستقبلي، مستنداً إلى قوته العسكرية وتحالفاته القبلية. كما تمثل رسالة ضغط على البعثة الأممية والأطراف الداخلية بأن أي خارطة طريق لا تراعي نفوذه قد تواجه تعطيلًا أو تصعيدًا، في حين تُظهر أيضاً محاولته توظيف علاقاته الإقليمية مع مصر وروسيا لتعزيز موقعه التفاوضي في المرحلة المقبلة.



