اختبار السيادة: مأزق الحكومة اللبنانية بين ضغوط واشنطن ورفض حزب الله
تواصل الحكومة اللبنانية تأكيد جديتها في تنفيذ خطتها لحصر السلاح بيد الدولة، وذلك على الرغم من التحديات التي تواجه تنفيذ هذه الخطة، وعلى رأسها الضربات الإسرائيلية التي تتعرض لها الأراضي اللبنانية، واعتبر مجلس الوزراء اللبناني في جلسته الأخيرة أن المسار الدبلوماسي هو السبيل الوحيد لإنهاء العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان، مع التأكيد على حصر السلاح بيد الجيش اللبناني لضمان الأمن والاستقرار في البلاد.
وتأتي التحركات اللبنانية في إطار خطة اعتمدتها الدولة اللبنانية، حيث أعلن مجلس الوزراء اللبناني في أغسطس الماضي تأييده لشروط خطة أمريكية لتعزيز "اتفاقية وقف الأعمال العدائية" الموقعة في 27 نوفمبر 2024 بين لبنان وإسرائيل، والتي تتضمن جدولًا زمنيًا لنزع سلاح حزب الله، وسط معارضة من ممثلين عن حزب الله وحركة أمل، ما يمثل تحديًا آخر أمام خطة الحكومة.

حصر السلاح وتحقيق السيادة
يأتي قرار الحكومة اللبنانية بحصر السلاح في يد الدولة حرصًا على تحقيق السيادة وسيطرة الدولة على جميع أراضيها بعيدًا عن سيطرة الميليشيات، ومن ناحية أخرى جاء القرار في إطار الضغوط الدولية التي رهنت المساعدات العسكرية للجيش اللبناني بتنفيذ هذه الخطة والالتزام بخارطة طريق أمريكية التزم لبنان بموجبها بوضع "جميع الأسلحة تحت سلطة الدولة" في جميع أنحاء البلاد.
وجاءت خارطة الطريق الأمريكية بهدف فرض واقع جديد في لبنان تكون الحكومة فيه هي المسيطرة وصاحبة القرار، حيث قدم توم باراك اقتراحًا إلى الحكومة اللبنانية يتضمن نزع سلاح حزب الله، وذلك في مقابل إجراءات لدعم لبنان تتضمن دعم قدرات الجيش اللبناني وسحب القوات الإسرائيلية من النقاط الحدودية التي سيطرت عليها بعد الحرب، وترسيم الحدود، ووضع حد للانتهاكات الجوية والبرية التي ترتكبها القوات الإسرائيلية.
ويتمثل الواقع الجديد الذي تسعى الخطة اللبنانية والوثيقة الأمريكية إلى تحقيقه في إنهاء الوضع القديم في لبنان، والذي يتمثل في افتقاد لبنان للدولة المركزية القادرة على رسم استراتيجية دفاع علمية بسبب هيمنة حزب الله على قراري الحرب والسلم، ونتيجةً لذلك تعطّل بناء سياسة دفاع وطنية، خاصة وأن الحزب يربط سلاحه بمشروع عابر للحدود تديره إيران.
وقد نتج غياب سيادة الدولة عن هيمنة السلاح غير الشرعي وارتباطه بمحور خارجي، ما جعل لبنان جزءًا من مشروع خارجي تغيب فيه مركزية الدولة، ولذلك فإن الخطة التي اعتمدتها الحكومة اللبنانية تسعى إلى بناء سياسة دفاع وطنية تكون ركيزتها استعادة الحصرية الأمنية واحتكار قرار السلم والحرب، وإدراك الدولة أن ذلك لن يتحقق إلا بضرورة تقوية الجيش، وضبط الحدود، وتجفيف الاقتصاد الموازي للسلاح.
وجاءت الضغوط التي تعرض لها "حزب الله" فضلًا عن الضربات الإسرائيلية التي نالت من قوته، وقبوله باتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، بمثابة فرصة للبنان لاستعادة سيادته المفقودة منذ عقود من الفوضى والاحتلال العسكري وهيمنة الجماعات المسلحة غير الحكومية، حيث تبنى كل من الجيش اللبناني والحكومة الجديدة أنشطة نزع السلاح، في مقابل دعم دولي لانتشار أوسع للجيش اللبناني ونقاط تفتيش في جميع أنحاء البلاد، وانسحاب كامل لحزب الله وإسرائيل من الجنوب، ووقف التحليق الجوي الإسرائيلي.

تحديات داخلية أمام سيادة لبنان
تواجه خطة الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة تحديات داخلية أبرزها موقف "حزب الله" الذي اعتبر أن الحكومة اللبنانية ترتكب "خطيئة كبرى" بتكليف الجيش بتأسيس احتكار الدولة للأسلحة، معتبرًا أن قرار تجريد لبنان من سلاحه لمقاومة العدو الإسرائيلي يخدم مصلحة إسرائيل بشكل كامل، وأن هذه القرارات جاءت بإملاءات أمريكية، لذلك فإن الحزب سيتعامل معها وكأنها غير موجودة.
ويستند حزب الله إلى التمسك بـ"سلاح المقاومة" كغطاء سياسي لرفض حصر السلاح في يد الدولة، وذلك على الرغم من تأكيده الانفتاح على الحوار ووقف العدوان الإسرائيلي على لبنان وتحرير أرضه وإطلاق سراح الأسرى والعمل على بناء الدولة وإعادة إعمار ما دمره العدوان الغاشم، والتزام إسرائيل باتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه العام الماضي، والذي تنتهكه إسرائيل بشكل صارخ.
وفي ظل الضغوط الخارجية والتحديات الداخلية، تواجه الحكومة اللبنانية مأزقًا، حيث أمهلت الولايات المتحدة الجيش اللبناني شهرًا واحدًا لتنفيذ حصر السلاح، ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن الموفد الأمريكي توماس باراك قوله إنه "منح الجيش اللبناني مهلة تنتهي في نهاية نوفمبر الجاري لإحداث تغيير في الوضع المتعلق بقضية سلاح حزب الله"، محذرًا من جولة جديدة من الحرب تشنها إسرائيل، حيث قال: "ستتمكن إسرائيل من شن هجمات وستتفهم الولايات المتحدة ذلك".
في المقابل، ألمحت الحكومة اللبنانية إلى أن حصر السلاح يحتاج إلى المزيد من الوقت، حيث قال رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام إن الدولة اللبنانية استردت قرار الحرب والسلم، ولكن تنفيذ خطة حصر السلاح بيد الدولة سيستغرق وقتًا، مشيرًا إلى أن لبنان حقق تقدمًا كبيرًا في الأشهر الأخيرة فيما يتعلق بالاستقرار والشعور بالأمان، وكذلك التزام الحكومة الجديد بوضع لبنان على طريق جديد.

ويبدو أن الحكومة اللبنانية تدرك جيدًا أبعاد المهمة الموكلة إليها بحصر السلاح، وأن المهلة التي أعطتها لها الولايات المتحدة الأمريكية لن تكون كافية، في ظل احتياج الجيش اللبناني للمزيد من الإمكانات التي تساعده على نزع السلاح، إضافة إلى التحديات الأخرى التي تحتاج إلى التعامل الحذر معها تجنبًا لتفجير الأوضاع الداخلية، خاصة في ظل الحاضنة الشعبية للحزب الذي يرى أن السلاح مرتبط بالقدرة على المقاومة، وبالتالي فإن الحكومة تحتاج إلى القدرة على الموازنة بين القوى الداخلية والتعامل الهادئ مع البيئة الطائفية.
الضربات الإسرائيلية كغطاء سياسي للحزب
تأتي الضربات الإسرائيلية على لبنان في وقت بالغ التعقيد بالنسبة للحكومة اللبنانية التي تحاول أن ترسخ سيادتها في الداخل عن طريق نزع الأسلحة، لكنها في الوقت نفسه تواجه انتهاكات للسيادة من الخارج بالضربات الإسرائيلية، وإن كانت تل أبيب ترجع غاراتها الجوية على جنوب لبنان إلى محاولات منع حزب الله من إعادة تسليح نفسه.

وتواصل إسرائيل ضرباتها على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم توقيعه بين حزب الله وإسرائيل العام الماضي، وبموجب هذا الاتفاق يُفترض أن ينزع حزب الله سلاحه، وأن يوقف الطرفان إطلاق النار على بعضهما البعض، وأن تنسحب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، ولا تزال إسرائيل تسيطر على خمسة مواقع في لبنان.
وتصف الحكومة اللبنانية الضربات الإسرائيلية بـ"الخطيرة"، وقال رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام إن التصعيد الإسرائيلي الأخير "خطير جدًا"، مشيرًا إلى أن الحكومة اللبنانية تعمل على حشد كل ما يمكنها من دعم سياسي ودبلوماسي عربي ودولي لوضع حد للانتهاكات الإسرائيلية، وكذلك النجاح في تأمين الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية ووقف العمليات العدائية والإفراج عن الأسرى اللبنانيين.
وإذا كانت الحكومة اللبنانية تعتبر الضربات الإسرائيلية انتهاكًا، فإن هذه الضربات أيضًا ستكون بمثابة محفز للأطراف الداخلية الرافضة لنزع السلاح، وعلى رأسها "حزب الله" الذي يعتبر هذه الضربات عدم التزام من الجانب الإسرائيلي باتفاق وقف إطلاق النار، ما يمنحه غطاءً سياسيًا لرفض تسليم السلاح، خاصة إذا بدت الحكومة اللبنانية عاجزة عن وقف الانتهاكات الإسرائيلية ضد الأراضي اللبنانية، وهو ما يزيد من صعوبة الموقف الذي تمر به الحكومة اللبنانية، التي تعيش بين ضغوط خارجية ورفض داخلي وانتهاكات إسرائيلية.
ختامًا:
يمكن القول إن الحكومة اللبنانية تقف في الوقت الراهن أمام "اختبار السيادة"، سواء أمام القوى الداخلية الرافضة لحصر السلاح بيد الدولة أو أمام الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة ضد الأراضي اللبنانية، ففي الوقت الذي تستند فيه الدولة إلى إقرار "سيادة الدولة" بنزع السلاح في الداخل، تجد سيادتها منتهكة أمام الضربات الإسرائيلية.
كما أن الغارات التي تنفذها إسرائيل باستمرار بحجة منع إعادة بناء قدرات حزب الله تمنح الحزب غطاءً سياسيًا لتمسكه بالسلاح، في ظل ضعف موقف الدولة التي تبدو غير قادرة على حماية أراضيها، وهو ما يزيد الضغوط على الحكومة اللبنانية ويُضعف حجتها أمام الداخل اللبناني، ويُضيّق المساحة التي تتحرك فيها لتنفيذ خطتها.



