رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

خطة نزع سلاح حزب الله.. تخوفات أمريكية من إعادة بناء قدراته القتالية

سلاح حزب الله اللبناني
سلاح حزب الله اللبناني -أرشيفية

 لا تزال الغارات الجوية على مناطق جنوب لبنان لم تنقطع رغم مرور أكثر من عام على قرار وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، فمؤخرًا، وبعد وقف إطلاق النار في قطاع غزة، تزايدت المخاوف الإسرائيلية من احتمالية قيام حزب الله، الوكيل الإيراني في المنطقة، بإعادة تعبئة قواته وبناء قدراته من جديد بعد سلسلة الهزائم التي مُني بها خلال الحرب الماضية.

اغتيال الكوادر الوسيطة

بعد قضاء إسرائيل في الحرب الأخيرة على معظم قادة الحزب في غارات جوية استهدفت مراكز القيادة، سعت تل أبيب منذ توقيع وقف إطلاق النار إلى استهداف القيادات الناشئة والوسيطة في الحزب من خلال غارات جوية استهدفت موردي أسلحة وعناصر قيادية شابة في بلدات جنوب لبنان.

منذ التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، تم استهداف أكثر من 300 عنصر في الحزب، معظمهم من القيادات الوسيطة والمؤهلة لتتولى مناصب أكثر قيمة وحيوية داخل الحزب وفرقة الرضوان، الجناح العسكري للحزب.

سلاح حزب الله اللبناني -أرشيفية 
سلاح حزب الله اللبناني -أرشيفية 

معضلة حزب الله

يمر الحزب حاليًا بأوقات عصيبة لم يمر بها منذ نشأته، إذ فقد خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل حوالي 5000 مقاتل، كما تم تدمير ما يقارب من 80% من ترسانته العسكرية والصاروخية، فضلًا عن اغتيال قادته والأمين العام الراحل حسن نصر الله.

لم تكن الخسائر العسكرية وحدها سبب معضلة الحزب، فقبل الهزائم العسكرية كانت الهزيمة السياسية في انتخابات 2022 التشريعية، والتي فقد فيها الحزب قوته البرلمانية والسياسية، إذ لم يفز إلا بـ61 مقعدًا من أصل 128، الأمر الذي أضعف مشاركته في الحكومة بـ5 مقاعد من أصل 24 مقعدًا، وافتقاده لقوته السياسية المتمثلة في "الثلث المعطل" في الحكومة.

في السابق كان "الثلث المعطل" بمثابة حق النقض "الفيتو" يستخدمه الحزب أينما وكيفما شاء إذا رأى قيام الحكومة باتخاذ قرارات أو قوانين من شأنها الإضرار بمصالح الحزب أو شركائه.

فقدان "الثلث المعطل" وتبعه الهزائم العسكرية الكبرى، فتح شهية حكومة الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام في اتخاذ قرارات ما كانت تستطيع أية حكومة لبنانية سابقة اتخاذها، ألا وهي نزع سلاح حزب الله وإدماجه في قوات الجيش اللبناني، وفي أغسطس 2025 أصدر رئيس الوزراء نواف سلام قراره بنزع سلاح الحزب خلال خمس مراحل على أن تنتهي العملية تمامًا بنهاية عام 2025، أي أننا أمام أقل من شهرين على انقضاء مهلة نواف سلام.

سلاح حزب الله اللبناني -أرشيفية 
سلاح حزب الله اللبناني -أرشيفية 

حرب أهلية على الأبواب

مع إصرار حكومة نواف سلام على نزع سلاح حزب الله، فإن شبح الحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـــــ 1990) يعود من جديد ليطفو على ساحة الأحداث السياسية اللبنانية، فالحزب رغم هزيمته في الحرب الأخيرة إلا أنه لم يفقد مصادر تمويله وخطوط تهريب الأسلحة الخاصة به.

فلا تزال سوريا، رغم سقوط الأسد، هي الرافد الرئيس لتمويل الحزب والخط الرئيسي لتهريب السلاح الإيراني إلى الحزب، فالحكومة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع لم تستطع إلى الآن فرض سيطرتها الكاملة على كافة الأراضي السورية، وهو الأمر الذي يستغله مورّدو الأسلحة في نقل السلاح الإيراني من سوريا إلى البقاع اللبناني ومنه إلى الجنوب حيث مواقع الحزب.

ورغم صدور قرار نزع السلاح في أغسطس الماضي، إلا أن الجيش اللبناني لم يتحرك على الأرض فعليًا، ولم يأخذ أية مبادرة من شأنها إثبات جدية قرار الحكومة، وذلك للتخوف العميق من احتمالية اندلاع حرب أهلية.

سلاح حزب الله اللبناني -أرشيفية 
سلاح حزب الله اللبناني -أرشيفية 

فأحداث عام 2008 حينما حاولت حكومة سعد الحريري وقتها السيطرة على الاتصالات وتأمين مطار بيروت، كانت ردة فعل حزب الله عنيفة من خلال احتلال بيروت الغربية. فقيادة الجيش اللبناني ما زالت مترددة بعض الشيء في اتخاذ مثل تلك الخطوة، فالحزب ما زال يمتلك مقاتلين قادرين على مواجهة الجيش اللبناني، كما أن تلك الخطوة ستدفع حزب الله إلى الاستبسال في القتال، كما عبّر أمينه العام الحالي نعيم قاسم، حين صرح بأنه "لن يكون له حياة إذا وقفتم في الجانب الآخر وحاولتم مواجهتنا والقضاء علينا".

كما أن هناك نقطة أخرى تقلق القيادة العسكرية اللبنانية، وهي احتمالية انشقاق الجيش اللبناني نفسه في حال تنفيذ تلك الخطة الرامية إلى نزع سلاح الحزب، خاصة أن المكون الشيعي في الجيش اللبناني ليس بالقليل، فبعض المصادر ترجح أن نسبة الشيعة في الجيش تقارب 50% من إجمالي قوته البشرية.

تخوفات أمريكية من إعادة بناء الحزب لقدراته

في تقرير حديث أصدرته مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، أوضحت تخوف الإدارة الأمريكية من استغلال الحزب لشبكاته الاقتصادية والتجارية المنتشرة في أمريكا اللاتينية وأفريقيا في الحصول على التمويل اللازم لإعادة بناء قدراته القتالية.  

سلاح حزب الله اللبناني -أرشيفية 
سلاح حزب الله اللبناني -أرشيفية 

أوضح التقرير أن تلك الشبكات كانت ولا تزال الحصن الأخير للحزب في تمويل عملياته ومشترياته وتمويل عملية إعادة الإعمار ودفع تكاليف ورواتب أعضائه وتعويضات الأسر المتضررة من الحرب، وجَرَى ذلك بعد حرب عام 2006 وأيضًا بعد عام 2009 حين قلّ الدعم الإيراني بسبب بعض الاضطرابات الداخلية "الثورة الخضراء"، وتزايد نشاط تلك الشبكات مع انخراط الحزب في عمليات الاقتتال في سوريا.

أوضح التقرير أن ثمة جهودًا مبذولة من الحكومة اللبنانية لمنع تمويل الحزب، مثل قرار الحكومة بعدم هبوط الطائرات الإيرانية في مطارات لبنان، وتفتيش الإيرانيين عند وصولهم، ومنع البنوك اللبنانية من العمل مع نظيراتها الإيرانية وغيرها.

يؤكد تقرير "فورين بوليسي" أن الحزب لجأ مؤخرًا إلى قواعده في غرب إفريقيا وأمريكا اللاتينية لحصد التمويل اللازم لعمليات إعادة الإعمار في جنوب لبنان وتمويل بناء قدراته، ففي تقرير صادر عن "شبكة إنفاذ الجرائم المالية التابعة لوزارة الخزانة الأمريكية" في أكتوبر 2024 أكد أن الحزب يمتلك شبكات غسيل أموال في غرب إفريقيا.

سلاح حزب الله اللبناني -أرشيفية 
سلاح حزب الله اللبناني -أرشيفية 

ويرى التقرير الأمريكي ضرورة تصنيف بلدان غرب أفريقيا وأمريكا اللاتينية حزب الله على أنه منظمة إرهابية حتى تتمكن تلك الدول من متابعة أموال الحزب ومصادرتها، ففي البرازيل تمكنت سلطات التحقيق من تعقب مصادر تمويل الحزب داخل البلاد، إلا أنها في النهاية تراجعت ولم تُعطِ قيمة لهذا الأمر لأنها لم تصنف الحزب كمنظمة إرهابية.

وختامًا:

الجهود المبذولة حاليًا، سواء من الحكومة اللبنانية أو من الغارات الإسرائيلية أو حتى الملاحقات الأمريكية لمصادر تمويل الحزب، ستضعف الحزب بشكل كبير، إلا أنها في النهاية لن تستطيع القضاء عليه تمامًا ما لم يحدث أي من الأمور التالية، وهي:

التدخل العسكري المباشر من إسرائيل رفقة الولايات المتحدة في مناطق الجنوب اللبناني على غرار الغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان في عام 1982، بغية التخلص من فصائل المقاومة الفلسطينية، وفي تلك الحالة من المحتمل أن تنجح القوات الأمريكية ـ الإسرائيلية في القضاء تمامًا ونهائيًا على الحزب، إلا أن ذلك الخيار سيكون مكلفًا بدرجة كبيرة وقد يستنزف الموارد الإسرائيلية كلها.

سلاح حزب الله اللبناني -أرشيفية 
سلاح حزب الله اللبناني -أرشيفية 

إشعال الحرب الأهلية في لبنان من خلال مواصلة الضغط على الجيش اللبناني والحكومة لأجل فرض خطة متسرعة لنزع السلاح، الأمر الذي قد يؤدي في النهاية إلى حرب أهلية قد تزيد من حالة الإضعاف في قدرات الحزب، وذلك من خلال تقديم الدعم اللوجستي للقوات والعناصر المعادية للحزب وتحقيق تفوقهم النوعي، إلا أن هذا الخيار قد يكون محفوفًا بالمخاطر الكثيرة، سواء على مستقبل الدولة اللبنانية ذاتها أو على مستقبل المنطقة، إذ من المحتمل أن تنخرط دول إقليمية مثل سوريا والسعودية وإيران في تلك الحرب.

إيجاد البديل: تعد تلك الفرضية هي الأنسب في الوقت الحالي والأكثر فعالية والأقل تكلفة، فالحزب ما زال يحتفظ بشعبيته في الجنوب، ومنه تخرج الكوادر والتبرعات والتمويلات، ولتحقيق القضاء على الحزب يجب إيجاد البديل المنافس له في مناطق الجنوب الشيعي، فمثلما أزاح الحزب "حركة أمل" من على الواجهة السياسية الشيعية في لبنان، يجب أن تسمح الدولة اللبنانية بإيجاد ممثل آخر قوي للشيعة اللبنانيين في الجنوب. وفي تلك الحالة ستتآكل الحاضنة الشعبية للحزب تدريجيًا إلى أن يندثر ويتحول إلى كيان سياسي بسيط، مثلما هو الحال حاليًا مع "حركة أمل" التي كانت في نهاية السبعينيات وحتى نهاية الثمانينيات تنظيمًا عسكريًا قويًا محكمًا، حتى نجح حزب الله في التهام حاضنتها الشعبية.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء