رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

وفد "الخزانة الأمريكية" في لبنان.. رسائل مزدوجة لحزب الله وإيران

رئيس الحكومة اللبنانية
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفد الخزانة الأمريكي

تتواصل الضغوط على الحكومة اللبنانية لمواجهة النفوذ الذي يمثله حزب الله بدعم إيراني، حيث تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى تقويض النفوذ الإيراني في المنطقة عبر إضعاف الأذرع، ولذلك فإن واشنطن تسعى إلى استغلال الفرصة الحالية في ظل الظروف التي يمر بها حزب الله بعد الضربات التي تعرض لها عقب عملية "طوفان الأقصى"، والأضرار الهيكلية التي لحقت به وتراجع قدراته بشكل كبير، ومنعه من إعادة بناء هذه القدرات.

وترى "واشنطن" أن الحكومة اللبنانية لا بد أن يكون لها الدور الأبرز في مواجهة تهديدات حزب الله ومنعه من فرض سيطرته أو التحكم في أي قرارات تخص الدولة، خاصة قرارات "السلم والحرب"، وذلك في الوقت الذي تحاول فيه الإدارة الأمريكية تجفيف المنابع المالية للحزب عبر فرض العقوبات على الكيانات المرتبطة به.

  الرئيس اللبناني جوزف عون يلتقى نائب مساعد الرئيس الامريكي لشؤون مكافحة الإرهاب سيباستيان غوركا
  الرئيس اللبناني جوزف عون يلتقى نائب مساعد الرئيس الامريكي لشؤون مكافحة الإرهاب سيباستيان غوركا

منع الحزب من إعادة بناء قدراته 

في إطار التحركات الأمريكية لمنع الحزب من إعادة بناء قدراته، جاءت زيارة وفد وزارة الخزانة الأمريكية، والتي التقى خلالها الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام، حيث أعرب الوفد عن قلقه من استمرار تهريب الأموال إلى حزب الله لتمويل الإرهاب وتسليحه، وهو ما يحدث عبر الحدود الشرقية مع سورية رغم الحظر الأمريكي الرامي إلى تجفيف كل مصادر تهريب الأموال إلى الحزب.  

الوفد الذي جاء برئاسة نائب مساعد الرئيس الأمريكي لشؤون مكافحة الإرهاب سيباستيان غوركا، وعضوية وكيل وزارة الخزانة لشؤون الإرهاب جون هيرلي، والاختصاصي في مكافحة الإرهاب في مجلس الأمن القومي رودولف عطا الله، استند إلى معلومات في حوزته تفيد بأن إيران تمكنت في الأشهر المنصرمة من تهريب نحو مليار دولار أمريكي لتعزيز قدرات حزب الله وإعادة بناء بنيته العسكرية وتسليحه، في وقت لم ينتهِ فيه الجيش اللبناني بعد من تنفيذ خطة تجريد الحزب من سلاحه.

هذه المعلومات التي يستند إليها الوفد تمثل ضغطًا إضافيًا على الحكومة اللبنانية التي تسعى مؤخرًا إلى إتمام خطتها لنزع سلاح الحزب وحصره بيد الدولة وسط تحديات متعددة، يأتي على رأسها رفض الحزب لهذه الخطة استنادًا إلى "سردية المقاومة"، واعتبار مساعي الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة تأتي بإملاءات أمريكية وإسرائيلية، وفق تصريحات سابقة لمسؤولين في الحزب.

الحكومة اللبنانية تحاول المضي قدمًا في استعادة الدولة وتفعيل مؤسساتها رغم المعوقات التي تواجهها، وهو ما أكده رئيس الجمهورية جوزيف عون لدى استقباله الوفد الأمريكي، مؤكدًا أن لبنان ماضٍ في إصلاحاته الاقتصادية، بما فيها إجراءات متشددة لمكافحة تبييض الأموال وتهريبها ومنع تمويل الإرهاب، بالتزامن مع خطة الجيش لبسط سيطرته جنوب نهر الليطاني كما في شماله.

وتأتي هذه التحركات الأمريكية في الوقت الذي تبرر فيه إسرائيل ضرباتها على جنوب لبنان أيضًا بمنع الحزب من إعادة بناء قدراته، حيث أرجع الجيش الإسرائيلي غاراته على جنوب لبنان إلى رصد أهداف تابعة لحزب الله ومحاولات الحزب لإعادة بناء قدراته في المنطقة، وأن المباني التي يتم استهدافها تُستخدم من جانب الحزب في أنشطة إرهابية.

وتسبب الضربات الإسرائيلية إحراجًا للحكومة اللبنانية، حيث إنها تأتي رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل في نوفمبر 2024، وبموجب الاتفاق كان على إسرائيل وقف العمليات الهجومية والانسحاب تدريجيًا من مواقعها داخل جنوب لبنان، بينما كان على حزب الله سحب أسلحته الثقيلة شمال نهر الليطاني.

دلالات الزيارة الأمريكية

تؤشر الزيارة الأمريكية إلى تحقيق أهداف بعيدة المدى تتعلق بمواجهة نفوذ حزب الله والنفوذ الإيراني في المنطقة بشكل عام، حيث إن الزيارة تحمل طابعًا ودلالات استراتيجية، ولا يمكن اعتبارها مجرد لقاء دبلوماسي، وذلك لما تحمله من أهداف تتعلق بمواجهة التمويل الإيراني لحزب الله، والمضي قدمًا في خطة تحوّل موازين القوى الداخلية في لبنان.

تعكس الزيارة أيضًا توجهًا أمريكيًا جادًا لفرض "واقع جديد" داخل لبنان يتضمن دعم مؤسسة الدولة في مواجهة نفوذ حزب الله، وهي رسالة أيضًا إلى إيران بأن "واشنطن" لن تسمح لها بالإبقاء على سياستها في لبنان، وأنها ستواجه نفوذها الإقليمي في المنطقة عبر حصار أذرعها في الدول الحاضنة.

كما تأتي الزيارة في إطار استكمال الإجراءات الأمريكية ضد الموارد المالية لحزب الله، والإعلانات المستمرة من جانب وزارة الخزانة الأمريكية عن فرض عقوبات على كيانات وأشخاص مرتبطين بالحزب، وهو ما يمثل ضغطًا هائلًا على مقدرات الحزب، حيث تعتبر وزارة الخزانة أن تجفيف منابع الدعم للحزب هو أهم الخطوات التي قد تمنع مخططاته، وفي يوليو الماضي فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع للوزارة عقوبات على سبعة مسؤولين كبار وكيان واحد مرتبط بالمؤسسة المالية التي يسيطر عليها حزب الله، وهي مؤسسة القرض الحسن.

وكيل وزارة الخزانة الأمريكية لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية جون هيرلي<br> 
وكيل وزارة الخزانة الأمريكية لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية جون هيرلي
 

وباعتبار أن إيران لا تزال الممول الرئيس للحزب، وتوفر له تمويلًا مباشرًا، فإنها ستوفر له الدعم أيضًا من خلال شبكات دولية واسعة للتعافي من انتكاساته الأخيرة، ولذلك فإن واشنطن ترسل رسائل بأنها ترصد كل التمويلات التي تصل إلى الحزب وترصد الشبكات التي تستطيع أن توفر له الدعم أو التمويل، في ظل تحركات مكثفة من جانب وزارة الخزانة الأمريكية لتجفيف هذه المنابع.

وتدرك واشنطن الغاية الإيرانية من دعم الحزب في الفترة الراهنة، إذ إن طهران تريد اللعب بورقة النفوذ الإقليمي، وأن أذرعها في المنطقة لا تزال تملك التأثير على المصالح الأمريكية، وهو ما يمنح إيران مساحة للمناورة مع الغرب في الملفات العالقة، والتي يأتي على رأسها الملف النووي الإيراني، لذلك فإن واشنطن تبدو متمسكة باستراتيجية واضحة في لبنان تستهدف حزب الله وإيران معًا.

ورغم قدرة حزب الله على الحصول على تمويلات من خلال قنوات يصعب رقابتها، مثل التحويلات الرقمية، إلا أن نجاح واشنطن في تعطيل شبكات الحزب ومنع التمويل الإيراني سيعرقل محاولات إعادة بناء القدرات، خاصة في ظل ازدياد احتياجات الحزب لإعادة بناء قدراته العسكرية التي دمرتها إسرائيل بشكل كبير أثناء استهدافها لعناصره وبنيته التحتية، وذلك في الوقت الذي تبلغ فيه تكاليف إعادة الإعمار مليارات الدولارات.

ختامًا:

 يمكن القول إن زيارة وفد الخزانة الأمريكية إلى لبنان ولقاء رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء للتعبير عن القلق من الدعم الإيراني لحزب الله بمليار دولار، يعكسان استراتيجية أمريكية داعمة للدولة في مواجهة الميليشيا وفرض واقع جديد داخل لبنان، وأن هذه الاستراتيجية لا تستهدف الحزب وحده، لكنها تستهدف النفوذ الإيراني بشكل عام.

عناصر مسلحة من حزب الله 
عناصر مسلحة من حزب الله 

كما أن الزيارة تأتي في الوقت الذي تبدو فيه مؤشرات على إعادة بناء قدرات الحزب، وهي مسألة تريد واشنطن عرقلتها بكافة السبل، وعدم السماح بوجود قوة مسلحة ومنظمة خارج إطار سلطة الدولة، وهو ما يتلاقى مع خطة الحكومة اللبنانية التي تسعى لحصر السلاح بيدها والتحكم وحدها في قرارات السلم والحرب.

سيواجه الحزب ومن خلفه إيران كل هذه التحركات من خلال تصدير "سردية المقاومة" التي تعتمد عليها إيران في ترسيخ نفوذها في المنطقة، في محاولة لمنع السيطرة على سلاح حزب الله أو وضعه تحت مظلة الدولة، واستعادة مكانة الدولة اللبنانية وتفعيل مؤسساتها وقدرتها على إدارة علاقتها بمكوناتها الداخلية.

محمد شعت*

كاتب وباحث في الشؤون الإقليمية والدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء