الحوثي على منصة القومية العربية: جدل حول شرعية الحركة
أثيرت حالة من الجدل بسبب عرض كلمة مسجّلة لعبد الملك الحوثي، زعيم حركة الحوثيين "أنصار الله"، في افتتاح الدورة الرابعة والثلاثين للمؤتمر القومي العربي في بيروت. ففي الوقت الذي يرى فيه اتجاه أن عرض كلمة الحوثي هو دعم لـ"محور المقاومة" وتوحيد الصف ضد العدو الإسرائيلي، يرى اتجاه آخر أن عرض كلمة الحوثي هو محاولة لشرعنة حركة غير شرعية ولها سجل حقوقي مُشين.
ويأتي عرض خطاب عبد الملك الحوثي في "المؤتمر القومي العربي" في ظل انقسام عربي حول شرعية حركة الحوثيين. فعلى الرغم من تأييد البعض لها بسبب عملياتها ضد إسرائيل بعد عملية "طوفان الأقصى"، تظل الحركة متهمة بالانقلاب على الحكومة الشرعية في اليمن والسيطرة غير الشرعية على مناطق في الدولة اليمنية، فضلًا عن اتهامها بارتكاب انتهاكات حقوقية بحق المواطنين اليمنيين.

دلالات ورسائل سياسية
يمكن تفسير حرص القائمين على "المؤتمر القومي العربي" على عرض كلمة مسجلة لزعيم الحوثيين باعتبارها حركة مقاومة تعمل في إطار محور يجب أن يبدو موحدًا أمام الانتهاكات التي ترتكبها إسرائيل في المنطقة، سواء في الأراضي الفلسطينية أو العدوان المستمر ضد لبنان وسوريا، ما يتطلب التلويح باستمرار تماسك المحور وقدرته على المواجهة.
ويبدو من رسائل القائمين على المؤتمر أن هذا هو الهدف الرئيس من إقامة الدورة، وبطبيعة الحال فإن الجبهة المؤيدة لفكرة "محور المقاومة" ترى في كل حركة أو جماعة تابعة للمحور أنها تقوم بعمل مقاوم يستحق الدعم، ومن الطبيعي استدعاء عبد الملك الحوثي في هذه المناسبة باعتباره جزءًا من المحور الذي يهدف المؤتمر إلى دعمه.

وبالنظر إلى الخطاب الذي تبناه المؤتمر فهو يتطابق إلى حد كبير مع ما قاله عبد الملك الحوثي أثناء كلمته المتلفزة. ففي الوقت الذي تم الإعلان فيه عن أن هدف اللقاء هو إعادة تقييم المشروع القومي العربي، ووضع استراتيجية جماعية لمواجهة الهيمنة الغربية والتطبيع مع إسرائيل، والتأكيد على دعم حركات المقاومة في فلسطين ولبنان واليمن وغيرها من ساحات المواجهة، جاءت كلمات مسؤولين من حزب الله والحوثيين لتؤكد الفكرة ذاتها.
قال مسؤول العلاقات العربية في حزب الله، عمار الموسوي، ممثل الأمين العام للحزب نعيم قاسم، خلال المؤتمر إن حزب الله "ليس نادمًا على قرار دعم غزة"، واصفًا إياه بأنه "من أشرف وأنبل الخيارات في تاريخ المقاومة". وأضاف الموسوي أن عملية طوفان الأقصى كانت "لحظة صمود وكرامة منقطعة"، وأكد أن المواجهة ليست مع إسرائيل فقط بل "حرب استعمارية غربية تسعى لإضعاف المنطقة". كما أشاد الموسوي بدور جبهات المقاومة في لبنان وإيران واليمن والعراق، وخاصة أنصار الله في اليمن، لـ"مساهمتها الاستراتيجية في محاصرة الكيان الصهيوني وضرب عمق الأراضي المحتلة".

وجاءت كلمة عبد الملك الحوثي متطابقة إلى حد كبير مع ما قاله الموسوي، حيث اعتبر الحوثي أن العدو الإسرائيلي يسعى لفرض شرق أوسط جديد تحت الهيمنة الصهيونية، محذرًا من أن "البعض لا يزال غافلاً عن مسؤولياته في ظل عامين من العدوان المفتوح"، معتبرًا أن محور المقاومة من غزة إلى لبنان أجبر العدو على وقف عدوانه بالصمود والمعادلة الذهبية للجيش والشعب، مشيدًا بالدور الريادي والحاسم لحزب الله في جبهات الدعم، وأدان محاولات تحريف دور إيران الداعم للقضايا العربية.
ويتضح من خلال تطابق هذه الكلمات أنها تدور في محور المقاومة الذي تقوده إيران، وعلى الرغم من أن المؤتمر يحمل اسم القومية العربية ويظهر تبني مشروعها، إلا أنه في الحقيقة يدور في فلك المشروع الإيراني في المنطقة، باعتبار أن إيران هي التي تقود المحور صاحب الخلفية الشيعية. وقد اعترف الحوثي نفسه في كلمته بدور إيران، وأدان من يتحدث عن إيران بشكل سلبي.

انقسام وردود فعل غاضبة
في مقابل الرؤية التي ترى ضرورة دعم "محور المقاومة" واستدعاء الحوثي عبر كلمة متلفزة باعتباره جزءًا من هذا المحور، ظهرت ردود أفعال غاضبة ضد هذا الظهور، باعتباره محاولة لشرعنة حركة غير شرعية وتقديمها باعتبارها صاحبة مشروع عربي ودمج خطاب الحوثي ضمن الخطاب العربي الشرعي الذي يمثل الشعوب العربية.
وازدادت ردود الأفعال الغاضبة في الأوساط اليمنية بشكل خاص، باعتبار أن ظهور الحوثي في مناسبة تحمل صفة "القومية العربية" استهان بمعاناة اليمنيين بسبب عبد الملك الحوثي الذي أشعل حربًا دموية ما تزال مستمرة حتى اليوم وانقلاب على الدولة في اليمن، معتبرين أن إتاحة الفرصة له في هذه المناسبة هو "انحراف قومي" وليس تعبيرًا عن قومية عربية.
ويرى الرافضون أن ظهور الحوثي في المؤتمر القومي العربي هو محاولة لإضفاء غطاء سياسي على جماعة توصف بـ"الانقلابية"، معتبرين أن استضافة زعيم جماعة إرهابية مدعومة من إيران إهانة بحق القومية العربية برمتها. واستنكر وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني تحويل منبر قومي إلى منصة لميليشيا انقلابية تنشر الخراب، مؤكدًا أن أي ظهور للحوثي في محافل عربية هو تطبيع مع جماعة إرهابية تهدد الأمن الإقليمي.
واعتبر الإرياني أيضًا أن ظهور الحوثي هو محاولة دعائية لصالح الحركة رغم جرائمها، وأن الاحتفاء الحوثي بهذا الظهور وتصويره كاختراق سياسي أو كسر للعزلة، لا يعدو كونه وهمًا دعائيًا في عقول قيادات المليشيا. فالمؤتمر لم يضم أي جهة رسمية عربية أو شخصية فاعلة في المشهد الإقليمي، واقتصر على من يوصفون بالقوميين الذين فقد خطابهم بريقه منذ عقود وارتبطت مواقفهم بالمحور الإيراني.

واعتبرت ردود الفعل الغاضبة أيضًا أن الحوثي معادي في الأساس للقومية العربية، باعتباره مرتبطًا بقومية أخرى في إشارة إلى ارتباطه بإيران والقومية الفارسية التي تتمدد على حساب القومية العربية، وهو ما قاله القيادي البارز في الحزب الناصري اليمني ووزير الخارجية الأسبق عبدالملك المخلافي، الذي وصف استضافة الحوثي بالانحراف الخطير والمهزلة الكبرى.
واعتبر المخلافي أن الحوثي يمثل مشروعًا معاديًا لكل ما يؤمن به المؤتمر من قيم الوحدة والحرية والديمقراطية والعدالة، معتبرًا أن السماح لزعيم المليشيا الحوثية السلالية والطائفية والانقلابية – حسب وصفه – بإلقاء كلمة أمام المؤتمر بذريعة دعم غزة، هي ذريعة واهية لا تبرر هذا الانحراف الخطير عن مبادئ المؤتمر وأهدافه.
ختامًا:
بعد استعراض أبعاد الحدث وردود الفعل حوله، يمكن القول إن الانقسام حول ظهور عبد الملك الحوثي في مؤتمر يحمل صفة "القومية العربية" ليست حالة طارئة، ولكنها حالة ممتدة منذ التمدد الإيراني في المنطقة عبر ما يُعرف بـ"محور المقاومة". ففي الوقت الذي يرى فيه البعض أن الفكرة المركزية يجب أن تكون مواجهة إسرائيل، يرى آخرون أن مواجهة إسرائيل لا تبرر دمج جماعات إرهابية مرتبطة بمشاريع إقليمية أو مذهبية أو طائفية.
كما أن الحساسية من محاولات دمج هذه الجماعات لها ما يبررها في ظل معاناة شعوب الدول الحاضنة لهذه الجماعات من ممارساتها التي تراها الشعوب تتم لمصالح إقليمية ووفق أجندة إيرانية وليس وفق المصلحة الوطنية، وبالتالي من الطبيعي أن تظهر الأصوات الرافضة لأي محاولة شرعنة لهذه الجماعات أو إضفاء صفة القومية العربية عليها في الوقت الذي ترتبط فيه بمشروع قومي منافس.
وتبقى الإشارة إلى نقطة مهمة وهي أن المؤتمر الذي يحمل صفة القومية العربية لم يشهد أي حضور أو تمثيل عربي رسمي، كما أن الكثيرين ممن ينتمون للتيار العربي القومي يتوافقون إلى حد كبير مع الخطاب المقاوم الذي تقوده إيران، بعيدًا عن المواقف الرسمية للدول العربية التي تدرك طبيعة الخطاب وأهدافه.



