المنظمة الإسلامية في نيجيريا: شبكة تمويل سرية لحزب الله في غرب إفريقيا
على الرغم من الآلاف من الكيلومترات التي يبتعد بها إقليم غرب إفريقيا عن لبنان، فإن المنطقة تُعتبر بمثابة شريان الإمداد المالي واللوجيستي لحزب الله، ولا يمثل الإقليم مسرحًا لعمليات ميدانية، لكنه مصدر للتجنيد وللتمويل. وعبر اختراق المجتمعات الشيعية والشتات اللبناني يمكن للحزب أن يمارس عمليات التجنيد والتمويل عبر التجارة غير المشروعة. وقد تحدثت تقارير ميدانية عن نشاط الحزب حتى بعد الضربة التي تلقاها في حربه مع إسرائيل، لكن الحزب ينشط بشكل كبير في الغرب الأفريقي، وهو ما سيتم مناقشته عبر التقرير، وذلك على النحو الآتي:
أولًا: أحداث 7 أكتوبر والإبلاغ عن أنشطة حزب الله
بعد عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر 2023، أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية نشرة لغرض مساعدة المؤسسات المالية في تحديد والإبلاغ عن الأنشطة التي تدعم حزب الله. وقد حذرت النشرة من أن الأخير يحقق إيرادات عبر تجارة المخدرات، ثم يقوم بغسلها مرة أخرى وتحويلها إلى لبنان، وذلك عبر شبكات الأعمال في غرب إفريقيا وأوروبا وأمريكا الجنوبية. ويتم ذلك عبر رجال الأعمال (اللبنانيين الشيعة) وشركاتهم، ويمكن ملاحظة استخدام العلاقات الاجتماعية والمصاهرة والعلاقات مع النخب الحاكمة لتنفيذ هذه الأنشطة.

ويمكن القول إن رأس الحربة في هذه الأنشطة هي "وحدة العلاقات الخارجية"، وتعمل بشكل علني من لبنان، وأفرادها من اللبنانيين الذين تم إرسالهم إلى الخارج، في حين أن الآخرين هم من مؤيدي حزب الله يعيشون أساسًا في البلدان المستهدفة. وترتبط معظمهم علاقات وطيدة بمسؤولين بارزين في الحزب، ويتلقى الكثير منهم تدريبًا عسكريًا مكثفًا. وتتبع الوحدة المجلس السياسي، وهو من المجالس التي تشترك في تكوين هيكلية الحزب، وتكون الوحدة مسؤولة عن الحملات الدعائية وحملات التجنيد وتوفير التمويل اللازم بغض النظر عن مدى شرعية تلك الأنشطة. كما تقوم وحدة "الأمن الخارجي" بتوفير الدعم اللوجيستي إذا تم إقرار تنفيذ عمليات ضد الأعداء التقليديين للحزب في الخارج.

وقد تورط أفراد من وحدة العلاقات الخارجية في محاولات لتجنيد أشخاص نيجيريين لصالح الحزب عام 2015، خاصة وأن "الحركة الإسلامية" تُعتبر الذراع الإيرانية في نيجيريا عبر زعيمها "إبراهيم الزكزكي". كما أن الحكومة النيجيرية قد صادرت بالفعل بعض شحنات الأسلحة التي كانت مخصصة لحزب الله، وألقت القبض عام 2013 على بعض أفراد وحدة العلاقات الخارجية الذين تورطوا في تجنيد عناصر للحزب. وعلى أي حال، تحاول إيران استغلال علاقاتها المتنامية مع دول الغرب الأفريقي للإفراج عن معتقلي حزب الله.
ثانيًا: جمع التبرعات والزكاة من المؤيدين والمتعاطفين
يقوم أعضاء حزب الله باستغلال مجتمعات الشتات اللبناني والشيعة لجمع التبرعات والزكاة التي يفرضونها سواء على الأفراد أو الشركات، وتكون بمثابة ما يتوافق مع الشريعة الإسلامية "العشر". وبالنسبة للأنشطة غير المشروعة، فإن أحد الأسباب التي تؤدي إلى حدوثها هو الفساد المنتشر في جميع أنحاء المنطقة، ويستغل ممولو حزب الله هذا لصالحهم. ويقوم مسؤولو وحدة العلاقات الخارجية بجمع الأموال للمجموعة في الغرب الأفريقي، وبشكل خاص في سيراليون والسنغال وساحل العاج، ومن ثم إعادة إرسالها عبر شركاتهم إلى لبنان.

ثالثًا: التورط في أنشطة التهريب وغسل الأموال
في الواقع، يتورط حزب الله في تجارة المخدرات أو أنشطة الاختطاف مقابل الفدية أو أي نشاط إجرامي، ويتم تحويل تلك الأموال إلى سلع، وبالتالي يتم غسلها ثم إدخالها بطرق مشروعة إلى لبنان. فعلى سبيل المثال، تُجمع الأموال المتأتية من مبيعات الكوكايين في غرب إفريقيا وتُستثمر في أماكن أخرى في السلع الاستهلاكية أو السيارات، التي تُصدَّر بدورها إلى المنطقة. تُنقل العائدات إلى بيروت نقدًا أو تُحوّل عبر نظام الحوالة غير الرسمي. في الولايات المتحدة، كان هذا المخطط يُدار تحت الاسم الرمزي "مشروع كاساندرا"، وفقًا لمؤلفي تقرير "مرصد التطرف (CEP)"، إذ وثّق المحققون كيف يُزعم أن بنك LCB اللبناني الكندي قام بغسل مئات الملايين من الدولارات شهريًا لحساب الحزب.

رابعًا: شبكة الداعمين لحزب الله
ينشط حزب الله في إفريقيا عبر شبكة من الداعمين، وهم شخصيات أصلها لبناني ولكنها موجودة في الشتات بإفريقيا. وعادة ما يتم تصنيفهم كإرهابيين من قبل وزارة الخزانة الأمريكية، مع وضع مكافآت مالية لمن يدلي بمعلومات عنهم. ومن أبرز المسؤولين "عبد المنعم قبيسي" في دولة "ساحل العاج"، حيث شارك في تأسيس منظمة تعمل على تجنيد مقاتلين لحزب الله، و"أحمد شحاتة" أحد أفراد "وحدة العلاقات الخارجية"، و"قاسم تاج الدين" الذي أدار مع إخوته سلسلة من "العمليات السرية" تنطوي على ممارسة الاحتيال والابتزاز والتهريب.

وقد استفاد "تاج الدين" من حصوله على الجنسية البلجيكية لتهريب الماس، ومن ثم تم إلقاء القبض عليه في حينها. ويمكن أن يكون الداعمون مقيمين في لبنان لكن يمتلكون استثمارات في دول غرب إفريقيا مثل "محمد قنصوة"، حيث أدار شركات في سيراليون وغانا وليبيريا، وقد فُرضت عليه عقوبات من قبل الولايات المتحدة في عام 2018 بسبب عمله لصالح الحزب. ويُعتبر "ناظم سعيد" أحد أكبر المتبرعين للحزب، وقد تم تصنيفه إرهابيًا، إذ قام بتوليد الأموال للمجموعة من خلال التجارة في "الماس الدموي الإفريقي".
يتضح من خلال ما سبق أن حزب الله استطاع بناء شبكة معقدة من العلاقات المالية والاجتماعية في إقليم غرب إفريقيا، جعلت من المنطقة مصدرًا حيويًا للتمويل والدعم اللوجيستي لأنشطته. ورغم البعد الجغرافي الكبير بين لبنان وغرب إفريقيا، فإن الحزب تمكن من استغلال الشتات اللبناني والمجتمعات الشيعية لتوسيع نفوذه، سواء عبر جمع التبرعات المشروعة أو عبر الانخراط في أنشطة غير قانونية كغسل الأموال والتهريب. وتشير المعطيات إلى أن هذه الأنشطة لا تهدد فقط استقرار الدول الأفريقية المعنية، بل تمتد آثارها إلى الأمن الإقليمي والدولي. لذا، فإن مواجهة هذا التغلغل تتطلب تعاونًا دوليًا وإفريقيًا جادًا، يهدف إلى تجفيف منابع تمويل الإرهاب وتعزيز الرقابة على الأنشطة الاقتصادية العابرة للحدود.



