رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

إفريقيا بين البندقية والدولة: أزمة الاحتراف العسكري في القارة السمراء

تزايد النفوذ العسكري
تزايد النفوذ العسكري في إفريقيا - أرشيفية

تعاني الجيوش الإفريقية من معضلات بنيوية كان لها تأثير ظاهر في أدائها لمهامها الدستورية، وأعقدها بشكل كبير مهمة التدخل وفق مبادئ تحكم تدخلاتها في مهمة حفظ الأمن والاستقرار ـ في حالة فشل قوات الشرطة في مواجهة التهديد ـ ومواجهة أي خطر وجودي يهدد بقاء الدولة.   

وتأتي التهديدات الإرهابية كأحد التهديدات غير التقليدية التي تواجهها الدولة الإفريقية ما بعد الاستقلال، ويشكل حصار العاصمة باماكو مثالًا صارخًا على قصور المؤسسة العسكرية المالية في مواجهة خطر تنظيم "نصرة الإسلام والمسلمين"، كما يمكن اعتبار تجدد هجمات "بوكو حرام" وفصائلها على الثكنات والقواعد العسكرية في شمال شرق نيجيريا بعد الإعلان عن هزيمتها سابقًا في إدارة الرئيس "بخاري" دليلًا آخر على القصور العسكري في مواجهة التنظيمات الإرهابية، وما بعد دخول مراحل التطور الدستوري. ويناقش التحليل أبرز التحديات المؤثرة في أدائها تجاه مكافحة الإرهاب في أفريقيا، وذلك على النحو الآتي:\

تزايد النفوذ العسكري في إفريقيا - أرشيفية 
تزايد النفوذ العسكري في إفريقيا - أرشيفية 

أولًا: الإرث الاستعماري المرير

اعتمدت السياسة الاستعمارية على تجنيد إثنيات معينة، غالبًا ما كانت من الأقليات أو حتى من المجرمين، كما كانت طبيعة المهمة التي تم التجنيد على أساسها هي حماية وحفظ مصالح الشركات الاستعمارية وتأمين الطرق وقمع أي مظاهر احتجاجية ضد المحتل الغربي. وبعد ذلك تم تطوير هذه القوات وإلحاقها بالفيالق الإفريقية التي استعانت بها الدول الغربية في حروبها العالمية. فعلى سبيل المثال، تم الاستعانة بالفيلق الإفريقي الملحق بالقوات البريطانية، والذي كان يضم جنودًا أفارقة من المستعمرات البريطانية في القارة، وبالتالي يمكن أن تجد نيجيريين، تمامًا مثل الفيلق الإفريقي الفرنسي الذي ضم جنودًا من النيجر ومالي وغيرها من المستعمرات الفرنسية. والأمر ذاته ينطبق على الجيش الإيطالي الذي استعان ضمن قوات الفيلق الأفريقي بالإريتريين، وقد وصلت بعض التقديرات إلى وجود 150 ألف إريتري شاركوا في الحرب العالمية الثانية.

ثانيًا: التحيزات الإثنية

فضلت الإدارة الاستعمارية في الدول الإفريقية التحيز لإثنيات معينة، أحيانًا كانت من الأقليات، وأحيانًا اعتمدت على الإثنية الغالبة. وبعد الحصول على الاستقلال تم تطبيق المبدأ نفسه، وربما تم استبدال بعض الإثنيات بأخرى، لكن الفكرة ذاتها ظلت قائمة.

والواقع أن النظم العسكرية قد فضّلت كسب ولاء قيادات القوات العسكرية والأمنية لتفادي أي محاولات انقلابية عليها، وهو ما لم يتحقق أساسًا، إذ إن الفترات اللاحقة للاستعمار كانت بمثابة العصر الذهبي للانقلابات العسكرية في أفريقيا.

ومنذ التسعينيات، ومع انخراط الأفارقة في الموجة الثالثة للتحول الديمقراطي، اعتمدت النظم الإفريقية على التحيز الإثني والانتقائي لتدعيم حكمها. وبمعنى آخر، ظلت رؤوس الأنظمة تعتمد على تجنيد إثنيات تتبعها أو متحالفة معها في إطار الحفاظ على النظام القائم وعدم الإطاحة به. وفي بعض الأحيان، قد يأتي الحاكم من إثنية مختلفة، فيُسارع بشكل فوري إلى تكوين قوات الحرس الرئاسي بقيادة تخضع له شخصيًا.

تزايد النفوذ العسكري في إفريقيا - أرشيفية 
تزايد النفوذ العسكري في إفريقيا - أرشيفية 

المعضلة الكبرى في هذه القوات أنها تكون منفصلة عن هيكل المؤسسة العسكرية، وفي الوقت ذاته تخضع لميزانية وتدريب وتسليح أفضل من القوات العسكرية الأخرى. هذه الإمكانيات تؤهلها لأن تكون لها الغلبة والنفوذ في التحكم في المشهد الرئاسي.

ومن ثم، ليس من الغريب أن تكون قوات الحرس الرئاسي أو الوطني هي كلمة السر في أي انقلابات تحدث في أفريقيا، وتُعتبر مالي حالة مثالية وفريدة على هذا التفسير.

ثالثًا: القدرة التشغيلية الضعيفة

يعود تراجع الاحترافية العسكرية لجيوش أفريقيا جنوب الصحراء إلى ضعف القدرات التشغيلية، بما يعني وجود ثغرات في سلسلة القيادة، والقدرات البشرية، ومستوى التدريب والتسليح، وتراجع الروح المعنوية للجنود.

فالواقع أن الدول الإفريقية قد اعتمدت سياسة تقليل عدد الجيش وإضعافه، وذلك في أعقاب موجة التحول الديمقراطي. لكن انتشار ظاهرة تهديد استقرار الدولة وتنامي خطر التنظيمات الإرهابية إلى درجة تهديد بعض العواصم الأفريقية، كان له الفضل في التراجع عن هذه السياسة.

وبالفعل، يمكن رصد توجه دول إفريقيا جنوب الصحراء إلى زيادة القوات العسكرية، مع تحسين القدرات التسليحية وتنوع مصادر شراء الأسلحة. وفي هذا الإطار يمكن ملاحظة تنامي الطلب الإفريقي على الأسلحة الصينية والتركية والروسية، وبالتالي تتوافر بدائل للأسلحة الغربية المرتبطة بالمشروطية السياسية والتي تتميز بأسعار مرتفعة.

تزايد النفوذ العسكري في إفريقيا - أرشيفية 
تزايد النفوذ العسكري في إفريقيا - أرشيفية 

على أن سد تلك الثغرات لا يمكن أن يؤتي بثمار كبيرة طالما استمرت سياسة الإفلات من العقاب وانتشار الفساد في القطاع العسكري وغياب آليات الرقابة والمحاسبة، وهي الآليات التي يمكن أن ترفع من معنويات الفرد المقاتل وتحد من الانتهاكات التي قد يرتكبها الجيش، وتحسن من مستويات الإنفاق العسكري.

رابعًا: تسييس الجيش وعسكرة السياسة

جوهر هذه القضية هو أن الولاء هنا ليس للدستور وللدولة وإنما للأشخاص. ومن جانب آخر، تفضل الأحزاب السياسية والنخب البحث عن الشرعية بعيدًا عن الحاضنة الاجتماعية في سبيل دعم المؤسسة العسكرية.

وفي هذا الإطار، تحاول هذه النخب إيجاد متعاطفين مع الجيش بهدف الاستيلاء على السلطة والحفاظ عليها. كما تفضل النخب الحاكمة والسياسيون استخدام الحلول العسكرية لأي مظاهر للتمرد أو الاحتجاج.

تزايد النفوذ العسكري في إفريقيا - أرشيفية 
تزايد النفوذ العسكري في إفريقيا - أرشيفية 

بالتالي، ليس من الغريب تفسير استمرار الحروب الصغيرة (مكافحة الإرهاب) بأنها "بيزنس سياسي–عسكري"، إذ تستمر النخب السياسية في الاعتماد على الجيش لمواجهة الخطر الإرهابي مقابل استنزاف الأموال وتخصيصها لأنفسهم في تمويل الحملات الانتخابية وتحقيق مكاسب شخصية ضيقة.

وهذا ما يفسر تورط كبار المسؤولين العسكريين والسياسيين في قضايا فساد كبيرة، عبر استغلال الأموال المخصصة لمكافحة الإرهاب للاختلاس والسرقة.

ختامًا:

 تعاني المؤسسة العسكرية في دول لإفريقيا بجنوب الصحراء من بعض القيود الهيكلية التي تعيق فاعلية عمليات مكافحة الإرهاب أو التمرد، مثل الإرث الاستعماري وأسس التجنيد وضعف القدرات التشغيلية والفساد، وتسييس الجيش وعسكرة السياسة. وهي القيود التي طالما استمرت فلن يكون من المتوقع سوى القصور في الأداء، وبالتالي وجب على القائمين على هذه المؤسسات السعي لتطوير قدرات الجيوش الإفريقية وجعلها أكثر احترافية ومهنية.

شيماء حسن*  

 باحث دكتوراه متخصصة في الشأن الإفريقي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء