رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

المصيدة الرقمية: كيف تحولت نيجيريا إلى بؤرة عالمية للاحتيال والابتزاز الإلكتروني؟

الابتزاز الالكتروني
الابتزاز الالكتروني في نيجيريا - أرشيفية

في إطار حملة أمنية لمواجهة الجرائم الإلكترونية في أغسطس الماضي، رحّلت السلطات النيجيرية 50 شخصية من الجنسية الصينية، وذلك على خلفية اتهامهم بالإرهاب الإلكتروني والاحتيال عبر الإنترنت، ووفقًا للمتحدث الرسمي باسم لجنة الجرائم الاقتصادية والمالية "ديلو أويوالي" فإن عدد المرحَّلين على خلفية نفس الاتهامات قد وصل إلى 102 شخص، وفي السياق نفسه فقد ألقت اللجنة القبض على 800 شخص أواخر العام الماضي في مبنى بالعاصمة التجارية لنيجيريا "لاغوس"، كان يُعتقد أنه مركز لاستدراج النيجيريين لابتزازهم وإجبارهم على تسليم أموالهم للاستثمار في العملات المشفرة الوهمية. ومن ثم يلقى هذا التحليل الضوء على واقع الجرائم الإلكترونية في نيجيريا وذلك على النحو الآتي:

أولًا: الجريمة الإلكترونية والإرهاب الإلكتروني

تُعرف الجريمة الإلكترونية (Cybercrime) بأنها سلوك غير مشروع يُرتكب باستخدام الحاسوب أو شبكة الإنترنت أو أي وسيلة رقمية، سواء كان الهدف منه الاعتداء على نظام معلوماتي أو استخدام التقنية كوسيلة لتنفيذ جريمة تقليدية بطريقة جديدة. وهي كل فعل يُرتكب عمدًا باستخدام أنظمة الحاسوب أو الشبكات بهدف التعدي على البيانات أو الأنظمة أو حقوق الأفراد أو المؤسسات، ويُعد مخالفًا للقانون.

ووفقًا للأمم المتحدة، فإن الإرهاب الإلكتروني يشمل استخدام الإنترنت أو أنظمة الحاسوب من قبل جماعات إرهابية لغرض التخطيط أو التجنيد أو التمويل أو تنفيذ أعمال تهدف إلى نشر الخوف بين السكان أو تهديد الأمن الوطني أو الدولي. أما مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب والمخدرات، فيعتبر أي استغلال للفضاء السيبراني من قِبل جماعات إرهابية لارتكاب أو تسهيل أنشطة إرهابية، بما في ذلك الدعاية، التجنيد، جمع الأموال، أو شنّ هجمات على البنى التحتية الرقمية الحيوية.

مكافحة الابتزاز الالكتروني في نيجيريا - أرشيفية
مكافحة الابتزاز الالكتروني في نيجيريا - أرشيفية

وبالتالي فإن الجريمة الإلكترونية تستهدف تحقيق الربح المادي وتُنفذ عبر جهات إجرامية وأفراد وشبكات تسعى لإحداث نهب مالي أو انتهاك للخصوصية، أما الإرهاب الإلكتروني فيستهدف نشر الخوف والرعب وتحقيق أهداف سياسية تهدد الأمن الوطني والسلم المجتمعي وتزعزع ثقة المجتمع في النظام الحاكم.

ثانيًا: نيجيريا في مؤشرات الأمن السيبراني

وفقًا للمؤشر الدولي للتهديدات السيبرانية (Cyber Threat Index)، فقد تقدمت نيجيريا على المؤشر في منتصف العام الماضي من المرتبة 35 إلى المرتبة 13، بينما جاء تصنيف الدول العشرين الأولى من نصيب القارة السمراء. وفي مؤشر Global Cybersecurity Index (GCI) الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU)، تُصنَّف نيجيريا ضمن “الفئة 3” – أي الدول التي بدأت خطواتها في الأمن السيبراني لكنها ما زالت تعاني من فجوات كبيرة.

الابتزاز الالكتروني في نيجيريا - أرشيفية 
الابتزاز الالكتروني في نيجيريا - أرشيفية 

كما صنف تقرير بحثي نُشر على موقع جامعة أكسفورد نيجيريا في المرتبة الخامسة على مستوى العالم في الجرائم الإلكترونية. ووفقًا لصحيفة "الجارديان"، فهذه هي المرة الأولى التي يتم فيها إنشاء قاعدة بيانات ومؤشر دولي للجرائم الإلكترونية. ويعزو بعض المحللين الوضع النيجيري المتردي في هذا القطاع إلى انتشار الفقر والبطالة، والقصور في تنفيذ اللوائح القانونية، وغياب نظام للعدالة الجنائية السيبرانية، كما أن غياب التنسيق والتعاون الإقليمي يمكن أن يكون عاملًا محفزًا لتوفير الفرص للمحتالين للتخفي وغسل الأموال.

ثالثًا: الاحتيال عبر مواقع التواصل الاجتماعي

تُشكل مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيس بوك وتويتر ولينكدإن وإنستجرام وتيك توك، بيئة خصبة لمجرمي الإنترنت لشن هجمات سيبرانية، إذ يُنشئ المحتالون ملفات تعريف شبه عامة، ويمكنهم التواصل مباشرة مع الآخرين دون قيود.

وتتنوع طرق وأساليب الاحتيال، فعلى سبيل المثال يمكن للمحتالين أن يرسلوا رسائل للمتلقين تفيد بأنهم مرشحون للاستفادة من مبلغ ضخم، أو إنشاء صناديق تبرعات عبر صفحات تواصل مزيفة لجمع التبرعات مع الترويج لها عبر صور مزيفة، وهنا يتم استغلال أصحاب القلوب الضعيفة. كما يمكن أيضًا استخدام الأساليب الخشنة عبر المطاردة الإلكترونية والمضايقة والابتزاز العاطفي، وقد تكون هوية المرسل مزورة أو محجوبة.

وتمثل سرقة الصفحات الاجتماعية أسلوبًا آخر للاحتيال، إذ تعرّضت العديد من صفحات التواصل الاجتماعي للاختطاف من قِبل قراصنة يطالبون بأموال مقابل استعادتها. وقد حدث هذا في مواقع مثل تويتر وفيسبوك وإنستغرام. ويصل الأمر بهؤلاء المحتالين إلى إرسال رسائل من الصفحة المخطوفة إلى الأصدقاء والعائلة طالبين المال أو أي نوع آخر من المساعدة. كما يحدث سيناريو شائع آخر عندما يُنشئ المحتال صفحة اجتماعية متظاهرًا بأنه شخص آخر، وخاصة المشاهير.

ووفقًا لمنظمة "هيومان أنجل" (Humaan Angle)، فقد ازدادت الجرائم الإلكترونية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة تطبيق "تيك توك"، إذ يبدأ الضحية في تلقي فيديوهات تعده بالكسب المادي، وما إن يقوم بالضغط على الفيديو حتى تُخترق حساباته وتُسرق. وبحسب المنظمة، فإن العديد من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الناطقين بلغة الهاوسا في شمال نيجيريا أصبح وعد جني المال إغراءً للانخراط في عملية احتيال واسعة النطاق تُحوِّل الناس العاديين إلى شركاء وضحايا دون علمهم.

الابتزاز الالكتروني في نيجيريا - أرشيفية 
الابتزاز الالكتروني في نيجيريا - أرشيفية 

وتتم عملية الاحتيال عبر تطبيق "تيك توك"، حيث يظهر متحدث باللغة الهاوسا يحثّ المشاهدين على الانضمام إلى مجموعة واتساب لبدء الربح. ومن خلال تجنيد الأفراد وتكوين شبكات أوسع، تتم عملية الاحتيال والنهب. وبمجرد أن ينقر المشاهدون على الرابط الموجود في مقاطع الفيديو، يُوجَّهُون إلى مواقع ويب تم إنشاؤها على عجل أو مباشرة إلى مجموعات واتساب، التي تقدم نفسها على أنها "مراكز تدريب" تقدم "مهام" أو "فرصًا تابعة".

كما يمكن رصد استغلال الشبكات الإجرامية لحسابات أشخاص حقيقيين واستخدامها في الترويج والاحتيال على أموال وبيانات الغير، مقابل تلقي صاحب الحساب نفسه أموالًا، وبعد فترة وجيزة يتم حظر تلك الحسابات. وقد ركزت الجهات الإجرامية على المتحدثين بلغة الهاوسا لتجنيد أكبر عدد منهم، والهاوسا هي اللغة الشائعة في نيجيريا وفي غرب إفريقيا بشكل عام.

ختامًا:

 شكّلت منصات التواصل الاجتماعي أدوات فاعلة لتنفيذ عمليات الاحتيال والنصب وارتكاب الجرائم الإلكترونية، كما ساعد تراجع التنمية الاقتصادية وانتشار الفقر والبطالة بين الشباب على تعزيز الأنشطة غير المشروعة. أما القصور في تطبيق اللوائح القانونية لمكافحة الجرائم الإلكترونية وغياب نظام العدالة الجنائية السيبرانية، فيُشكل العامل الحاسم الذي وفّر فرصة للإفلات من العقاب والتعدي على أموال وبيانات الغير.

شيماء حسن* 

 باحث دكتوراه متخصصة في الشأن الإفريقي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء