خطة ترامب للهدنة: ألوان السيطرة والتهدئة في القطاع
شملت خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف الحرب في قطاع غزة ألوانًا متعددة منها الأزرق والأحمر والأصفر وأيضًا الرمادي، فكل لون يحمل دلالات معينة وتموضعات خاصة به.
فاللون الأزرق، على سبيل المثال، يشير إلى خطوط النار والقتال المتلاحم بين آليات ومدرعات الجيش الإسرائيلي ومقاتلي فصائل المقاومة الفلسطينية، أما الخط الأصفر فيشير بوضوح إلى المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، والذي بموجبه ستنسحب إسرائيل شرق الخط الأزرق لكنها ستسيطر على 53% من مساحة القطاع، ويربط الاتفاق بين انسحاب إسرائيل إلى الخط الأصفر وبين عملية إطلاق سراح الرهائن والأسرى وتسليم جثث المخطوفين من قبل حركة حماس.

أما اللون الأحمر فيرمز إلى انسحاب لاحق لقوات الجيش الإسرائيلي شرقا باتجاه الحدود مع قطاع غزة، ويرتبط انسحاب القوات الإسرائيلية بتموضع جديد لقوة الاستقرار الدولية المزمع انتشارها خلال الفترة المقبلة في قطاع غزة، أي أنه بانتشار تلك القوات سينسحب الجيش الإسرائيلي شرقا باتجاه المنطقة الرمادية.
ولاحقًا، سوف يتخطى الجيش الإسرائيلي المنطقة الرمادية، وهي المنطقة المتاخمة للحدود مع إسرائيل، وستكون منطقة عازلة بين إسرائيل وقطاع غزة، وستتولى القوة الدولية مسؤولية الإشراف على تلك المنطقة وضمان عدم اقتراب أي فصيل فلسطيني منها.

وبناءً على ترسيم الخط الأصفر، باتت مدينة رفح جنوب القطاع وشرق محافظة خان يونس وشرق غزة، وأيضًا بلدات بيت لاهيا وبيت حانون شمال القطاع، ضمن مناطق السيطرة الإسرائيلية، ولا يجوز لحماس ولا لسكان تلك المناطق حاليًا عبور الخط الأصفر.
تجاهل الألوان الأخرى
من قراءة الأخبار والتحليلات الإسرائيلية للوضع في غزة، يبدو أن القيادة الإسرائيلية تتعمد إسقاط الألوان الأخرى كالأحمر والرمادي من حساباتها في التعامل مع الوضع في قطاع غزة، إذ عمدت إسرائيل إلى دفع سكان المناطق خلف الخط الأصفر إلى المنطقة التي تسيطر عليها حركة حماس، في مقابل إخلاء كافة المنطقة خلف الخط الأصفر لتصبح تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة.

لا يوجد أي حديث الآن في القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية حول أية انسحابات متتالية في المستقبل القريب، بل تتخذ تل أبيب ذرائع واهية كي تخرق اتفاق وقف إطلاق النار. وفق بيانات حكومية فلسطينية، أشارت إلى أن الجيش الإسرائيلي ارتكب أكثر من 80 خرقًا منذ التوقيع على الاتفاق الشهر الماضي، مما أدى إلى مقتل ما يقارب مائة مواطن فلسطيني.
ورغم ضيق المنطقة التي تسيطر عليها حماس، إلا أن تلك المنطقة معرضة أيضًا للتآكل، إذ نوه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أكثر من مرة إلى إمكانية تحريك الخط الأصفر غربًا وتضييق الخناق على حركة حماس ما لم تسلم كافة الجثامين لديها.
يبدو أن إسرائيل فرضت أمرًا واقعًا، فالحديث اليوم بات يعتبر الخط الأصفر هو خط التماس والحدود الوحيد بين إسرائيل وقطاع غزة، وذلك من خلال النقاط التالية:
استغلال أزمة المقاتلين المرابطين خلف الخط الأصفر:
تمتلك حركة حماس العديد من الخلايا المقاتلة الرابضة خلف الخط الأصفر، إلا أن وسائل الاتصال بهم تقطعت نتيجة ظروف المعارك، وبالتالي باتت تلك الخلايا مغيبة تمامًا عن الإجراءات السياسية التي تمت مؤخرًا، وهو ما يفسر حالات إطلاق النار المتقطعة داخل مناطق الخط الأصفر. فتلك الخلايا لم تعلم شيئًا عن الهدنة الأخيرة، وبالتالي هي في حالة حرب دائمة، وهو ما تستغله إسرائيل في التمسك بالخط الأصفر وعدم احتمالية تراجعها إلى الخط الأحمر بغية تطهير المنطقة من مقاتلي حركة حماس.

استغلال تمسك حماس بسلاحها وتنظيمها العسكري:
قولا واحدًا لن تسلم حماس سلاحها ولن تعلن عن تفكيك التنظيم، وما سيتم هو تسليم أسلحتها الثقيلة من صواريخ ومنصات متحركة إلى القوة الدولية المزمع إنشاؤها، لكن التسليح الخفيف مثل البنادق الآلية والرشاشات والمسدسات الشخصية سيظل في عهدة عناصر الحركة، وهو الأمر الذي سترفضه إسرائيل والتي تطالب بنزع سلاح شامل، وقد تتخذ هذا الأمر ذريعة لوقف الانسحاب من قطاع غزة والانتقال إلى الألوان التالية.
تصريحات "جاريد كوشنر":
يعد صهر الرئيس الأمريكي ترامب ومبعوثه الخاص أول من لمح بأن الخط الأصفر هو خط نهائي لترسيم الحدود بين غزة الإسرائيلية (شرق غزة) وغزة الفلسطينية (غرب غزة). إذ صرح في ختام زيارته لإسرائيل نهاية أكتوبر الماضي بأن أموال إعادة الإعمار في غزة لن تذهب إلى الجهة التي تسيطر عليها حركة حماس غرب الخط الأصفر، مؤكدًا أن تلك الأموال ستذهب بالكامل إلى المنطقة الواقعة شرق الخط الأصفر والتي تخضع لسيطرة الجيش الإسرائيلي.

استغلال تبعية قوة الاستقرار الدولية لمجلس السلام الذي سيرأسه ترامب:
رغم أن قوة الاستقرار الدولية المزمع إنشاؤها ستصدر بقرار من مجلس الأمن، إلا أنها لن تخضع لسيطرة وإشراف الأمم المتحدة ولن ينطبق عليها الفصلان السادس والسابع من ميثاق الأمم المتحدة، إذ ستخضع تلك القوة مباشرة إلى مجلس السلام الدولي الذي سيرأسه الرئيس دونالد ترامب. وبالتالي ستكون هناك مرونات في التعاون والتعامل ما بين قوات الجيش الإسرائيلي وقوات الاستقرار الدولية، حيث أنه من غير المتوقع أن تدفع قوة الاستقرار الدولية قوات الجيش الإسرائيلي للتحرك شرقًا صوب الخط الأحمر أو المنطقة الرمادية.
وختامًا:
يبدو أن إسرائيل ماضية في خطتها القديمة خلال الحرب السابقة، ألا وهي إخلاء قطاع غزة من كامل سكانه، فمالم تفعله بالآلية العسكرية ستنفذه بالآلية السياسية والدبلوماسية. فمن خلال استغلال ذرائع عدم نزع سلاح حماس، ستبقي مليوني مواطن فلسطيني محصورين في نطاق ضيق في وضع إنساني كارثي، وبالتالي من المحتمل في المستقبل القريب جدًا أن تتصاعد أزمات إنسانية في القطاع المحاصر، وهو الأمر الذي سيزيد من الضغوط السياسية على الدولة المصرية. لذا يجب على الدول الضامنة "مصر وقطر وتركيا" التحرك العاجل لوأد التحركات الإسرائيلية لتثبيت الخط الأصفر كخط انسحاب نهائي.
محمد الدابولي*
باحث في السياسات الدولية



