رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من الحرب العسكرية إلى الحرب الاقتصادية: مالي بين التفكك البطيء وحرب البقاء ضد الإرهاب

الجماعات الإرهابية
الجماعات الإرهابية في مالي -أرشيفية

منذ شهر يوليو الماضي، فرضت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" حصارًا خانقًا على العاصمة باماكو، مستهدفة السيطرة على الطرق الرئيسية التي تربط العاصمة بدول الجوار مثل السنغال وكوت ديفوار. وبما أن مالي دولة حبيسة، فهي تعتمد على الطرق البرية في إمدادها بالحاجات الأساسية من سلع ومصادر طاقة، وبهذا فقد أدركت الجماعة الإرهابية أحد أهم مواطن ضعف الدولة المالية، وبالتالي شرعت في تنفيذ هذا التكتيك الذي يهدف في النهاية إلى انهيار النظام من الداخل وإثارة سخط العامة ضد النخبة الحاكمة عبر إظهار ضعفها وعدم جدوى الاعتماد على الحلفاء الروس. يناقش هذا التقرير مستجدات الوضع في العاصمة المالية وذلك على النحو الآتي: 

الجماعات الإرهابية في مالي -أرشيفية
الجماعات الإرهابية في مالي -أرشيفية

أولًا: استراتيجية جماعة نصرة الإسلام والمسلمين

منذ الإعلان عن تكوين تحالف "نصرة الإسلام والمسلمين" في 2017، اتبعت ما يمكن أن نطلق عليه استراتيجية حرب الاستنزاف. وتعتبر حرب الاستنزاف استراتيجية عسكرية تهدف إلى تحقيق النصر عبر إضعاف الخصم تدريجيًا وإنهاكه من خلال إلحاق خسائر مستمرة في الأفراد والمعدات والموارد، بدلًا من تحقيق نصر حاسم في معركة واحدة. وعبر تكتيكات زرع العبوات الناسفة ونصب الكمائن وشن الهجمات المسلحة على القواعد والثكنات العسكرية استطاعت الجماعة استنزاف قوات الجيش المالي وخفض معنويات الجنود، وهو الوضع الذي مكنها من السيطرة على مناطق وقرى في شمال ووسط مالي. ومنذ نوفمبر 2024 أعلنت الجماعة عن مرحلة جديدة في العمليات وذلك على لسان القيادي "محمود باري"، وقد بدأت الجماعة بشن هجمات جريئة ومنسقة على أهداف ذات أهمية رمزية واستراتيجية، مثل الهجوم على مطار باماكو الدولي وثكنة عسكرية في العاصمة في سبتمبر 2024. ووفقًا لبعض المحللين العسكريين، كان الهدف من هذه الهجمات جس نبض قدرة الجيش على الدفاع عن المدن الكبرى، وإثبات أن الجماعة قادرة على تحدي النظام وإضعافه وتكذيب رواياته عن استعادة الأمن المفقود.

ثانيًا: الاستنزاف الاقتصادي والرهان على انهيار النظام من الداخل

فرضت الجماعة حصارًا خانقًا على المدن والبلدات الرئيسية التي ترتبط مباشرة بالعاصمة باماكو. وبالتزامن مع ذلك، نظم فصيل "جبهة تحرير ماسينا" سلسلة من الهجمات الإرهابية على البلدات الحدودية السنغالية والمالية والموريتانية. وقد كانت أبرز المدن المتضررة هي التي تساهم بنسبة كبيرة في الناتج المحلي الإجمالي؛ إذ يلاحظ استهداف مدينة كايس ونيور والساحل كمدن استراتيجية تحتوي على مخزونات من الذهب والمعادن النادرة مثل الليثيوم والحديد والنحاس. أما القطن والذهب فهما المنتجان اللذان يمثلان 80% من صادرات مالي، وهما بالطبع يقعان ضمن المدن التي تستهدفها "نصرة الإسلام والمسلمين".

الجماعات الإرهابية في مالي -أرشيفية
الجماعات الإرهابية في مالي -أرشيفية

فعقب سلسلة الهجمات في أغسطس الماضي تم منع السكان من مغادرة "كايس" و"نيورو"، وحظر استيراد جميع أنواع الوقود من السنغال وموريتانيا وكوت ديفوار، بل تم استهداف الطرق داخل هذه الدول. وأخيرًا استُهدفت شركة النقل الرئيسية "ديارا" والشركات التابعة لها سواء بالنّهب أو الهجمات المسلحة. وبقيام الجماعة باستهداف الغرب المالي والجنوب، فهي تنقل مراكز عمليتها من الشمال والوسط إلى منطقة لم تكن تحت سيطرتها؛ بالإضافة إلى ذلك أن الغرب والجنوب تحويان 60% من السكان، كما أنهما عصب الحياة الاقتصادية للدولة. أي إن الجماعة بهذه الاستراتيجية تحاول التأثير في المواطن المالي نفسه والوصول إلى الكتلة الصلبة فيه، بهدف صناعة تمرد على الحكومة والتحريض ضد النخب الجديدة. ويعتبر اختيار هذه الكتلة من السكان تحولًا جديدًا في استراتيجية الجماعة التي فضّلت عدم الدخول في مواجهة مفتوحة مع الجيش، والتركيز على الانهيار من الداخل عبر تشديد الحصار وسقوط المدينة في النهاية والسيطرة عليها.

الجيش المالي -أرشيفية
الجيش المالي -أرشيفية

ثالثًا: الاستجابة الحكومية

على الرغم من إعلان الجيش المالي شن عمليات عسكرية ضد الجماعة، فإنه لم يتمكن من هزيمة الإرهابيين. ووفقًا لبعض المحللين العسكريين، فالسبب هو الطبيعة الجغرافية، لأن مناطق الحصار شاسعة وشبه قاحلة، وتتقاطع فيها طرق غير خاضعة لسيطرة الدولة، مما يجعل مراقبتها أمرًا صعبًا. وتقع العديد من هذه المناطق بعيدًا عن متناول الوجود الفعلي للدولة. وهناك تكون تحركات الجيش متوقعة وبطيئة، بينما يتسلل المتمردون إلى المجتمعات المحلية والغابات بسهولة نسبية. أيضًا الطرق الضيقة، والمسارات الحرجية، والأنهار الموسمية تُشكّل عوائق طبيعية أمام التحركات العسكرية الآلية. وتستطيع الجماعات الإرهابية التي تستخدم الدراجات النارية التنقل بسهولة، والتغلب على الجغرافيا الوعرة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن طبيعة المواجهة مع جماعة تتقن حرب الكرّ والفرّ وتطبيق تكتيك الضرب ثم الاختباء، مقابل افتقار الجيش المالي إلى قوات الرد السريع أو وحدات متخصصة في مكافحة الإرهاب، يحد من تحقيق هدف تحييد الإرهابيين. ويمثل افتقار القوات المالية إلى العدد والعتاد المخصص للحروب غير التقليدية عائقًا آخر على طريق تحقيق النصر على الجماعة، خاصة أن الأخيرة لها جذور تاريخية وممتدة في مالي، هذا فضلًا عن استراتيجيتها في توظيف المظالم المحلية ضد النظام الحاكم. ويبدو أن النظام الجديد قد تأثر بالانسحابات المتتالية من القوات الدولية (بعثة الأمم المتحدة، دعم الاتحاد الأوروبي، العملية سرفال) والانسحاب من التكتلات الإقليمية مثل G5 وECOWAS، إذ بمجرد انسحاب هذه القوات أصبح المجال مفتوحًا للقوى المتطرفة. ويبدو أن الدعم الروسي لم يحقق النجاح المأمول، بل إن تقارير المنظمات الدولية توثق انتهاكات ضد المدنيين تورطت فيها الأجهزة الأمنية والعسكرية المالية وقوات الفيلق الروسي.

الجيش المالي -أرشيفية
الجيش المالي -أرشيفية

ختامًا: 

أظهرت "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" قدرة فائقة على التكيف والتطور الاستراتيجي. فمن خلال انتقالها من حرب الاستنزاف العسكرية إلى حرب الاستنزاف الاقتصادية، تمكنت من تحويل الصراع من مواجهة على أطراف الدولة إلى أزمة وجودية تهدد قلب النظام في باماكو. هذه الاستراتيجية لا تهدف إلى تحقيق نصر عسكري سريع، بل إلى تفكيك الدولة ببطء وجعل انهيارها نتيجة حتمية للشلل الاقتصادي والاجتماعي.

شيماء حسن*  

 باحث دكتوراه متخصصة في الشأن الإفريقي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء