رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الحراك المغربي بين التهدئة والإصلاح: قراءة في خطاب الاستجابة الملكية

الحراك المغربي (جيل
الحراك المغربي (جيل زد)

استجابة لاحتجاجات جيل زد 212، خلال خطابه في البرلمان المغربي، أعلن الملك "محمد السادس" عن إصلاحات شملت زيادة ميزانية التعليم والصحة، في خطوة تعتبر استجابة للمطالب المرفوعة من قبل شباب جيل زد 212، ويبدو أن هذه الخطوة قد أتت بثمارها، إذ فعليًا خفت وتيرة الاحتجاجات إلى أن اختفت تمامًا، وقد انتشرت مظاهرات شعبية في أعقاب قرار الأمم المتحدة تتبنى الرؤية المغربية للسلام كأساس لحل الصراع مع جبهة "البوليساريو". 

أولًا: حركة جيل زد 212 ودلالتها

يرجع اختيار الحركة لاسم "جيل زد 212" للتعبير عن الفئة الشبابية التي نظمت هذه الاحتجاجات، كما أن اختيار الرقم 212 هو مفتاح الاتصال الدولي للمغرب. وقد أثبت "جيل زد" أنه جيل قادر على التكيّف، خاصة وأن هذا الجيل شهد الطفرة العلمية والتكنولوجية، والتي هي سمة عصر العولمة. وبالطبع تعامل هذا الجيل مع واقع غير تقليدي، وبدا أنه يتكيف مع أي تحديات.

وبطبيعة الحال لم يجد هذا الجيل مستويات التنمية التي توقعها، بل بات بين مطرقة السلطة التي لا تهتم به ولا بأولوياته ومطالبه، وسندان التطرف والإرهاب أو الهجرة (شرعية أو غير شرعية). وما يثير الإعجاب في هذا الشباب هو آلياته التي استخدمها، سواء في التعليم المستمر حول كيفية تكوين الحركات الاحتجاجية، وتنظيم الاحتجاجات وإدارتها.

ففعليًا، استخدم هذا الجيل وسائل التواصل لتجاوز القيود على الاجتماعات والتظاهرات والتعبير عن الرأي، والواقع أن وسائل التواصل الاجتماعي التقليدية مثل فيسبوك أو إكس لم تكن هي الأداة الرائدة التي اعتمد عليها رواد الحركة، بل استعان هذا الجيل بمنصة جديدة لتأمين اجتماعاته وتحركاته وإدارة التحركات الاحتجاجية.

الملك محمد السادس 
الملك محمد السادس 

ثانيًا: كيف عبّرت حركة جيل زد 212 عن مطالبها

بعد عشرة أيام من الاحتجاجات المستمرة، فضل رواد حركة جيل زد 212 مخاطبة الملك مباشرة، وذلك عبر التعبير عن احترامهم وتقديرهم لخطاب الملك في البرلمان لافتتاح الدورة البرلمانية، وبالفعل أوقفت الحركة الاحتجاجات لمدة يومين.

وقد اختار رواد "جيل زد" مخاطبة الملك بشكل مباشر بعد فقدان الثقة في الحكومة والبرلمان والأحزاب، معتبرين في وثيقة لهم أن هذه المؤسسات تحولت من أدوات للتنمية والديمقراطية إلى عوائق حقيقية أمام تحقيق التنمية.

وقد تقدموا بوثيقة تحمل عدة مطالب، أبرزها إقالة الحكومة الحالية استنادًا إلى الفصل 47 من الدستور، الذي يتيح للملك صلاحية تعيين أو إعفاء رئيس وأعضاء الحكومة، معتبرين أن حكومة عزيز أخنوش فشلت في حماية القدرة الشرائية وضمان العدالة الاجتماعية.

وبخلاف تنظيم الاحتجاجات التي انتشرت في المدن الرئيسية والقرى النائية ورفع وثيقة بالمطالب الشبابية، استخدمت الحركة تسجيل لقاءات مسموعة (بودكاست) منتظمة، تستضيف صحفيين وناشطين في الشأن العام يتسنى لأعضاء الحراك مناقشتهم، وتُبث لاحقًا على يوتيوب، أي أن الحركة فضلت التنسيق باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك تفاديًا للتضييق الحكومي الذي واجهته.

ثالثًا: منصة ديسكورد (DISCORD).. كلمة السر في الحراك المغربي

وفقًا لبعض المتابعين، فإن الفارق الذي بدا فاعلًا في الآليات التي اعتمدت عليها الحركة هو منصة "ديسكورد" (DISCORD) والشبكات الخاصة الافتراضية، التي لا تتطلّب أكثر من وضع اسم مستعار، وتوفّر غرف الدردشة النصّية والصوتية الفورية مساحةً للنقاش المدني، ويشكّل هذا الأمر اختلافًا كبيرًا مع منصّات الأخبار التقليدية ومنصّات التواصل الاجتماعي التقليدية.

والجدير بالذكر أن خادم "ديسكورد" الخاص بحراك "جيل زد 212" يضمّ حاليًا أكثر من 250 ألف عضو. ووفقًا لبعض المتابعين، فإن المنصة كانت أساسية في الحفاظ على الهيكل اللامركزي للحركة.

احتجاجات جيل زد في المغرب - أرشيفية
احتجاجات جيل زد في المغرب - أرشيفية

وبخلاف منصات التواصل الاجتماعي السائدة، والتي يمكن التحكم فيها وتهكيرها، لا يخضع "ديسكورد" لخوارزميات، مما يمنح المستخدمين تحكمًا كاملًا في كيفية تدفق المعلومات. إذ تشبه قنواته مزيجًا من "تيليجرام" و"سلاك" و"تيمز"، وتعمل المنصة عبر جميع الأجهزة، وتدمج الصوت والفيديو والنص، وتسهّل على المجتمعات الكبيرة التنسيق في الوقت الفعلي.

وقد وفرت إعدادات الخصوصية والأسماء المستعارة طبقة من الحماية التي لم تعد متوفرة في فيسبوك، ما مكن من انضمام أعداد كبيرة من المغاربة في الخارج. ووفقًا لبعض رواد حركة جيل زد، فإن المغاربة في الشتات هم "حلفاؤنا الدوليون".

رابعًا: الاستجابة الملكية وخفض وتيرة الاحتجاجات

وخلال خطاب الملك "محمد السادس" تعهّد بإجراء إصلاحات اقتصادية وتشريعية، وتحسين الخدمات العامة (الصحة والتعليم) وذلك عبر تخصيص 15 مليار دولار، وقد دعا إلى تقليص الفوارق الاجتماعية والاهتمام بالمناطق المهمشة، ودعا الشباب إلى المشاركة السياسية.

احتجاجات جيل زد في المغرب - أرشيفية
احتجاجات جيل زد في المغرب - أرشيفية

ويبدو أن الحراك الشبابي قد أتى بثماره في استجابة الملك لبعض المطالب المرفوعة، وعلى أي حال، فقد تغيّر الوضع جزئيًا بعد خطاب الملك، لكن استمرار القمع الحكومي لا يزال يؤرق شباب جيل زد.

وقد استُبدلت مظاهر الاحتجاج في الشارع المغربي بمظاهر احتفالية شعبية، بعد قرار الأمم المتحدة اعتماد الخطة المغربية للسلام مع الانفصاليين في جبهة البوليساريو.

وإجمالًا، أثبت الحراك الشبابي في المغرب القدرة على التكيّف مع طبيعة النظام وقيود الحكومة وتحديات الاتصالات والقيادة، كما عززت وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة مثل "ديسكورد" ميزة حقيقية لكيفية تكوين التجمعات وتنسيق التظاهرات وطرح المناقشات، وبالتالي إدارة الاحتجاجات بشكل احترافي متجاوزًا حملات القمع الحكومي، وقد وفرت هذه الميزة ضغطًا على النظام الحاكم، ومن ثم شهدنا استجابة الملك لبعض مطالب شباب حركة جيل زد 212.

شيماء حسن*  

 باحث دكتوراه متخصصة في الشأن الإفريقي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء