كابول وإسلام آباد على حافة الانفجار.. فشل جديد يبدّد آمال التهدئة
وصلت المفاوضات بين باكستان وأفغانستان إلى طريق مسدود، حيث لم ينجح الطرفان في الوصول إلى تفاهمات رغم الوساطة التركية، في ظل إلقاء كل طرف اللوم على الآخر في انهيار المحادثات التي تهدف إلى التهدئة وتخفيف التوترات الحدودية والحفاظ على وقف إطلاق النار الهش.
وجاءت المفاوضات التي انطلقت برعاية تركية قطرية بعد اشتعال الأوضاع على الحدود الأفغانية الباكستانية وتطورها إلى اشتباكات دامية بين الجانبين، وأسفرت عن مقتل العشرات من الجنود والمدنيين، وذلك إثر تنفيذ ضربات في العاصمة الأفغانية كابول بطائرات مسيرة، واتهمت طالبان الأفغانية الحكومة الباكستانية بالوقوف وراء هذه الضربات.
وتتجه الأمور بين الجارتين إلى مزيد من التصعيد في ظل الاتهامات المستمرة من باكستان لطالبان الأفغانية بالسماح باستخدام جماعات متطرفة لأراضيها لتهديد الأراضي الباكستانية وتنفيذ عمليات إرهابية ضد قوات الأمن الباكستانية، خاصة "طالبان باكستان"، وهي الاتهامات التي تنفيها طالبان الأفغانية باستمرار.

اتهامات متبادلة بسبب الالتزامات الأمنية
وجاء فشل المحادثات في إسطنبول بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في الدوحة في أكتوبر الماضي، ولم تتوصل الجولة الثانية من المفاوضات في إسطنبول الأسبوع الماضي إلى اتفاق طويل الأجل بسبب الخلاف حول الجماعات المسلحة المعادية لباكستان والتي تعمل داخل أفغانستان، وسط تأكيدات من جانب باكستان بأن الأزمة مع الجانب الأفغاني تتمثل في دعم الجماعات المعادية.

وترى باكستان أن اتفاق وقف إطلاق النار قد يصمد إذا استطاعت "طالبان الأفغانية" منع أي هجمات من أراضيها ضد الأراضي الباكستانية، وقال وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف إن محادثات السلام مع أفغانستان في إسطنبول، والتي كانت تهدف إلى منع تجدد الاشتباكات الحدودية، انهارت، مضيفًا أن وقف إطلاق النار سيصمد طالما لم تكن هناك هجمات من الأراضي الأفغانية.
وتشير أصابع الاتهام الباكستانية إلى دور الهند في الأزمة القائمة بين الجانبين، حيث اعتبر وزير الدفاع الباكستاني أن أصحاب القرار في كابول يخضعون لسيطرة دلهي، مؤكدًا أن "الهند تستخدم الأراضي الأفغانية لشن حرب بالوكالة ضد باكستان لتعوض هزيمتها على الحدود الغربية عبر كابول، فهي تريد خوض حرب منخفضة الشدة مع باكستان، ولهذا تستخدم أفغانستان".

ويتبادل الجانبان الاتهامات بشأن فشل المفاوضات، ما يشير إلى تباعد في وجهات النظر وعدم الوصول إلى توافقات في إدارة الأزمة المرشحة للانفجار في أي وقت، وعدم اعتراف أي طرف بالتسبب في الأزمة بين البلدين، وهو ما يزيد التوتر القائم والمرشح للتصعيد في ظل عدم القدرة على الوصول إلى تفاهمات عملية قادرة على إنهاء أسباب التوتر الذي يظهر من حين لآخر.
وتعتبر حكومة "طالبان الأفغانية" أن الجانب الباكستاني هو السبب في فشل المفاوضات، بسبب المطالب غير المنطقية وغير المعقولة، حيث حمّل المتحدث باسم الحكومة الأفغانية ذبيح الله مجاهد باكستان مسؤولية فشل المحادثات، قائلاً إن "مطالب باكستان في المفاوضات غير معقولة، ولا يمكن للمحادثات أن تستمر، وانتهى الاجتماع والمحادثات متوقفة في الوقت الحالي".
وتواصل "أفغانستان" نفيها للاتهامات الباكستانية بالسماح باستخدام الأراضي الأفغانية من جانب الجماعات المتطرفة، مشيرًا إلى أن المناقشات لم تُسفر عن نتائج ملموسة بسبب وجود خلافات حول المسؤوليات الأمنية، مؤكدًا التزام أفغانستان بعدم السماح لأحد باستخدام أراضيها ضد دولة أخرى، مؤكدًا في الوقت نفسه أن طالبان ستدافع بحزم عن شعب أفغانستان وأرضها ضد أي عدوان.

في المقابل، ألقت الحكومة الباكستانية باللوم على "طالبان أفغانستان"، معتبرة أن الحكومة الأفغانية لم تلتزم بتعهداتها لتحقيق الأمن في الأراضي الباكستانية، حيث قال وزير الإعلام الباكستاني عطا الله تارار إن حركة طالبان الأفغانية فشلت في الوفاء بالتعهدات التي قطعتها للمجتمع الدولي بشأن الحد من الإرهاب بموجب اتفاق السلام الذي أبرم في الدوحة عام 2021، في إشارة إلى "التزام طالبان بعدم استخدام الأراضي الأفغانية من جانب الجماعات المتطرفة".
وتأتي هذه التصريحات من جانب وزير الإعلام الباكستاني في الوقت الذي يؤكد فيه أن باكستان تتعامل بـ"حسن النية" مع الجانب الأفغاني، وأن إسلام آباد تواصل سعيها إلى السلام وحسن النية للأفغان، لكنها ستتخذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية شعبها وسيادتها، معتبرًا أن باكستان لن تدعم أي خطوات تتخذها حكومة طالبان لا تصب في مصلحة الشعب الأفغاني أو الدول المجاورة.
أسباب الانهيار
تقف عدة أسباب وراء انهيار المحادثات بين أفغانستان وباكستان على الرغم من القدرة على الوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.
أولًا: مطالب باكستان تفوق قدرة طالبان الأفغانية، حيث إن الحكومة الباكستانية تريد إلزام حكومة طالبان بالسيطرة الكاملة على أراضيها ومنع الجماعات المتطرفة من استخدامها، وهو أمر يفوق إمكانات طالبان الأفغانية التي تتعرض لعمليات تستهدفها.
ثانيًا: غياب "طالبان باكستان" عن المحادثات على الرغم من أنها طرف فاعل في الصراع الحالي، وعدم دمجها في المحادثات واحتوائها يجعل "طالبان أفغانستان" غير قادرة على السيطرة الكاملة عليها باعتبارها خارج هيكلها التنظيمي.

ثالثًا: رؤية طالبان أفغانستان أن الحكومة الباكستانية تصدر لها أزماتها الأمنية الداخلية وإلزامها بحفظ الأمن في الداخل الباكستاني، وهي مسؤولية تقع على عاتق الحكومة الباكستانية وليس حكومة طالبان الأفغانية.
رابعًا: تعتبر حكومة باكستان أن عدم قدرة طالبان أفغانستان على منع العمليات ضد أراضيها هو عدم التزام بالتعهدات التي قطعتها الحركة على نفسها في اتفاق الدوحة 2021، ما يمثل إخلالًا بالتزاماتها أمام المجتمع الدولي.
سيناريوهات محتملة
السيناريو الأول: رغم فشل هذه الجولة من المفاوضات، إلا أن الطرفين يبديان استعدادهما للتعامل واستمرار الجهود الدبلوماسية، وقد تنجح هذه الجهود في عقد جولة أخرى مستقبلاً حال نجاح الوسطاء في تقريب وجهات النظر، خاصة فيما يتعلق بالالتزامات الأمنية، مع الوضع في الاعتبار أنه لا سيطرة كاملة لأي طرف على الوضع الأمني.
السيناريو الثاني: عدم قدرة الوسطاء على تقريب وجهات النظر، ما يعني عدم العودة للمفاوضات، مع احتمالية انفجار الأوضاع في أي وقت على الحدود الأفغانية الباكستانية في ظل وجود أطراف خارج السيطرة وعلى رأسها طالبان باكستان، ما يعني تجدد الصراع وتبادل الضربات المحسوبة بين الجانبين.
ختامًا:
يمكن القول إن الالتزامات الأمنية هي العقبة الأساسية أمام التفاهمات الأفغانية الباكستانية، ولن تستطيع "طالبان أفغانستان" السيطرة الكاملة على أراضيها، ما يتطلب مرونة من جانب باكستان في الوصول لتفاهمات على أساس التعاون بين الجانبين لتحقيق أكبر قدر من السيطرة على توترات الحدود.



