رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بسبب بوكوحرام: توتر العلاقات بين واشنطن وبكين على خلفية الملف الديني

جماعة بوكو حرام في
جماعة بوكو حرام في نيجيريا - أرشيفية

في خطوة ندية وداعمة لموقف الحكومة النيجيرية، أعلنت الصين أنها تعارض بشدة تهديد الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" بعمل عسكري في نيجيريا، بذريعة "قتل المسيحيين" فيها، ووصفت نيجيريا "بالشريك الاستراتيجي"، وتدعمها بقوة في وجه التهديدات الأمريكية، وذلك بحجة أن المسيحية تواجه "تهديدًا وجوديًا" في نيجيريا، متهمًا "الإسلاميين المتطرفين" بارتكاب "مجازر جماعية" ضد المسيحيين، وقد جاءت المزاعم الأمريكية على خلفية تقرير صحفي شاهده "ترامب" على قناة فوكس نيوز اليمينية، قد وصفت هجمات الإرهابيين ضد النيجيريين بالهجمات ضد المسيحيين، في مشهد اختزالي ينفي الحقيقة المؤكدة بأن الهجمات الإرهابية تستهدف المسلمين والمسيحيين بشكل عام، واللافت هنا هو انزعاج الصين وقيامها بالرد على اتهامات ترامب، فلماذا انزعجت الصين؟

أولاً: مضمون التصريحات الصينية الداعمة لنيجيريا

جاء أول تعليق صيني على لسان المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية "ماو نينغ"، في مؤتمر صحفي ببكين، قالت فيه إن الصين "تعارض بشدة استخدام الدين وحقوق الإنسان ذريعةً للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى وتهديدها بالعقوبات أو القوة العسكرية". وأضافت: "بصفتها شريكًا استراتيجياً شاملاً لنيجيريا، فإن الصين تدعم بقوة الحكومة النيجيرية في قيادة شعبها على طريق التنمية المناسب لظروفها الوطنية". كما عقد رئيس مجلس الدولة "لي تشيانغ" اجتماعًا مع رئيس مجلس النواب النيجيري "تاج الدين عباس"، وذلك أثناء حضور الأخير لمعرض الصين الدولي للاستيراد، وقد أكد "تشيانغ" أن الصين تدعم نيجيريا للاضطلاع بدور أكبر في الشؤون الدولية والإقليمية، مستغلة انضمام الأخيرة للتكتلات الإقليمية الناشئة مثل "البريكس"، كما شدد على أن الدولتين بهما عدد سكان كبير ويمتلكان إمكانات تنموية هائلة.

الرئيس ترامب
الرئيس ترامب

ثانياً: تطور العلاقات الصينية النيجيرية

منذ سبعينيات القرن الماضي، كانت نيجيريا من الداعمين لاستعادة الصين مقعدها الشرعي في الأمم المتحدة، ومنذ ذلك الحين، وعلى صعيد القضايا الرئيسية الإقليمية والعالمية، ظل البلدان يتشاوران ويدعمان بعضهما البعض للعمل بصورة مشتركة لصيانة مصالح إفريقيا والدول النامية. 

وخلال الأعوام المنصرمة، وبشكل خاص خلال فترة تمرد "بوكو حرام"، تبادل الجانبان الزيارات الرفيعة المستوى، بما يسهم في مواصلة تعزيز الثقة السياسية المتبادلة. ففي عام 2014، زار رئيس مجلس الدولة الصيني "لي كه تشيانغ" نيجيريا، وتوصل إلى توافقات مكثفة مع القادة النيجيريين. وفي عام 2015، التقى الرئيس الصيني "شي جين بينغ" مرتين مع الرئيس "بوهاري"، وتبادل الرئيسان الآراء حول العلاقات الثنائية والقضايا ذات الاهتمام المشترك، وتوصلا إلى سلسلة واسعة من التوافقات، ووضعا التوجيه لمسار تطور العلاقات المستقبلية بين البلدين. 

وفي إبريل 2016، قام "بوهاري" بأول زيارة رسمية له إلى الصين، واتفق مع الرئيس "شي" على نقل العلاقات الثنائية إلى مرحلة جديدة. وفي يناير عام 2017، وخلال زيارة وزير الخارجية الصيني "وانغ يي" لنيجيريا، أكدت الحكومة النيجيرية مجدداً التزامها بسياسة الصين الواحدة، قائلة إن نيجيريا ستبقى متمسكة بالتعاون والصداقة طويلة الأمد مع الصين، كما تعززت العلاقات بشكل أوثق خلال قمة منتدى التعاون الصيني-الأفريقي لعام 2018 في "بكين".

الرئيس الصيني شي جين بينج
الرئيس الصيني شي جين بينج

ثالثاً: تمرد "بوكو حرام" يعزز العلاقات الأمنية والعسكرية

وعلى جانب آخر، يمكن ملاحظة أن الصين، وفي إطار مبادرتها المعلنة "الحزام والطريق"، ومن خلال متابعتها للموقف الأمني المتردي في نيجيريا أثناء ذروة التمرد، ومع تدهور العلاقات النيجيرية الأمريكية على خلفية انتهاك الجيش النيجيري لمبادئ حقوق الإنسان خلال مواجهاته مع التنظيم الإرهابي وتطبيق قانون "ليهي" الأمريكي، والذي بموجبه تم تعليق المساعدات الأمريكية في الجانب الأمني والعسكري، وإيقاف صفقات بيع الأسلحة والطائرات المقاتلة والتدريب العسكري، ما أثر بشكل كبير على الموقف الأمني، كما تكرر الأمر نفسه أثناء فترة ترامب الأولى، وخلال إدارة بايدن تحسنت العلاقات بشكل ملحوظ وتم السماح بتدفق شحنات الأسلحة للوصول إلى نيجيريا، وبالتالي جاءت الزيارة الأولى لنيجيريا لرئيس مجلس الدولة الصيني، وعقد لقاءات مكثفة مع القادة النيجيريين. ومنذ هذا التاريخ تعزز التعاون السياسي والشراكة الاقتصادية والأمنية مع الجانب الصيني، إذ قرر الرئيس "بوهاري" عقد صفقات الأسلحة مع الجانب الصيني وجلب المعدات التي كان يحتاجها الجيش النيجيري في معركته ضد إرهاب "بوكو حرام"، فعلى سبيل المثال اشترت نيجيريا عدد (5) طائرات دون طيار CH-3 عام 2014، وطائرات مقاتلة عام 2020، كما تعاقدت على صفقات لجلب دبابات مدرعة وعربات مدرعة عام 2019، كما تعددت صفقات الأسلحة الصينية منذ ذلك الحين، في مسعى اتخذته نيجيريا لتنويع مصادر أسلحتها، والاعتماد على الشرق الذي لا يحدد معايير صارمة لاستخدام السلاح المباع، خاصة وأن فكرة التهديد بفرض عقوبات أو إيقاف شحنات الأسلحة والتدريب العسكري أداة أمريكية معتمدة في السياسة الأمريكية بشكل عام.

رئيس مجلس النواب النيجيري، عباس تاج الدين
رئيس مجلس النواب النيجيري، عباس تاج الدين

رابعاً: التعاون الاقتصادي النيجيري الصيني

تُعد نيجيريا السوق الأكبر للعقود الهندسية الصينية، وثاني أكبر سوق لصادراتها، وثالث أكبر شريك تجاري لها، ووجهة استثمارية رئيسية في أفريقيا. في إبريل عام 2018، وقع البنك المركزي الصيني اتفاقية تبادل (مقايضة) عملات مع نظيره النيجيري، وسيتم تبادل ما إجماليه 15 مليار يوان صيني (2.35 مليار دولار أمريكي) مع 720 مليار نيرا نيجيرية، وتعد نيجيريا البلد الأفريقي الأول الذي يقبل العملة الصينية (الرنمينبي أو اليوان) كاحتياطي عملة أجنبية لديها. وتعمل الصين ونيجيريا بنشاط على مواصلة تطوير المناطق التجارية الحرة في "ليكي" و"أوغون"، وهي مناطق تهدف إلى جذب المستثمرين الأجانب وتطوير البنى التحتية في البلاد ورفع مستوى التصنيع، بما يخدم تحسين حياة المواطنين. وقد تطورت العلاقات الاقتصادية لتشمل مجالات البنى التحتية، وخاصة مشاريع الأقمار الاصطناعية ومشاريع السكك الحديدية، حيث قدمت الصين استثماراتها وتقنياتها الحديثة، ووضعت هذه المشاريع موضع التشغيل لخدمة النيجيريين. في 15 مايو 2018، وقعت نيجيريا اتفاقية بقيمة 6.68 مليار دولار أمريكي مع المؤسسة الصينية للهندسة والإنشاءات المدنية (CCECC) لتحديث مشاريع سكك حديدية، ولا سيما التي تربط بين مدينتي "لاغوس" و"كانو" المحور التجاري في شمالي البلاد، كما تعززت العلاقات في مجال الزراعة والقطاع الصحي.

وبناءً عليه، يمكن تفسير التصريحات الصينية الداعمة لنيجيريا في هذا السياق، حيث تطورت العلاقات بين الجانبين لتشمل مجالات استراتيجية وحيوية مثل القطاع الاقتصادي والأمني والعسكري والاجتماعي. في المقابل، يمكن ملاحظة الابتعاد التدريجي أو التوترات من فترة لأخرى -خاصة خلال الفترات الرئاسية لترامب- في العلاقات مع الجانب الأمريكي، سواء بعد إيقاف شحنات المساعدات الأمريكية، أو التلويح باستخدام قوانين "ليهي" الأمريكية لتعليق صفقات السلاح، أو حتى إنهاء عمل الوكالة الأمريكية الدولية للمساعدات، إذ كانت نيجيريا من أكبر الدول الأفريقية التي كانت تتلقى مساعدات في الجانبين الصحي والتعليمي، وبالتالي فقدت نيجيريا جزءاً كبيراً من المساعدات الإنسانية، في وقت تعاني فيه من أزمات الغذاء والجوع وتدهور القطاع الصحي والحالة الأمنية المتردية.

شيماء حسن* 

 باحث دكتوراه متخصصة في الشأن الإفريقي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء