خطر وجودي: الصعود السياسي لممداني يهز عرش إسرائيل في الغرب
تشهد المجتمعات الغربية منذ عقد من الزمن أحداثًا كبرى شملت تحولات ديموغرافية وسياسية وفكرية في مجتمعات طالما اعتُبرت متحيزة للعنصر الأبيض ورافضة للجنسيات والقوميات المغايرة.
ففي عام 2016، على سبيل المثال، في مدينة لندن- عاصمة بريطانيا التي اعتُبرت لقرون مضت رمزًا لسيطرة حضارة الرجل الأبيض على العالم -شهدت انتخاب مسلم من أصول آسيوية عمدةً للمدينة العريقة، إذ تعود جذور عمدة لندن الحالي صادق خان إلى باكستان، واعتُبر فوز خان وقتها بالزلزال الذي هز المجتمع الإنجليزي، مما دفع العديد من التحليلات المنسوبة إلى التيارات المحافظة إلى إعادة تسمية المدينة العريقة بـ"لندنستان".

بعد مرور تسع سنوات كاملة على انتخاب صادق خان، شهدت مدينة نيويورك الأمريكية، والتي تُعد حاليًا مركز الحضارة الغربية ثقافيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، انتخاب مسلم آخر من أصول آسيوية عمدةً للمدينة، وهو زهران محمداني أو كما يُطلق عليه الآن "ممداني".
تجربة "ممدان" تُعد أكثر وطأة وتأثيرًا من تجربة "خان"، فالأخير نشأ وترعرع في أحياء لندن الشعبية وتدرج في الصفوف الحزبية لحزب العمال، الأمر الذي مكّنه في النهاية من الوصول إلى منصب عمدة لندن، أما ممداني فهو مهاجر حديث إلى الولايات المتحدة، ولم يمر على وجوده في الأراضي الأمريكية سوى عقد من الزمان تقريبًا، والأدهى من ذلك أنه لا يتحرج في الإعلان عن انتماءاته وميوله السياسية والدينية، فكلا خان وممداني يعتزان بكونهما مسلمين، بالإضافة إلى أن ممداني لا يتورع في انتقاد إسرائيل ومنددًا بالجرائم المرتكبة في غزة، الأمر الذي وضعه في خانة معاداة السامية في أمريكا، وهو الأمر الذي كان في الماضي كفيلًا بإنهاء حياته السياسية قبل أن تبدأ.

أفكار ممداني المناهضة لإسرائيل كانت إحدى السبل التي ساهمت في إنجاحه خلال الانتخابات الأخيرة، الأمر الذي أثار القلق والحيرة في الأوساط الصحفية والإعلامية الإسرائيلية، فلا تكاد تخلو وسيلة إعلام إسرائيلية إلا وهي تحذر من صعود ممداني، واصفةً إياه بالزلزال الذي يهز عرش إسرائيل في الغرب.
خطر وجودي
وصفت وسائل إعلام إسرائيلية فوز ممداني بالخطر الوجودي الذي يهدد إسرائيل وأمنها السياسي. ففي مقال حمل العنوان "النموذج الممداني: خطر وجودي"، للكاتب "نسيم كاتس" نُشر على موقع "يسرائيل هيوم" بتاريخ 5 نوفمبر 2025، وصف "كاتس" انتخاب ممداني لرئاسة بلدية نيويورك بالخطر الوجودي، موضحًا أن برنامجه السياسي المتقن يهدف إلى تحييد وتفكيك القوة المجتمعية اليهودية من الداخل، إذ عمل على استقطاب الجماعات اليهودية المعادية للصهيونية إلى صفه السياسي، مثل مجموعة "صوت يهودي من أجل السلام (JVP)" التي منحها منصة سياسية تعبّر عن أهدافها وتحركاتها، وفي المقابل استفاد منها ممداني في جعلها حائط صد أمام أية اتهامات له بمعاداة السامية.
ساهم استقطاب ممداني لتلك الأصوات اليهودية المعادية للصهيونية في شل مراكز الحركة لكافة المنظمات اليهودية الأخرى المؤيدة لإسرائيل، والتي بات يُنظر إليها على أنها تحاول إخراس مبدأ التعددية السياسية وتبييض الأصوات في الانتخابات وفرض الوصاية على اليهود.
يواصل كاتس تقييمه لتجربة ممداني على أنه منح الفرصة لشباب اليهود من أنصار التيار التقدمي في التعبير عن هويتهم دون تحرج، فهو ساهم بشكل فعّال في إظهار نوع جديد من "اليهودية التصحيحية"، والقائم على اعتزاز هؤلاء الشباب بهويتهم اليهودية من ناحية، وأفكارهم الراديكالية التقدمية من ناحية أخرى، والتي تصف إسرائيل على أنها كيان استعماري غربي، وأن هؤلاء الشباب لا يتحملون وزرًا إزاء السياسات الإسرائيلية.
ويرى "كاتس" أن الهوية اليهودية في العواصم الغربية في خطر، فنجاح نموذج ممداني في نيويورك من شأنه أن ينتقل إلى لندن وباريس وتورنتو، وأن نماذج أخرى ستعمل على تحييد اللوبي اليهودي في تلك الدول، وإحداث انشقاقات داخل المجتمعات اليهودية، خاصة فئة الشباب اليهود في أوروبا وأمريكا، الذين باتوا يرون ضرورة الانسلاخ عن تأييد إسرائيل.

التهديد الأكبر للحضارة الغربية
وفي مقال آخر في صحيفة "هآرتس" للكاتب يوعناه غونين، وصف انتخاب ممداني بالتهديد الأكبر الذي يهدد وجود الحضارة الغربية، موضحًا أن محور الشر وجد ضالته في توفير حافلات نقل مجانية بين بروكلين وكوينز بارك، إحدى ضواحي نيويورك الشهيرة.
اتهم "غونين" ممداني بالنفاق السياسي، ففي الوقت الذي يعلن فيه صراحة انتقاده للسياسات الإسرائيلية تجاه قطاع غزة ويهدد باعتقال نتنياهو في حال وصوله إلى نيويورك، يحاول في الوقت نفسه تملق يهود نيويورك من خلال زيادة ميزانية برامج مكافحة الكراهية بنسبة 800%.

تغلغل الجهادي الهادئ
واكب فوز ممداني برئاسة بلدية نيويورك غضبٌ كبير في أوساط اليمين الإسرائيلي، إذ أجمعت كل أحزاب اليمين الإسرائيلي على أن يوم فوزه هو انتصار لمعاداة السامية. فوزير الأمن القومي "إيتمار بن غفير" وصف انتخاب ممداني بأنه سيذكّر العالم بمدى انتصار معاداة السامية على المنطق السليم.
فيما كتب رئيس حزب إسرائيل بيتنا "أفيجدور ليبرمان" على حسابه على منصة X: "بعد ثلاث عقود من أحداث 11 سبتمبر 2001، اختارت نيويورك إسلاميًا عنصريًا شعبويًا عمدةً لها، وإن ممداني هو الوجه الدعائي للجهاد الهادئ".
وختامًا:
ترى أصوات إسرائيلية أخرى مثل "أفيخاي بن ساسون جورديس"، الباحث في معهد دراسات الأمن القومي، والكاتب أمير تيفون في صحيفة "هآرتس" أن انتصار ممداني ليس الخطر الوحيد، إنما هو جزء من سلسلة أخطار كبرى، خاصة بعد نجاح الحزب الديمقراطي في انتخابات بلدية نيويورك وانتخابات حاكمي ولايتي نيوجيرسي وفرجينيا، والاستفتاء في ولاية كاليفورنيا حول ترسيم دوائر الكونجرس، التي شهدت تفوقًا للحزب الديمقراطي، والذي سيمكنه من الفوز في الانتخابات اللاحقة.
إذ يرى الكاتبان أن انتصارات الديمقراطيين مؤخرًا ستعيد تشكيل الخطاب السياسي تجاه إسرائيل خلال انتخابات التجديد النصفي المتوقعة في نوفمبر 2026، وتأتي انتصارات الديمقراطيين في ظل احتلال إسرائيل مكانة متدنية في أوساط الحزب الديمقراطي، وأن شعبية الحزب تعززت مؤخرًا بواسطة الشباب الأكثر انتقادًا لإسرائيل ومعاداة السامية.
محمد الدابولي*
باحث في السياسات الدولية



