رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

200 مقاتل في العزلة.. ورطة الأنفاق تربك حسابات حماس على طاولة المفاوضات

انفاق حماس - أرشيفية
انفاق حماس - أرشيفية

في 22 أكتوبر 1973، أصدر مجلس الأمن الدولي قراره رقم 338 بوقف إطلاق النار بين مصر وسوريا من جانب، وإسرائيل من جانب آخر، وذلك بعد مشروع قرار أمريكي سوفيتي مشترك يقضي بوقف إطلاق النار بين جميع الأطراف، ولاحقًا تبعه القرار رقم 340 الذي يؤكد على ضرورة وقف إطلاق النار بين الأطراف المتحاربة.

ترتب على القرارات الأممية الدخول في مفاوضات مباشرة تحت إشراف الأمم المتحدة حول تحديد خطوط وقف إطلاق النار بين جميع الأطراف، وعُرفت تلك المفاوضات التي جرت على الجانب المصري باسم مفاوضات الكيلو 101.

عُقدت اجتماعات الكيلو 101 في خيمة نُصبت على طريق القاهرة – السويس، وتمت تحت إشراف الجنرال الفنلندي إنسيو سيلاسفو ممثلًا للأمم المتحدة، فيما مثّل الوفد المصري وقتها رئيس هيئة العمليات خلال الحرب ورئيس الأركان لاحقًا المشير محمد عبد الغني الجمسي ، ومثّل الوفد الإسرائيلي الجنرال  أهارون ياريف  .

أنفاق حماس -أرشيفية 
أنفاق حماس -أرشيفية 

تشير الوقائع والروايات إلى تحرّج المشير الجمسي في قبول المهمة وعدم رغبته في الاشتراك في المفاوضات نظرًا لكونه رجلًا عسكريًا من الطراز الأول يرفض مسألة الجلوس والتفاوض مع عدو كان يحاربه بالأمس القريب.

إلا أن الرئيس المصري أنور السادات، أصرّ على تعيين الجمسي ممثلًا للوفد المصري للعديد من الاعتبارات الميدانية والعسكرية، ألا وهي إلمامه الشديد بأوضاع القوات المسلحة المصرية وتمركزاتها سواء على الضفة الشرقية لقناة السويس أو الضفة الغربية، فضلًا عن إلمامه بالوضع العسكري الكامل بـ"ثغرة الدفرسوار" وحصار الجيش الثالث ومدينة السويس، نظرًا لشغله منصب رئيس هيئة العمليات أغلب أوقات الحرب.

انفاق حماس - أرشيفية
انفاق حماس - أرشيفية

فشل تقديرات حركة حماس

في التاريخ العِبَر والدروس المستفادة، إذ ينبغي دراسة تجارب الماضي للاستفادة منها في الوقت الحاضر، فمقولة "اختيار الرجل المناسب في المكان المناسب" تنطبق على تكليف المشير الجمسي بمفاوضات الكيلو 101، لذا مرت المفاوضات بسلام وكانت لبنة أولى في سلم المفاوضات المصرية الإسرائيلية، التي انتهت بتحرير كافة التراب المصري في 25 أبريل 1982. 

ما دفعنا إلى استذكار تجربة مفاوضات الكيلو 101 وتكليف المشير الجمسي بإدارتها، هو حالة التخبط التي بدت عليها حركة حماس مؤخرًا، خاصة بعد إعلان الحركة عن تواجد مقاتلين (200 مقاتل تقريبًا) لديها خلف الخط الأصفر داخل أحد الأنفاق، ومحاولة التفاوض حاليًا حول مصيرهم. 

 

أنفاق حماس -أرشيفية 
أنفاق حماس -أرشيفية 

يمثل اكتشاف وجود مائتي كتائب عز الدين القسام خلف خطوط العدو (الخط الأصفر) سوء تقديرات حركة حماس لوضعها وتمركزات عناصرها وقت مفاوضات وقف إطلاق النار في شرم الشيخ في بداية شهر أكتوبر 2025، إذ ينمّ هذا الاكتشاف عن خطأين استراتيجيين في تحركات وتكتيكات الحركة، وهما كالتالي:

  الخطأ الأول:   

يتمثل في انقطاع التواصل بين قيادة كتائب عز الدين القسام وخلاياها المنتشرة في الأنفاق، وهو أمر يبدو منطقيًا بدرجة كبيرة نظرًا لحالة الاستهداف التي تعرضت لها القيادة العسكرية لحركة حماس، خاصة بعد اغتيال محمد الضيف قائدها الأول، فمؤخرًا بدت حالة من الضعف والتفكك على كتائب عز الدين القسام وفشلها في بسط سيطرتها على نصف مساحة غزة تقريبًا، وظهور ميليشيات منافسة لها مثل ميليشيات أبوشباب والأسطل وغيرها.

الخطأ الثاني: 

يتمثل في انقطاع التواصل بين القيادة السياسية لحركة حماس المتواجدة ما بين الدوحة وإسطنبول، وبين القيادة العسكرية المتواجدة على الأرض في قطاع غزة مثل عز الدين الحداد قائد لواء شمال غزة والمسؤول حاليًا عن عدة كتائب للحركة، وهو الاسم الأبرز عسكريًا حاليًا في الحركة.

فقد كان لابد أن تُمثَّل الإدارة العسكرية لحركة حماس في مفاوضات وقف إطلاق النار في شرم الشيخ، مثلما فعلت القاهرة في مفاوضات الكيلو 101 حين دفعت بالمكون العسكري في بداية التفاوضات نظرًا لإدراكه بكل تفاصيل الوضع العسكري الميداني وخريطة الأنفاق داخل القطاع.

وهنا يبرز عيب الدفع بالقيادة السياسية في مفاوضات وقف إطلاق النار؛ فمهما كانت درجة إدراكها بالصراع، إلا أنه يصعب عليها الإلمام الشامل بالأوضاع الميدانية.

أنفاق حماس -أرشيفية 
أنفاق حماس -أرشيفية 

تفوق إسرائيلي

ساهم اكتشاف وجود مقاتلي حماس في أحد أنفاق جنوب غزة وانعدام تواصل قيادة حماس بهم في تعزيز الموقف الإسرائيلي في المفاوضات الخاصة بتسليم الرهائن، فحاليًا تدور نقاشات حول دكّ النفق بهم وقتلهم، كما عبّر وزير المالية المتشدد سموتريتش، فيما جاءت أغلب التصريحات الإسرائيلية لتشير إلى إمكانية استسلام المقاتلين وعودتهم إلى قطاع غزة دون سلاح في مقابل تسليم جثة الجندي الإسرائيلي هدار غولدن، الذي أُسر خلال عملية الجرف الصامد عام 2014، وذلك حسبما عبّر رئيس هيئة الأركان إيال زامير.

وساطة دولية

تقود الولايات المتحدة والمخابرات التركية، بقيادة إبراهيم قالن، عملية المفاوضات حاليًا بين حماس وإسرائيل لأجل تسهيل خروج مقاتلي الحركة من الأنفاق، إذ تقترح واشنطن تجريد المقاتلين من السلاح وتسليمه إلى إحدى الدول الضامنة مثل مصر أو تركيا أو قطر، في مقابل تسهيل ممر آمن لهم ينتقلون بعد ذلك إلى الجزء الآخر من قطاع غزة، وتلوّح واشنطن بإمكانية حصولهم على عفو إسرائيلي شريطة ألا يعودوا مرة أخرى للعمل المسلح.

أنفاق حماس -أرشيفية 
أنفاق حماس -أرشيفية 

تداعيات اكتشاف مقاتلي الأنفاق

تمتلك تل أبيب حاليًا كنزًا ثمينًا لا يُعوَّض يتمثل في النقاط التالية:

تعزيز وضعها التفاوضي: باتت إسرائيل تمتلك أوراقًا ضاغطة على حركة حماس تستطيع من خلالها تمرير رؤيتها لترتيبات وقف إطلاق النار وما بعدها.

جنود الاحتلال الإسرائيلي داخل أحد أنفاق غزة -أرشيفية 
جنود الاحتلال الإسرائيلي داخل أحد أنفاق غزة -أرشيفية 

كنز استخباراتي ثمين: في حال استسلام المقاتلين (200 مقاتل) سيضطرون إلى الكشف عن وجوههم وهوياتهم الشخصية، الأمر الذي سيشكل كنزًا معلوماتيًا هامًا حول تركيبة خلايا وكتائب الحركة، مثلما كشفت عملية "البيجر" عن الصفوف الثانية والثالثة لحزب الله أمام الاستخبارات الإسرائيلية.

لقطة النصر

 في أي معركة دائمًا ما تسعى الجيوش المنتصرة إلى أخذ لقطة سينمائية فوتوغرافية لتخليد ذكرى النصر لاتخاذها في الدعاية العامة والتعبئة السياسية فيما بعد، مثل لقطة دخول وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه ديان للقدس في 7 يونيو 1967، وكذلك مشهد الجندي المصري محمد عبد السلام العباسي وهو يرفع العلم المصري على الضفة الشرقية لقناة السويس مساء يوم 6 أكتوبر 1973، وكذلك لقطة رفع العلم السوفيتي الأحمر فوق مبنى الرايخستاغ الألماني في مايو 1945.

لذا باتت إسرائيل على مقربة من اتخاذ لقطة تاريخية تخلد انتصارها في الحرب الأخيرة، وتلك اللقطة ستكون على حساب المقاتلين المحبوسين في الأنفاق حاليًا، فلن تفوّت القيادة العسكرية الإسرائيلية تصوير مشهد استسلام المقاتلين على أنه نهاية المعركة، وهو ما يفسر حالة التروي الإسرائيلي في عدم اتخاذ قرارها بدكّ النفق على رؤوس المقاتلين.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء