رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تل أبيب تغرق في نعيم ترامب: تخوفات إسرائيلية من مرحلة ما بعد ولايته

الرئيس الأمريكي دونالد
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع زعماء اليمين الإسرائيلي

تسود تخوفات حاليًا في الأوساط الأكاديمية والبحثية في إسرائيل من مرحلة ما بعد انتهاء ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي من المقرر انتهاؤها في نهاية عام 2028، أي بعد ثلاث سنوات فقط من الآن. 

ستُقدم الولايات المتحدة الأمريكية خلال السنوات الثلاث المقبلة على انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي بغرفتيه، مجلس النواب ومجلس الشيوخ، في نوفمبر 2026، والتي تُعتبر وفقًا لتقاليد السياسة الأمريكية استفتاءً على سياسات الرئيس، فغالبًا ما تستحوذ المعارضة السياسية على معظم المقاعد في انتخابات التجديد النصفي، الأمر الذي يعرقل قدرة الرئيس إلى حد ما في تنفيذ سياساته خلال فترته المقبلة.

ترامب في الكنيست الإسرائيلي - أرشيفية
ترامب في الكنيست الإسرائيلي - أرشيفية

بالإضافة إلى انتخابات التجديد النصفي، ستدخل الولايات المتحدة ابتداءً من نهاية عام 2027 وحتى نوفمبر 2028 سباقات الحملات الانتخابية للرئاسة الأمريكية، المقررة في نوفمبر 2028، والتي من المحتمل ألا تشهد دخول الرئيس الحالي دونالد ترامب سباق الانتخابات لاعتبارات صحية مثل الشيخوخة، فترامب حاليًا يبلغ من العمر 79 سنة، وإن دخل الانتخابات ستكون فرص نجاحه ضعيفة نظرًا لتقدمه في العمر.

يرى الأكاديميون والباحثون الإسرائيليون أن إسرائيل أمامها فقط ثلاث سنوات من "نعيم ترامب" ويجب أن تستمتع به قبل انقضاء فترته، حيث تشير الاحتمالات إلى خريف قادم في العلاقات الأمريكية–الإسرائيلية بعد انتهاء ولاية ترامب، في ظل تنامي موجة اليسار الأمريكي الصاعد، والذي توج بفوز زهران ممداني بمنصب عمدة مدينة نيويورك مؤخرًا.

جهود ترامب في خدمة إسرائيل

يعد الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، أكثر رئيس أمريكي منذ نشأة إسرائيل في عام 1948 حرصًا على المصالح الإسرائيلية وتقديم كافة المعونات والخدمات المتاحة إليها، إذ سيترك ترامب بعد انتهاء ولايته إرثًا كبيرًا في خدمة إسرائيل لا يمكن لأي رئيس مقبل الاقتراب منه أو الوصول إليه، ولا يوازي جهود ترامب في خدمة إسرائيل سوى الرئيس الأسبق، هاري ترومان (1945 ـــــ 1953)، الذي وافق على إنشاء دولة إسرائيل في عام 1948.

ترامب ونتنياهو
ترامب ونتنياهو

شهدت الولاية الأولى لـ"ترامب" اندفاعات ملحوظة في دعم إسرائيل سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، ففي 8 مايو 2018، وتحت رغبة إسرائيل في تقزيم المشروع النووي الإيراني، أعلنت واشنطن انسحابها بشكل منفرد من الاتفاق النووي الإيراني الموقع في عام 2015، ومن جانبه أعاد "ترامب" حزمة العقوبات الأمريكية على المجالات الاقتصادية الإيرانية، خاصة قطاع النفط والطاقة.

ولم يكد يمر أسبوع على انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي حتى جاءت الهدية الأمريكية الأغلى لإسرائيل، ألا وهي نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس في عشية احتفالات إسرائيل بالذكرى السبعين لتأسيس الدولة في 14 مايو 2018.

وخلال بقية الولاية الأولى لترامب لم تنقطع الهدايا الأمريكية لإسرائيل، فمثلًا في 3 يناير 2020 أقدمت واشنطن على قصف موكب متحرك بجانب مطار بغداد، وتبين أن الموكب كان يخص قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، رفقة قائد ميليشيات الحشد الشعبي العراقي أبو علي المهندس.

شكلت عملية اغتيال "سليماني" في بغداد بداية عملية إضعاف الميليشيات والأذرع الإيرانية في المنطقة، خاصة "حزب الله"، والذي نجحت إسرائيل في تقويض أركانه خلال الحرب الأخيرة باغتيال أمينه العام حسن نصر الله.

وفي عام اغتيال سليماني 2020، نجح ترامب في تقريب وجهات النظر بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، والتي انتهت بالتوقيع على اتفاقيات إبراهام.

وخلال الولاية الثانية لترامب (2024 ـــ الآن)، لم يتوانَ حتى الآن في تقديم الدعم الشامل لإسرائيل، وتوج هذا الدعم اللامحدود بتمثيل ترامب للمطالب الإسرائيلية وكان الضامن لها خلال مؤتمر شرم الشيخ الماضي، مُلبّيًا جميع الطلبات الإسرائيلية في اتفاق وقف إطلاق النار.

تخوفات إسرائيلية

كرم الرئيس دونالد ترامب، تجاه إسرائيل أثار تخوفات الباحثين في المراكز البحثية الإسرائيلية حول مدى استمرارية الكرم الأمريكي في مرحلة ما بعد ترامب، والتي تبدو ملامحها مملوءة بالغيوم وسط توقعات بانحسار الدعم الأمريكي لإسرائيل بعد ترامب.

ترامب ونتنياهو 
ترامب ونتنياهو 

التخوفات الإسرائيلية لخصتها ورقة بحثية صادرة عن "معهد دراسات الأمن القومي" (INSS) تحت عنوان "The Day After Trump: How Israel Should Prepare for the Expected Turmoil"، أي "ما بعد ترامب: كيف لإسرائيل مواجهة الاضطرابات المقبلة"، وصدرت الورقة بتاريخ 6 نوفمبر 2025.

شارك في إعداد الورقة البحثية كل من تامير هيمان، مدير المعهد والرئيس السابق لجهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية "أمان"والمدير الأسبق للكليات الحربية الإسرائيلية، وأيضًا الباحث الأول بالمعهد "أفيخاي بن ساسون جورديس".

اتجاهات طويلة المدى

ترى الورقة أن هناك ثمة اتجاهات طويلة المدى قد تغير من شكل وطبيعة العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة وقد تؤثر بشكل كبير على الدعم الأمريكي لإسرائيل خلال الفترة المقبلة، ومن أبرز تلك الاتجاهات:

بروز القوى التقدمية اليسارية المتطرفة:

 ترامب مع نتنياهو بالبيت الأبيض بعد توقيع اتفاقيات أبراهام 
 ترامب مع نتنياهو بالبيت الأبيض بعد توقيع اتفاقيات أبراهام 

ترى الورقة أن ثمة تيارًا متطرفًا بدأ في التوسع داخل صفوف اليسار الأمريكي، إذ يرى هذا التيار ضرورة التكفير عن أخطاء الآباء المؤسسين للولايات المتحدة مثل العبودية وإبادة الشعوب الأصلية، ويرى هذا التيار الراديكالي أن إسرائيل رمز للاستغلال وصورة نمطية للمستعمر الأبيض، وأن الشعب الفلسطيني مضطهد ومستغل من قبل إسرائيل، مما يزيد حالة الإحباط الإسرائيلي، كما أن التيار اليساري المعتدل يمتلك صورة مشابهة تجاه إسرائيل.

تحولات اليمين المحافظ:

أبدى كاتبو الورقة البحثية الإسرائيلية إحباطهم من بعض التغييرات التي طرأت أيضًا على قوى اليمين المحافظ الأمريكي الذي ينتمي إليه الرئيس ترامب، إذ تبزغ طائفة متشددة في تيار اليمين المحافظ ترى أن إسرائيل دولة استغلالية تتلاعب بأمريكا لخوض حروبها، والتي لا تتوافق مع المصالح الأمريكية وتضعف قدراتها في المنافسة العالمية، أي أن إسرائيل عبء متزايد على أمريكا، فضلًا عن أن هناك تيارًا كبيرًا داخل اليمين المحافظ مؤمن بمعاداة السامية.

انخفاض الدعم الشعبي لإسرائيل:

استندت الورقة إلى استطلاع رأي أجراه مركز "بيو" للأبحاث في مارس 2025، والذي أكد أن 53% من العينة تحمل آراءً سلبية بخصوص إسرائيل، وفي استطلاع آخر لمركز جالوب أوضح تراجع الدعم الشعبي لإسرائيل إلى 46%، وفي استطلاع آخر أجرته جامعة ماريلاند، أوضح أن 41% من الأمريكيين يعتقدون أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة، وأوضحت الإحصائيات أن دعم الفلسطينيين ازداد ليصل إلى 33% بعد أن كان في الماضي 15%، ويتخوف واضعو الورقة البحثية من أن تلك الإحصائيات في المستقبل تُترجم إلى سياسات أقل تأييدًا لإسرائيل.

تراجع الإنجيليون البيض:

تظهر الدراسات تراجع طائفة الإنجليين البيض في الولايات المتحدة، على مستويين: مستوى تأثيرهم السياسي ومستوى تعداد سكانهم، إذ انخفضت نسبتهم إلى 14% من السكان عام 2020 بعد أن كانوا 23% عام 2006.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب  بجوار حائط المبكى
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب  بجوار حائط المبكى

ختامًا:

وضعت الورقة البحثية مسودة يمكن البناء عليها في استغلال الوضع الراهن في الولايات المتحدة وبناء مسارين يحققان المصالح الإسرائيلية، والمساران هما: إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط وتعزيز أمن إسرائيل.

يتناول المسار الأول الذي أعده رئيس الاستخبارات العسكرية وزميله النقاط التالية:

1) إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح والسيادة وخاضعة لإسرائيل.

2) مواصلة العقوبات الاقتصادية على النظام الإيراني لزعزعة استقراره.

3) التوصل إلى اتفاقية نووية مع إيران أفضل من الاتفاق النووي السابق.

4) بناء قدرات هجومية إسرائيلية–أمريكية تكون قادرة على مواجهة النظام الإيراني حال حدوث تغيرات في المستقبل.

5) إقامة نظام سياسي معتدل في سوريا قادر على السيطرة على أراضيه بما يسمح له بمنع تهديد أمن إسرائيل وتهريب السلاح.

6) عدم اتخاذ قرارات متسرعة لدفع سوريا إلى تطبيع قريب، حتى لا تؤدي تلك الخطوة إلى إسقاط الرئيس الحالي أحمد الشرع وظهور قائد متطرف آخر معادٍ لإسرائيل.

7) التوصل إلى اتفاقية أمنية أولًا مع نظام الشرع تنهي احتلال إسرائيل للأراضي السورية في مقابل حفظ أمن إسرائيل، ولعل الورقة تقصد هنا المناطق الحدودية مثل الجهة السورية من جبل الشيخ ومدينة السلام وغيرها من القرى الحدودية التي تحتلها إسرائيل منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، وليس الجولان المحتل.

8) تسريع جهود الجيش اللبناني بتفكيك حزب الله، وذلك بدعم أمريكي، وإن أدى ذلك إلى تدخل مباشر من الجيش الأمريكي.

أما المسار الثاني الذي أعدته الورقة فيتضمن النقاط التالية:

الانتقال في العلاقات مع الولايات المتحدة من الدعم إلى الشراكة، وبالتالي ضمان استمرارية الدعم الأمريكي، بمعنى آخر، الانتقال من وضع إسرائيل كـ"دولة مدعومة" إلى "شريك استراتيجي".

ترى الورقة أن الحوسبة الكمّوية والذكاء الاصطناعي سيغيران مسارات الحياة في المستقبل القريب، وعليه يجب إقامة برنامج بحثي مشترك مع الولايات المتحدة حول نقل التكنولوجيا العميقة (DeepTech) إلى إسرائيل، ويمكن تحقيق ذلك من إعلان رئاسي أمريكي يقضي بدخول الشركات الناشئة الإسرائيلية في مجالات الحوسبة الكمّوية الأمريكية.

انضمام إسرائيل إلى تحالف "العيون الخمس" الاستخباري، والذي يضم أمريكا وبريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا، والذي يوفر لإسرائيل في حال الانضمام إليه إنشاء نظام قوي للإنذار المبكر ويعزز القدرات الاستخباراتية الإسرائيلية.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء