تقدير موقف| خطة "ماتي": إعادة صياغة للنفوذ الإيطالي في القرن الإفريقي
نشر معهد الدراسات الأمنية تقريرًا يحلل فيه الاستراتيجية الإيطالية للتواجد في القرن الإفريقي، بقلم الباحث المتخصص "تاديس سيمي" والباحث "سارون هيربا أبو"، وقد قيَّم الباحثان الاستراتيجية الإيطالية للقرن الإفريقي، وإمكانية استعادة الدور الرائد لإيطاليا في منطقة استراتيجية، عبر تحليل خطة "ماتي" التي أعلنتها إيطاليا، وقد توصَّل الباحثان إلى أن الاعتراف بالإرث الاستعماري والمأساوي الذي ارتكبته الفاشية الإيطالية أثناء الاحتلال الإيطالي لبعض المستعمرات في القرن الإفريقي مثل إثيوبيا وإريتريا والصومال الإيطالي لا بد وأن يُعالج، كما أنه من الأفضل أن تسمح إيطاليا بسريان مبادئ العدالة الانتقالية، وذلك كخطوة أولى على طريق العودة إلى القرن الإفريقي، وذلك على النحو الآتي:
أولاً: الإرث التاريخي الاستعماري
بدأ الغزو الإيطالي في دول القرن الإفريقي في أواخر القرن التاسع عشر (1882-1941)، حيث احتلت إيطاليا أجزاء من المنطقة بدءًا من عام 1889 بالسيطرة على إريتريا، ثم وسَّعت سيطرتها لتشمل الصومال، وبدأت في عام 1935 هجومًا على إثيوبيا، وانتهى بهزيمتها في عام 1936. وقد رافق الغزو الإيطالي الفاشي لإثيوبيا عامي 1935 و1936، وما تلاه من احتلال، فظائع عديدة مثل استخدام غاز الخردل، وقصف مستشفيات الصليب الأحمر وسيارات الإسعاف، وإعدام الأسرى دون محاكمة، ومذبحة "غراتسياني"، ومجازر "دير دابرا ليبانوس"، كما وصل الأمر إلى إطلاق النار على "مشعوذين" بسبب تنبؤهم بنهاية الحكم الفاشي. وتذكر بعض المصادر أن هزيمة القوات الإيطالية في معركة "العدوة" عام 1896، والتي جاءت على يد الإمبراطور الإثيوبي "منليك الثاني"، قد أسفرت عن مقتل ما يتراوح بين (19 إلى 30 ألف) شخص في "أديس أبابا". شأنها شأن المستعمرين لأفريقيا، فبعد سقوط الفاشية عام 1943 وتوقيع اتفاقيات "باريس للسلام" مع الحلفاء، انسحبت إيطاليا من المنطقة التي استعمرتها دون أي محاسبة على الجرائم التي ارتكبها النظام الفاشي، وهو ما ترك إرثًا استعماريًا لم يتغاضَ الأفارقة عنه. وتذكر بعض المصادر أن الرئيس "أسياس أفورقي" خلال لقائه برئيسة الوزراء الإيطالية قد ذكرها بضرورة فتح أرشيفات التاريخ الاستعماري والاعتراف بأن حوالي 150 ألف إريتري قد خدموا ضمن الجيش الاستعماري الإيطالي خلال الحرب العالمية الثانية.

ثانيًا: خطة "ماتي" (Mattei Plan) وتوسيع النفوذ
تسعى إيطاليا إلى تعزيز وجودها على الساحة الدولية عبر جعلها نقطة وصول بين القارة الإفريقية والأوروبية، من خلال مشاريع الطاقة الواصلة بين إفريقيا وداخل الاتحاد الأوروبي، فضلًا عن إحكام السيطرة على قضية اللاجئين غير الشرعيين. وبناءً عليه، أعلن وزير الداخلية "ماتيو بيانتيدوزي" أن بلاده تسعى حاليًا إلى إنشاء بنية تحتية أمنية قوية في القارة الإفريقية، وضخ استثمارات لبناء القدرات في قطاع الأمن السيبراني، وهو ما يتسق مع "خطة ماتي" و"عملية روما" التي ترى أن تنمية القارة الإفريقية تشكل محددًا حاسمًا لمنع تدفقات الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا.
والواقع أن "خطة ماتي" لم تكن طرحًا حديثًا، إذ تُعد إعادة صياغة لخطة "روما" المعلنة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، بهدف تأمين موارد الطاقة لإيطاليا وتوسيع الشراكة مع الدول الإفريقية. وقد استمدت الخطة اسمها "ماتي" من "إنريكو ماتي" مؤسس شركة "إيني"، الذي دعا في خمسينيات القرن الماضي إلى تعزيز التعاون بين روما والقارة الإفريقية.
في الواقع، جاءت تحركات إيطاليا لإعادة التموضع في إفريقيا تدريجيًا بالنفس التدرج الذي أنتجته إيطاليا الاستعمارية، حيث تفرض الجغرافيا السياسية شروطها. وقد ازداد اهتمام إيطاليا بالشمال الإفريقي – خاصة بعد الحرب الروسية الأوكرانية – ومن ثم شهدنا تعزيز العلاقات مع دول مثل ليبيا والجزائر وتونس. فعلى سبيل المثال، أصبحت الجزائر مسئولة عن توريد 40% من الغاز إلى إيطاليا، كما وُقِّعت مذكرات تفاهم واتفاقيات مع مصر وتونس في مجالات الزراعة والصحة والتعليم.
ويبدو أن البراجماتية قد فرضت نفسها على الموقف الإيطالي في ليبيا، إذ تفضل روما دعم حكومة غرب ليبيا، والدعم المرتبط باتفاقيات الغاز والعلاقات الاقتصادية. لكن ملف الهجرة غير الشرعية يبدو أنه قد فرض نفسه أيضًا، إذ استضافت إيطاليا قائد الجيش الوطني "خليفة حفتر" لتنسيق ملف الهجرة غير الشرعية.

ثالثًا: خطة "ماتي" (Mattei Plan) والتعاطي مع القرن الإفريقي
في يناير 2025، أعلنت رئيسة الوزراء "جورجيا ميلوني" عن توسيع الخطة لتشمل دولًا أخرى في أنحاء القارة مثل أنغولا وغانا وتنزانيا وموريتانيا والنيجر والسنغال، وذلك إلى جانب الدول الأولى المعلنة من قبل، والملاحظ وجود دول القرن الإفريقي ضمن هذه الدول. وفي يونيو 2024، تم الإعلان عن مناقشة تمويل مشاريع البنية التحتية في إثيوبيا مع الشركة الإيطالية "We Bilut"، مثل مشروع سد النهضة وإنشاء "سد كيوشا". كما أرسلت الحكومة الإيطالية وفدًا رفيع المستوى إلى إريتريا برئاسة وزير الأعمال والصناعة الإيطالي "أدولفو أورسو". وفي يوليو الماضي تم توقيع إعلان مشترك للتعاون الثنائي (الإثيوبي – الإيطالي) في مجال الأمن الغذائي والزراعة المستدامة.
أما فيما يتعلق بالصومال، فقد جاء التعاون مع حكومة "مقديشو" على أساس دعم الجيش الوطني الصومالي عبر التدريب والتسليح في إطار عمليات مكافحة الإرهاب ضد حركة "الشباب" الصومالية ومكافحة عمليات القرصنة. ففي مايو الماضي التقى رئيس أركان الدفاع الإيطالي الفريق "لوتشيانو بورتولانو" كبار المسؤولين العسكريين الصوماليين.
رابعًا: تحديات خطة "ماتي" (Mattei Plan)
وفي إطار تقييم خطة ماتي، أشار معدّا التقرير إلى أهميتها كخطوة في الطريق الصحيح لإعادة النفوذ الإيطالي في مناطق تعدها حيوية وتمس أمنها القومي. لكن الباحثين أشارا أيضًا إلى ضرورة مراعاة عدة اعتبارات، منها الاعتراف بالجرائم التي ارتُكبت أثناء الغزو الإيطالي للمستعمرات في القرن الإفريقي، وضرورة اتخاذ خطوات لتحقيق عدالة انتقالية وتعويض الضحايا والاعتراف بارتكاب الخطأ.
كانت إثيوبيا قد عرضت تشكيل محكمة لمعاقبة الإيطاليين المتورطين في جرائم توسيع الاستيطان الإيطالي، لكن تم رفض طلبها. وبالتالي، يُعد تقديم اعتذار رسمي عن الجرائم المرتكبة أمرًا ضروريًا، خاصة وأن فكرة تقديم التعويضات والاعتذار قد طرحها رئيس الوزراء "بيرلسكوني" لليبيا عام 2008 متعهدًا بدفع تعويضات.
والواقع أن الباحثين كشفا عن الازدواجية في السياسة الإيطالية، فبالنسبة لدول القرن الإفريقي لم تُتخذ قرارات ملزمة لتنفيذها، وربما شهدنا بعض التصريحات دون بذل جهد حقيقي.
وعلى الرغم من واقعية طرح الباحثين لاعتبارات الإرث التاريخي ودورها في تعزيز مكانة إيطاليا في منطقة حساسة مثل القرن الإفريقي، إلا أن الخطة نفسها قد تواجه تحديات أكبر. إذ ذكر بعض الباحثين أن احتمالية تركيز الخطة على جانب الاستثمار لا التنمية، والاعتماد على القطاع الخاص والبنوك والشركات الخاصة، والابتعاد عن المؤسسات التنموية، يُعد تحديًا أيضًا. كما أن مجالات الاستثمار نفسها تشمل قطاعات الطاقة والمعادن في جزئها الأكبر، وتولي إيطاليا أهمية خاصة لفكرة مواجهة الهجرة غير الشرعية.
هذه التحديات يمكن أن تجعل مصير "خطة ماتي" كمصير الخطة الألمانية التي أعدتها برلين للتوجه نحو إفريقيا لكنها لم تحقق النجاح الكامل. وعلى أي حال، يُعتبر الاعتراف بارتكاب الجرائم خطوة في المسار الصحيح، لكن مشاركة القادة الأفارقة في رؤية متوافقة ضرورية، والاهتمام بالأبعاد التنموية والإنسانية أساسي لإعادة بناء الثقة بين إيطاليا والدول الإفريقية المستهدفة، وبما يصب في صالح الطرفين.



