رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الصين تدخل سماء القوقاز: كيف غيّر "الدرع الأذربيجاني" موازين القوة؟

منظومة الدفاع الجوي
منظومة الدفاع الجوي HQ-9B الصينية

في تطور لافت، ظهرت منظومة دفاعية جوية صينية لأول مرة في عرض عسكري لأذربيجان، وذكرت منصة "Militarnyi" المتخصصة في الشؤون الدفاعية، أن أذربيجان عرضت علنًا للمرة الأولى منظومة الدفاع الصينية بعيدة المدى "FD-2000B" وهي النسخة المصدّرة من منظومة "HQ-9B"، وذلك في الوقت الذي تتغير فيه خرائط النفوذ العسكري في جنوب القوقاز مع تراجع الدور الروسي واندماج الصين المتزايد في المشهد الأمني.

ووفق المنصة المتخصصة في الشؤون الدفاعية، فقد أظهر مقطع فيديو منظومة "FD-2000B" – وهي النسخة التصديرية من المنظومة الصينية "HQ-9B" – إلى جانب أنظمة أخرى شوهدت أثناء التحضيرات للعرض العسكري، من بينها منظومة الدفاع الجوي الروسية "Tor-M2E" قصيرة المدى.

وتأتي هذه الخطوة في الوقت الذي تظهر فيه أذربيجان اهتمامًا بالأنظمة الصينية ومساعي "باكو" لبناء شبكة دفاع جوي متعددة الطبقات لتحديث قدراتها الدفاعية وتنويع مصادر التسليح، وبالتالي فإن ظهور منظومة الدفاع الجوي الصينية بشكل علني يشير إلى احتمال تعميق التعاون العسكري التقني مع الصين، أو على الأقل إلى تنويع مصادر التسليح الدفاعي في مجال الدفاع الجوي.

<strong>منظومة الدفاع الجوي HQ-9B الصينية</strong>
منظومة الدفاع الجوي HQ-9B الصينية

أولًا.. دوافع تعاون أذربيجان مع الصين

يأتي تعاون أذربيجان الدفاعي مع الصين لعدة دوافع، على رأسها تنويع التسليح وتقليل الاعتماد بشكل كامل على الشركاء التقليديين مثل "إسرائيل وتركيا وباكستان وروسيا"، حيث تعتمد عليهم أذربيجان في التسليح بشكل كبير، خاصة فيما يتعلق بالطائرات المسيّرة، والصواريخ الباليستية بعيدة المدى، وأنظمة إطلاق الصواريخ ومنظومات الدفاع الجوي التقليدية مثل المنظومات الروسية "S-300"، ولذلك تسعى باكو إلى مصادر جديدة للاعتماد عليها في التسليح، واعتبار الصين طرفًا مؤثرًا في هذا الجانب.

ورغم أن أذربيجان تعتمد بشكل أساسي في التسليح على "إسرائيل وتركيا وروسيا"، إلا أنها اتجهت مؤخرًا إلى عقد صفقات مع دول جديدة مثل باكستان، حيث كشفت تقارير عن عقد "باكو" صفقة مع "إسلام آباد" واستلمت بموجبها دفعات من الطائرات المقاتلة متعددة المهام من طراز "JF-17C Block III Thunder" كجزء من شراكة دفاعية أوسع، ما يشير إلى الاهتمام اللافت من جانب أذربيجان بتنويع مصادر السلاح وبناء شبكة توريد متعددة المسارات.

القوات العسكرية الأذربيجانية 
القوات العسكرية الأذربيجانية 

وتأتي خطوة الحصول على منظومة الدفاع الجوي الصينية بعيدة المدى لتظهر مدى رغبة أذربيجان في توسيع شراكتها مع الصين لتشمل الجوانب الأمنية، خاصة في ظل التعاون في جوانب أخرى اقتصادية، فضلًا عن التعاون بين "بكين" و"باكو" في مبادرة "الحزام والطريق" في ظل اهتمام الصين بممرات الطاقة عبر بحر قزوين مرورًا بأذربيجان، ما يؤشر على أن هذه الخطوة في التعاون الدفاعي تكمل المسار الاقتصادي والاستراتيجي.

ووفق المنصات المتخصصة في الشؤون الدفاعية، فإن تعزيز دفاعات أذربيجان بالمنظومة الصينية قد يكون خطوة تكاملية لدرع أذربيجان الدفاعي، حيث إن الدفاع الجوي الأذربيجاني يتألف من عدة أنواع من الأنظمة تشمل نظام "Tor-M2E" الروسي ونظام "S-300"، بالإضافة إلى نظام "Barak MX" الإسرائيلي "Barak-8"، ومن شأن إضافة النظام الصيني أن تزيد بشكل كبير من مرونة الدفاع الجوي متعدد المستويات في البلاد.

<strong>منظومة الدفاع الجوي الأذربيجاني </strong>
منظومة الدفاع الجوي الأذربيجاني 

كما أن أذربيجان حاولت الاستفادة من الميزة التي تمنحها الصين في تصديرها للأسلحة، حيث إنها تتسم بالمرونة، فوفق تقارير متخصصة في صادرات الأسلحة على المستوى العالمي فإن السياسة الصينية اتسمت بمرونة كبيرة في اختيار العملاء، حيث باعت أسلحة لدول لا تربطها بها علاقات دبلوماسية، إضافة إلى غياب الاشتراطات السياسية الصينية مقارنة بالغرب، ما يعني أن أذربيجان قد لا تواجه قيودًا من جانب الصين في الأسلحة التي تحتاجها لتعزيز ترسانتها العسكرية.

كيف تستفيد أذربيجان من المنظومة الجديدة

تشير تقارير متخصصة في نظم التسليح إلى أن نظام "HQ-9BE" يوفر قدرة اعتراض بعيدة المدى، مما يعزز تغطيته الدفاعية فوق باكو، وساحل بحر قزوين، والبنية التحتية الاستراتيجية للطاقة، كما أن المنظومة الصينية الجديدة ستُنشئ التكامل مع نظامي "Buk-MB" و"Tor-M2KM" الحاليين، ما سيشكل بنيةً متكاملة الطبقات قادرة على مواجهة التهديدات عبر نطاقات ارتفاع ومسافات مختلفة.

كما أن المنظومة الجديدة تتيح القدرة على التعامل مع الأهداف المتعددة والدفاع المتزامن ضد الطائرات والطائرات بدون طيار والصواريخ، كما تعزز حزمة الإجراءات المضادة الإلكترونية الأداء في بيئات الحرب الإلكترونية، إضافة إلى أن مدى نظام "HQ-9BE" وتغطية ارتفاعه يتجاوزان نطاق معظم الأنظمة الإقليمية، مما قد يحل محل عناصر "S-300" القديمة مع الحفاظ على التوافق التشغيلي مع مراكز القيادة القديمة، وهي المميزات التي تجعل أذربيجان متقدمة بشكل كبير في المجال الدفاعي.

<strong>منظومة الدفاع الجوي الأذربيجاني </strong>
منظومة الدفاع الجوي الأذربيجاني 

وتمثل المنظومة الصينية أيضًا حدى منظومات الدفاع الجوي الموثوقة وطويلة المدى، ما يقلل الاعتماد على الموردين التقليديين، خاصة في ظل المميزات التي تشملها المنظومة والمتأثرة بنظم متعددة، حيث إن نظام "HQ-9BE" يجمع بين تقنيات الرادار والتوجيه الصينية وعناصر تصميمية متأثرة في الأصل بكل من نظام "S-300" الروسي وصاروخ "باتريوت" الأمريكي، كل هذه المميزات تمنح أذربيجان تفوقًا نوعيًا في التسليح الدفاعي على دول الجوار، ما يعزز وضع باكو في المعادلة الأمنية الإقليمية.

التوازنات العسكرية في جنوب القوقاز

تُعتبر أذربيجان أول دولة في جنوب القوقاز تحصل على المنظومات الدفاعية الجوية الصينية، وهي الخطوة التي سيكون لها تأثير على التوازن الدفاعي الجوي بين "باكو" ودول الجوار، وهو ما يعزز موقفها الدفاعي ويمنحها القدرة على فرض واقع ميداني مستقر، خاصة بعد المكاسب التي حققتها في "كاراباخ"، وفي الوقت الذي تبدو فيه أرمينيا غير قادرة على مسايرة أذربيجان في سباق التسلح.

ورغم مؤشرات الهدوء بين أرمينيا وأذربيجان، إلا أن التعزيزات العسكرية المتسارعة لأذربيجان قد تُنظر إليها أرمينيا باعتبارها تهديدًا مباشرًا، وهو ما سيدفعها إلى مسايرة هذه الإجراءات واتخاذ خطوات مضادة للحفاظ على أمنها وعلى موازين القوى أيضًا، وهو ما سيؤدي إلى حالة من العسكرة في المنطقة، ما سيدفع "يريفان" في المقابل إلى زيادة الإنفاق الدفاعي وتعزيز التحالفات، خاصة إذا كانت تشعر بتزايد التهديدات واعتبار أن تعزيز الدفاعات هو مؤشر عدائي ينبغي الاستعداد له.

وتعزز إحصاءات الإنفاق العسكري والدفاعي لأرمينيا فرضية سباق التسلح في المنطقة، حيث أنفقت أرمينيا قدرًا كبيرًا من الموارد المالية على الاحتياجات العسكرية، فعلى سبيل المثال، في عام 2021، خصصت "يريفان" حوالي 600 مليون دولار من ميزانية الدولة للأغراض العسكرية، وفي عام 2022، زادت البلاد الإنفاق العسكري بأكثر من 10٪، ليصل إلى 750 مليون دولار، لتصل إلى حوالي 1.37 مليار دولار في عام 2024، في ظل توقعات بأن يزيد الإنفاق الدفاعي الأرميني بنسبة 81٪، وهو ما يمثل أكثر من 17٪ من إجمالي ميزانية الدولة.

ختامًا:

يمكن القول إن ظهور منظومة الدفاع الجوي الصينية بشكل علني في العرض العسكري لأذربيجان يؤشر إلى مساعي "باكو" لتحقيق الردع طويل المدى من خلال بناء منظومة دفاعية متعددة الطبقات عبر دمج إمكانات متعددة لعدد من المنظومات التي تعتمد عليها، وهو ما يمنحها القدرة على مواجهة التهديدات الجوية المتعددة، ويعزز موقعها في المنظومة الأمنية الإقليمية، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام سباق تسلح قد يترتب عليه إعادة تشكيل التحالفات، خاصة بعد تراجع الدور الروسي في المنطقة عقب حرب أوكرانيا.

محمد شعت*

كاتب وباحث في الشؤون الإقليمية والدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء