التمويل الحزبي في إسرائيل: سلاح تشريعي على المقاس لضمان بقاء نتنياهو
يسارع رئيس الوزراء الإسرائيلي وحزبه الليكود الزمن من أجل الإعداد والتجهيز لانتخابات الكنيست المقبلة في عام 2026، إذ يرغب نتنياهو في مواصلة احتفاظه بمنصب رئاسة الحكومة للفترة الثانية على التوالي، ولأجل تلك الغاية اتخذ العديد من السياسات التي من شأنها إعادة ترتيب المشهد الحزبي والائتلافي في الداخل الإسرائيلي.
ضربة مزدوجة
لطالما شكّل يولي إدلشتاين، عضو الليكود والرئيس السابق للجنة الأمن القومي والعلاقات الخارجية في الكنيست، أبرز معارضي نتنياهو في الائتلاف الحاكم وحزبه الليكود، ويوجد تنافس محموم بينهما لأجل قيادة الليكود. ولا يخفى على أحد تطلعات إدلشتاين لتولي رئاسة الحكومة والليكود وإزاحة نتنياهو من سدة الحكم والمشهد السياسي.
استغل نتنياهو أزمة موافقة إدلشتاين على قانون فرض السيادة على الضفة الغربية، متهمًا إياه بمعارضة توجهات حزب الليكود وعدم انضباطه حزبيًا، لأجل إقالته من أهم لجنة في الكنيست وإسكاته سياسياً خلال الفترة المقبلة.

كما نعلم أن إقالة إدلشتاين في الحقيقة كانت بسبب مواقفه من قانون تجنيد الحريديم، وأن إقالته جاءت لترضية حلفاء نتنياهو من الأحزاب الحريدية مثل حزبي "شاس" و"يهدوت هتوراه" اللذين يمتلكان 18 مقعدًا في الكنيست، وأنه في حال تمرير مشروع القانون الموافق عليه من إدلشتاين سيؤدي ذلك إلى انهيار الائتلاف الحاكم بعد انسحاب الأحزاب الحريدية منه.
لذا يُعد إبعاد إدلشتاين بمثابة ضربة مزدوجة من نتنياهو، إذ تمكن من إبعاد أقرب خصومه داخل الليكود، فضلاً عن احتفاظه بتماسك الائتلاف الحاكم وضمان استمرار قوى الحريديم إلى جانبه في الانتخابات المقبلة.
إبعاد نفتالي بينيت
يُشكّل رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت مشروعًا سياسيًا لقوى اليمين المتطرف يمكن طرحه في مواجهة سطوة وسيطرة نتنياهو على المشهد السياسي، فضلاً عن كونه يتمتع بعلاقات قوية مع كلٍّ من قوى اليمين المتطرف وقوى المعارضة الليبرالية والعلمانية.
ولأجل وأد تجربة "بينيت" تمامًا، صادقت اللجنة الوزارية المعنية بشؤون التشريع في 26 أكتوبر الماضي على مشروع مقدم من النائب عن حزب الليكود "أفيخاي بوارون" يقضي بالآتي: عدم السماح للسياسيين بتأسيس أحزاب جديدة قبل تسديد ديون أحزابهم القديمة والسابقة.
ينص مشروع القانون على أن من يشغل منصب رئيس حزب جديد وترشح في الانتخابات، وكان في السابق يشغل منصب رئيس حزب آخر مثقل بالديون، فإن الأموال التي سيتلقاها الحزب الجديد ستؤول أولًا لتسديد ديون الحزب القديم، وللتغاضي عن ديون الحزب القديم يُشترط مرور 7 سنوات فاصلة بين تأسيس الحزب الجديد وإنهاء العلاقة مع الحزب القديم.
هذا القانون فُصِّل خصيصًا من أجل إبعاد نفتالي بينيت عن المشهد الانتخابي القادم، إذ إن حزبه السابق "يمينا" تفكك مثقلًا بديون قدرها 20 مليون شيكل، وهو ما اعتبره بينيت أن القانون موجَّه لشخصه السياسي من أجل منعه من الترشح في الانتخابات المقبلة.

تمويل الأحزاب السياسية في إسرائيل
معظم الأحزاب السياسية الإسرائيلية في مرحلة ما بعد سيطرة حزب العمل على المشهد السياسي تأسست على أساس طابع شخصي، مثل قيام شخص ما بإنشاء حزب سياسي يتولى إدارته، مثل حزب "إسرائيل بيتنا" الذي أسسه أفيجدور ليبرمان.
لذلك تندر إيرادات الأحزاب الإسرائيلية الواردة من اشتراكات أعضائها، الأمر الذي يدفعها إلى الاعتماد بشكل كامل وكبير على الإعانات الحكومية. ففي عام 1969 بدأت عملية التمويل السياسي للأحزاب الإسرائيلية، وهو الأمر الذي وصل في النهاية إلى أن 85% من نفقات الأحزاب الروتينية والحملات الانتخابية تأتي مباشرة من الإعانة الحكومية، فيما تبلغ قيمة رسوم العضوية حوالي 8% فقط من إجمالي الإيرادات.
وينظم "قانون الأساس" الصادر في عام 1992 مسألة تمويل الأحزاب السياسية ومدة الحملات الانتخابية التي لا تتجاوز 30 يومًا، وكذلك دور المراقب العام الذي يتولى التدقيق في الإنفاق على الأحزاب والحملات الانتخابية.

ويتسع دور مراقب الدولة ليشمل مراقبة جميع الحسابات ذات الصلة بالأحزاب والحملات والمرشحين في انتخابات الكنيست والانتخابات المحلية، وأيضًا المرشحين في الانتخابات التمهيدية للأحزاب. كما يفحص المراقب سبل إدارة الأحزاب لأموالها وكيفية تصرف الكتل الانتخابية بالأموال خلال الحملات الانتخابية.
وتُشكَّل لجنة برئاسة قاضٍ تتولى تحديد حجم تمويل كل حزب بناءً على عدة معايير، أبرزها عدد المقاعد التي فاز بها في الانتخابات السابقة وعدد المقاعد التي فاز بها في الانتخابات اللاحقة، ولا يتم تخصيص التمويل الكامل إلا بعد الانتخابات، أي إن الأحزاب تعتمد في البداية على التبرعات والقروض في حملاتها الانتخابية قبل استلام حصتها الكاملة من التمويل في ضوء نتائج الانتخابات والمقاعد التي حصلت عليها.
نفتالي بينيت وزيادة حجم التمويل الانتخابي
خلال فترة رئاسته للوزراء في عام 2022 سعى رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت إلى زيادة حجم الأموال المخصصة للحملات السياسية للأحزاب إلى 30 مليون شيكل، وبعد إقرار القانون الذي حظي بموافقة جميع الأطراف، سلم نفتالي بينيت مشروع القانون إلى رئيس الوزراء المؤقت وقتها يائير لابيد، الذي أدار مرحلة الانتخابات السابقة في عام 2022.
وختامًا:
يسعى الليكود إلى منع تكرار تجربة الانقسام السياسي التي شهدتها البلاد خلال الفترة من عام 2019 إلى عام 2022، والتي تحول خلالها إلى صفوف المعارضة السياسية، لذا يسعى بكل ما يمتلكه من أدوات تشريعية إلى إقصاء المنافسين وإفراغ الساحة السياسية أمام زعيمه نتنياهو لأجل السيطرة التامة على الحكومة المقبلة.



