رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الميليشيات الناشئة في غزة.. معضلة إضافية أمام القوة الدولية

 عناصر المقاومة المسلحة
عناصر المقاومة المسلحة في غزة

تسارع واشنطن حاليًا الوقت من أجل إنشاء القوة الدولية المنوط بها إدارة ملف الأمن ونزع سلاح حركات المقاومة في قطاع غزة، إذ تواصل المشاورات مع حلفائها الدوليين مثل باكستان وسنغافورة وإندونيسيا من أجل المشاركة بالعتاد والجنود في تلك القوة، هذا بالإضافة إلى تمويل مصروفاتها المتوقعة.

تتواتر الأخبار حاليًا عن اقتراب تشكيل تلك القوة، خاصة في ظل إحجام واشنطن عن المشاركة الفعلية والاكتفاء بالإشراف عليها من مركز التنسيق التابع لها في مدينة كريات جات جنوبي تل أبيب.

ومع الاقتراب من تشكيل تلك القوة، برزت إلى الساحة السياسية الإقليمية والدولية العديد من الخلافات حول طبيعة تلك القوة والمهام المنوط بها فعليًا، وأي أدوار ستمارسها خلال الفترة المقبلة، والأهم من ذلك ما المرجعية القانونية التي ستؤول إليها تلك القوة المزمع إنشاؤها، وما موقف الدول العربية والإسلامية، وأيضًا الموقف الإسرائيلي من تشكيل تلك القوة.

ترامب أمام حائط المبكى - أرشيفية
ترامب أمام حائط المبكى - أرشيفية

أولًا: المرجعية القانونية

يسود غموض حاليًا حول المرجعية القانونية والسياسية التي ستؤول إليها تلك القوة، هذا بالإضافة إلى غياب التوقيت الزمني لتلك القوة، فليس من المعروف حاليًا ما المدة التي ستقضيها تلك القوة في قطاع غزة؟.

أما بالنسبة للموقف القانوني، فالعديد من الدول العربية ترى ضرورة تشكيل تلك القوة وفق الفصلين السادس والسابع من ميثاق الأمم المتحدة، أي أن تلك القوة تعد قوة أممية مرتبطة بقوانين وأحكام الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، وأن صلاحيات تلك القوة تكون مستمدة من الفصلين السادس والسابع من ميثاق الأمم المتحدة، وبالتالي تحركات تلك القوة على الأرض تكون مرتبة قانونيًا، الأمر الذي قد يقلل أية انحرافات مستقبلية في أدوار تلك القوة، وتلك الرؤية تؤيدها أيضًا حركة حماس.

وفي المقابل لا تتحمس كل من إسرائيل والولايات المتحدة إلى تفويض الأمم المتحدة في تشكيل تلك القوة، إذ ترى الدولتان اقتصار دور مجلس الأمن على الموافقة فقط على نشر تلك القوة والإشراف عليها دون التدخل في أعمالها.

المقاومة المسلحة في غزة -أرشيفية
المقاومة المسلحة في غزة -أرشيفية

ولعل عدم التحمس الإسرائيلي الأمريكي لتلك القوة يعود إلى طبيعة منطقة الصراع واحتمالية تجدد الصراع في أي وقت، فخلال أقل من شهر على التوقيع على اتفاقية وقف إطلاق النار تم خرق الاتفاق أكثر من مرة، ولعل أبرزها يوم 19 أكتوبر حين قصفت تل أبيب مناطق جنوب قطاع غزة، مما أدى إلى مقتل 15 مواطنًا من قطاع غزة.

قلق عربي مشترك

يسود قلق عربي حاليًا حول طبيعة تلك القوة وأدوارها، فوفقًا لخطة ترامب ستقوم تلك القوة بدورين: أولهما الدور الشرطي المنوط به ضبط الأمن ومساعدة اللجنة المنوط بها إدارة القطاع ومراقبة الحدود ومنع تهريب السلاح، أما الدور الثاني، وهو الأهم ومصدر القلق للدول العربية والإسلامية، فهو نزع سلاح حركة حماس وتفكيك قوى المقاومة الفلسطينية المحسوبة على تيار الإسلام السياسي.

قياداتا حماس في مفاوضات شرم الشيخ 
قياداتا حماس في مفاوضات شرم الشيخ 

قد يؤدي قيام تلك القوة بنزع سلاح حماس وباقي الجماعات الأخرى إلى إحداث توترات بينها وبين تلك الحركة، الأمر الذي قد يؤدي إلى اشتباكات قتالية بين القوة ومسلحي تلك الحركات، وهو ما تخشاه العديد من الدول العربية والإسلامية، التي إلى هذه اللحظة لم تعلن أية دولة منها بشكل رسمي المشاركة في تلك القوة.

ثانيًا ـ قبول على مضض

مما يزيد القلق هو عدم تحمس واشنطن لإشراك المكون الفلسطيني في تشكيل تلك القوة، خاصة قوات الشرطة التي تشرف عليها السلطة الوطنية الفلسطينية في رام الله، إلا أن طبيعة الموقف في غزة دفعت واشنطن على مضض، وفقًا لموقع "أكسيوس"، إلى صياغة خطة من شأنها تشكيل قوة شرطية فلسطينية بمعاونة قوة دولية، وستتولى كل من مصر والأردن والولايات المتحدة مسئولية تدريب تلك القوة، بالإضافة إلى دعم دول أخرى مثل فرنسا وبريطانيا.

ثالثًا ـ الدول المشاركة

إلى هذه اللحظة الراهنة، لم تعلن أية دولة بشكل رسمي نيتها واستعدادها المشاركة في القوة الدولية، سوى بريطانيا التي تتحمس ليكون لها دور مستقبلي في القضية الفلسطينية والمشاركة في القوة الدولية، بل طرحت سابقًا تطبيق تجربتها السابقة في نزع سلاح الجيش الجمهوري الأيرلندي في نزع سلاح حركة حماس بقطاع غزة.

فيما ترجح العديد من المصادر الإعلامية احتمالية مشاركة كل من مصر وإندونيسيا وأذربيجان وتركيا في تلك القوة، إلا أن مشاركة الأخيرة تتحفظ عليها إسرائيل، التي لا ترغب في وجود عسكري تركي في محيطها الجنوبي.

لكن من المحتمل أن تمارس واشنطن أدوارًا ضاغطة على الجانب الإسرائيلي للموافقة على المشاركة التركية، لسببين: أولهما أن أنقرة كانت ضمن الدول الضامنة لاتفاق غزة، وثانيهما أنها تمتلك صلات وعلاقات قوية بقيادات حركة حماس، الأمر الذي قد يمكنها من فرض ضغوط على قيادات الحركة من أجل تسليم سلاحها.

ومؤخرًا طلبت الإدارة الأمريكية من سنغافورة مشاركة ضباط سنغافوريين في القوة الدولية، ولا يزال الأمر قيد الدراسة.

مجموعة حسام الأسطل
مجموعة حسام الأسطل

رابعًا ـ تحديات راهنة

يواجه تشكيل قوة دولية وشرطية فلسطينية في قطاع غزة عددًا من التحديات الأمنية والسياسية، أبرزها على الإطلاق:

حفظ سلام أم فرض السلام:

طبقًا لخطة واشنطن التي أقرها ترامب، فإن مهام تلك القوة ستكون فرض السلام وليس حفظه، الأمر الذي سيؤدي إلى أن تكون لتلك القوة أدوار عملياتية على الأرض في مواجهة حركة حماس، وهو ما تخشاه العديد من الدول وتتحفظ على المشاركة في تلك القوة.

تضارب خلفيات تلك الدول للصراع:

الدول المزمع مشاركتها في القوة تأتي من رؤى وخلفيات متباينة للصراع، بعضها مؤيد لحركة حماس وداعم لها مثل الموقف التركي، والبعض متحفظ على سياسات حركة حماس ورافض للعدوان الإسرائيلي مثل الموقف المصري، والبعض الآخر مؤيد للتحركات الإسرائيلية ومناهض لحركة حماس مثل الموقفين الأمريكي والبريطاني، وهذه التباينات قد تلقي بظلال جسيمة على أدوار تلك القوة وتحركاتها على الأرض، فمثلًا قد تندفع العناصر المؤيدة لإسرائيل لتنفيذ سياسات أكثر عدوانية تجاه حماس ومقاتليها، في الوقت الذي ترفضه بقية القوات غير المؤيدة لإسرائيل، سواء المؤيدة لحماس أو المتحفظة على بعض سياسات الحركة.

الموقف من الخط الأصفر:

منذ وقف إطلاق النار انسحبت إسرائيل جزئيًا من قطاع غزة وأبقت على احتلال 53% من مساحة القطاع، راسمة خطًا أصفر حدوديًا بينها وبين حركة حماس، لذا من المحتمل أن يكون هذا الخط عائقًا أمام القوة المزمع إنشاؤها، فهل سيكون هناك حرية لتلك القوة في التحرك عملياتيًا داخل الخط الأصفر، وتحديدًا في المنطقة المسيطر عليها من قبل الجيش الإسرائيلي؟ فعلى سبيل المثال، لو فرت إحدى الميليشيات أو الجماعات المؤيدة لإسرائيل من مناطق الجنوب متخطية الخط الأصفر لتكون تحت حماية الجيش الإسرائيلي، فهل يحق للقوة الدولية ملاحقة تلك الجماعات؟

الميليشيات الناشئة في قطاع غزة:

منذ وقف إطلاق النار في القطاع برزت إلى الواجهة العديد من الميليشيات والجماعات المناهضة لحركة حماس، مثل ميليشيات أبو شباب وحسام الأسطل وغيرها من الجماعات العائلية المسلحة مثل عائلة دغمش، ودخلت تلك الجماعات في سلسلة عمليات قتالية ضد حركة حماس خلال الأسبوعين الماضيين.

وبشكل غير مباشر، تحظى تلك الجماعات بدعم إسرائيلي واسع النطاق بهدف القضاء على حركة حماس وإشغالها بحروب داخلية، وهو ما قد يمثل تحديًا قويًا أمام القوة الدولية وموقفها من تلك الجماعات، فهل ستشمل خطة نزع السلاح تلك الجماعات أيضًا، أم ستكون مقصورة فقط على حركة حماس؟

وختامًا..

نرى أن غياب المرجعية القانونية للقوة المزمع إنشاؤها، وإبعاد الأمم المتحدة قسريًا عن تلك القوة والإشراف على عملياتها، قد يؤدي إلى فشل القوة في أداء مهامها أو انحراف تلك المهام لتدخل في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وتصبح جزءًا من الأزمة لا سبيلًا لحلها.

ميليشيات أبو شباب في غزة 
ميليشيات أبو شباب في غزة 

فقد يؤدي الاندفاع الأمريكي لتلك القوة إلى احتمالية أن نرى اقتتالات مستقبلية بين فصائل المقاومة والقوة الدولية على غرار "معركة مقديشيو" عام 1993 التي حدثت بين القوات الأمريكية المعنية بحفظ السلام في الصومال وبين قوات الجنرال الصومالي محمد فارح عيديد.وعلى العكس أيضًا قد يحدث اشتباك تحت أي ظرف بين القوة المعنية وقوات الجيش الإسرائيلي، كما حدث في عملية حصار جادوتفيل في الكونغو الديمقراطية عام 1961.

وقد نرى مجزرة مشابهة لمجزرة سريبرينيتشا عام 1995، حينما عجزت القوات الهولندية المعنية بحفظ السلام في البوسنة والهرسك عن حماية مسلمي البوسنة من هجمات الجنود الصربيين بقيادة راتكو ملاديتش، مما أدى إلى مقتل الآلاف من مسلمي البوسنة في تلك الواقعة.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء