رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تقدير موقف| من الهولوكوست إلى غزة: قراءة في سردية المظلومية الإسرائيلية

صحفيو قطاع غزة تحت
صحفيو قطاع غزة تحت القصف - أرشيفية

في ظروف غير إنسانية على الإطلاق، حيث زخات الصواريخ الإسرائيلية ورشقات المدفعية وسُكنى الخيام بين المنازل المهجورة والمتهدمة، فضلًا عن الأمعاء الخاوية، واصل الصحفيون في قطاع غزة تأدية رسالتهم على مدار عامين كاملين في نقل الصورة رغم بشاعتها إلى العالم، وتأليب الرأي العام العالمي ضد الجرائم الإنسانية المرتكبة في قطاع غزة.

ساهم أداء صحفيي قطاع غزة في ازدياد عصبية الجيش الإسرائيلي، الذي بات يتعامل مع الصحفيين على أنهم أهداف استراتيجية، فخلال الحرب الماضية تم مقتل 227 صحفيًا، منهم 30 امرأة، منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى 6 يونيو 2025، وذلك وفق إحصائيات مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

ويرى مكتب حقوق الإنسان الأممي أن دوافع الاستهداف المتعمد للصحفيين في قطاع غزة هي منع تدفق المعلومات من وإلى قطاع غزة، وذلك لأجل التغطية على الجرائم الإنسانية المرتكبة أثناء الحرب.

صحفيو قطاع غزة تحت القصف -أرشيفية
صحفيو قطاع غزة تحت القصف -أرشيفية

عالم آخر موازٍ

في عالم موازٍ للعالم الحقيقي الذي نعيشه، أصدرت جامعة "بار إيلان" الإسرائيلية دراسة أجرتها على الصحفيين الذين غطوا أحداث السابع من أكتوبر والحرب التي جرت بعدها، أوضحت أنهم يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة.

الدراسة أجراها الطبيب النفسي ورئيس مختبر أبحاث الصدمات والتوتر بجامعة بار إيلان "داني هوريش"، الذي أوضح أن 53% من الصحفيين (يقصد هنا صحفيي إسرائيل) الذين عايشوا الفترة الماضية يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة، وأن 20% من أخصائي الصحة النفسية الذين عالجوا الضحايا يعانون أيضًا من اضطرابات ما بعد الصدمة.

يجب التنويه إلى أن الدراسة أجريت على صحفيين كانوا ولا زالوا يعملون في ظروف أكثر أمنًا وحرصًا على حياتهم، فلم يتعرض أي صحفي إسرائيلي خلال الحرب الأخيرة لأي انتهاكات، ولم تُسجِّل المنظمات الحقوقية الإسرائيلية أو غيرها مقتل أي صحفي إسرائيلي خلال المعارك الماضية.

 

صحفيو قطاع غزة تحت القصف -أرشيفية
صحفيو قطاع غزة تحت القصف -أرشيفية

فدائمًا ما كانوا يتحركون في حماية قوات الجيش، ويتلقون المواد الإعلامية المصورة من المكاتب الإعلامية الرسمية، سواء المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء أو البيانات الإعلامية الخاصة بوزارة الحرب الإسرائيلية.

تصدير المعاناة

يأتي تقرير جامعة "بار إيلان" في إطار نهج إسرائيلي قديم متبع في معظم الحروب الإسرائيلية، ألا وهو إظهار حجم المعاناة والمآسي التي يتكبدها الإسرائيليون في حروبهم مع العرب والفلسطينيين، من أجل اكتساب التعاطف الشعبي في الأوساط العالمية، خاصة في أوروبا وأمريكا.

دأبت إسرائيل على استغلال كل لحظة تتعرض فيها لهجوم أو عمل عسكري لتخليده ثقافيًا ونفسيًا وفنيًا لأجل استدرار التعاطف الغربي، فمنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية لا تنفك الدعاية الإسرائيلية والصهيونية في التذكير دومًا بالمحرقة "الهولوكوست"، وتذكير الأوروبيين بخطاياهم القديمة، وأنه يجب عليهم دفع الثمن.

مستخدمة في سبيل تلك الغاية العديد من الأدوات مثل المؤتمرات والمقالات والدعاية الإعلامية والأفلام والموسيقى وغيرها، فعلى سبيل المثال تم إنتاج ما يقارب من مائتي فيلم روائي طويل حول الهولوكوست، معظمها من إنتاج هوليوود.

صحفيو قطاع غزة تحت القصف -أرشيفية
صحفيو قطاع غزة تحت القصف -أرشيفية

ولا تتوقف الدعاية الصهيونية لاستجداء التعاطف الغربي على مأساة المحرقة، بل شملت أيضًا العديد من الأحداث الأخرى، مثل عملية ميونيخ 1972، التي تمكنت فيها منظمة أيلول الأسود الفلسطينية من احتجاز البعثة الرياضية الإسرائيلية المشاركة في أولمبياد ميونيخ 1972، والتي أدت إلى مقتل 11 إسرائيليًا.

وفي سبيل تخليد تلك الحادثة واستغلالها في الدعاية الصهيونية، أنتجت الحركات الصهيونية فيلمين على الأقل لتصوير وقائع تلك العملية، مثل فيلم "سيف جدعون" الكندي عام 1986، وفيلم "ميونيخ" الصادر عام 2005 للمخرج الأمريكي ستيفن سبيلبرغ، الذي سبق وأخرج فيلم "قائمة شندلر" (Schindler's List) عام 1993، والذي حاز وقتها على سبع جوائز أوسكار.

صحفيو قطاع غزة تحت القصف -أرشيفية
صحفيو قطاع غزة تحت القصف -أرشيفية

تراجع الدعاية الصهيونية

مؤخرًا شهدت الدعاية الصهيونية تراجع مقولاتها في الأوساط الغربية، وباتت حججها لا تنطلي على الطبقات المثقفة والشعبية في الدول الغربية، فالانفتاح الإعلامي ودخول وسائل التواصل الاجتماعي على خط نقل الأخبار وتغطية الأحداث، ساهما بشكل كبير في إضعاف الروايات الإسرائيلية التي بدت تتكشف على حقيقتها، فصور الدمار والخراب التي خلفتها الآلة العسكرية الإسرائيلية كانت الأبلغ في نقل الواقع، ولن تجدي أي دعاية مضادة في إثبات عكس ذلك، وعليه اعتبرت الآلة العسكرية الإسرائيلية الصحفيين الفلسطينيين أهدافًا يجب القضاء عليها.

صحفيو قطاع غزة تحت القصف -أرشيفية
صحفيو قطاع غزة تحت القصف -أرشيفية

فتقارير عدة تناولت مسألة معاناة صحفيي غزة والانتهاكات التي تعرضوا لها، والتي بلغت ذروتها في 10 أغسطس الماضي حين استهدفت إسرائيل خيمة الصحفيين قرب مستشفى الشفاء، مما أدى إلى ارتقاء ستة أشخاص، منهم طاقم عمل قناة الجزيرة القطرية، وعلى رأسهم الصحفي أنس الشريف، الذي اتهمه الجيش الإسرائيلي بأنه قيادي في حركة حماس، في محاولة لتبرير تلك الحادثة.

وختامًا:

لا يمكن بأي حال من الأحوال مقارنة معاناة صحفيي إسرائيل، الذين عانوا من اضطرابات نفسية محدودة الأثر كما عبّر عنها تقرير جامعة بار إيلان، بمعاناة صحفيي غزة الذين عانوا من الاستهداف المباشر لحياتهم الشخصية، فضلًا عن الجوع والعيش والعمل في خيام بدائية.

فالصورة النقية الخالية من أي مونتاج فني كان لها وقع الأثر في تهاوي الروايات الإسرائيلية للصراع العربي الإسرائيلي، وكشفت أمام الأجيال الجديدة في أوروبا وأمريكا حقيقة الأكاذيب الإسرائيلية، وباتت المرويات الإسرائيلية القديمة مثل المحرقة والإرهاب وغيرها من الأمور المملة التي باتت لا تجدي في الوقت الحاضر.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء