تسريبات إسرائيل: من تآكل الانضباط العسكري إلى تصدع الجبهة الداخلية
دائمًا ما تحمل سياسات حزب الليكود الإسرائيلي تناقضات في العديد من المواقف السياسية والعسكرية، فسياسة الكيل بمكيالين تبدو واضحة للعيان في تعامل الحزب وقادته مع القضايا الحساسة التي تمس الأمن القومي الإسرائيلي.
ففي الوقت الذي يشدد فيه الليكود على ضرورة معاقبة المدعية العسكرية اللواء يفعات تومر يروشالمي، على مسؤوليتها عن تسريبات صدرت في شهر أغسطس الماضي تتضمن انتهاك الحقوق الإنسانية لأسير من حركة حماس، يتغاضى الطرف عن تسريبات أخرى تسببت فيها، تالي غوتليب، نائبة الكنيست عن الليكود، بل والأدهى من ذلك تمت مؤخرًا توليتها مسؤولية لجنة العلاقات الخارجية والأمن القومي في الكنيست خلفًا لـ"يولي إدلشتاين" الذي تمت إقالته مؤخرًا.
وفي ذات السياق الخاص بتسريب المدعية العسكرية، سبق أن خرج وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، الشريك القوي في الائتلاف الحاكم، في تسجيل مصوّر ينكّل بالسجناء الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية ويتوعدهم، ويتوعد الأسير مروان البرغوثي، مطالبًا بإعدام جميع الأسرى الفلسطينيين.

اختفاء ثم ظهور
عاشت إسرائيل أحداثًا متسارعة الساعات الماضية حول مصير المدعية العسكرية، يفعات تومر، ففي البداية تناقلت وسائل الأخبار الرسمية أنباء عن اختفاء "تومر" التي استقالت من منصبها في وقت سابق، وعلى إثر ذلك تم إجراء عمليات بحث موسعة من قبل الشرطة الإسرائيلية التي عثرت على سيارتها الخاصة بالقرب من شاطئ الجرف الشمالي بمدينة تل أبيب. وفي وقت لاحق أعلنت الشرطة أنه تم العثور على "تومر" وأنه تم اقتيادها واعتقالها على خلفية الاتهامات الموجهة إليها.
وفي ذات السياق أيضًا تم إيقاف المدعي العسكري العام السابق العقيد متان سولومش، إذ يُشتبه في علمه بعملية التسريب وعدم إبلاغه الجهات المعنية، وتواجه "تومر" اتهامات أيضًا بمحاولة تعطيل التحقيقات الجارية حول عملية التسريب.
ومن دواعي خطورة الأمر أصدر رئيس الأركان الإسرائيلي توجيهات لجميع الوحدات المعنية بالبحث وتقصّي أثر المدعية العسكرية التي اختفت قرابة يوم كامل عن الأنظار، ومن المرجح أن يكون اختفاء "تومر" إما محاولة منها للهروب من المساءلة القانونية، أو محاولة يائسة للانتحار، خاصة أنها تركت رسالة وداعية في سيارتها بالقرب من أحد الشواطئ.
مساءلة على التسريبات لا الانتهاكات
من المثير والدال على مدى سوء القيم الأخلاقية للنظام السياسي الإسرائيلي هو التهم المنسوبة إلى "تومر"، إذ يتم محاسبتها حاليًا على تسريب فيديو إلى وسائل الإعلام في شهر أغسطس الماضي يوثّق اعتداء جنود إسرائيليين على أسير فلسطيني في معتقل "سديه تيمان" جسديًا وجنسيًا، وبعد التحقيقات الداخلية قدمت "تومر" استقالتها.
لم يهتم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالانتهاكات التي وقعت في أحد مراكز الاحتجاز الإسرائيلية بقدر اهتمامه بتشويه صورة إسرائيل في المجتمع الدولي، إذ يجب أن تتم الانتهاكات في صمت وأن تظهر إسرائيل بصورة مدّعية الإنسانية، ووصف نتنياهو التسريب بأنه أكبر هجوم على العلاقات العامة الإسرائيلية منذ نشأة الدولة.

مغالاة اليمين المتطرف
ليست المرة الأولى التي تحدث فيها تلك التسريبات، فمنذ فترة ليست بالبعيدة ظهر وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير يوبّخ الأسرى الفلسطينيين وهم مقيّدون ويتوعدهم بالموت، لكن قضية "تومر" أخذت أبعادًا سياسية إذ أثارت غضب اليمين المتطرف
فوظيفة المدعي العسكري في الجيش الإسرائيلي هي تبييض صفحة الجيش وإبرازه بصورة المدافع عن حقوق الإنسان ومحاسبته المستمرة للعناصر الخارجة عن القانون، وعليه تم إحالة الجنود المتسببين في واقعة الانتهاك إلى المحاكمة، وهو ما رفضه اليمين الإسرائيلي الذي عمد إلى تهييج الرأي العام ضد «تومر»، مما دفع أنصار اليمين المتطرف إلى التظاهر أمام السجن لأجل الإفراج عن الجنود ومعاقبة «تومر»، وهو ما أثار وزير الدفاع يسرائيل كاتس، ورئيس الأركان إيال زامير.
التغاضي عن تسريبات غوتليب
وفي سياق موازٍ، تمت إقالة يولي إدلشتاين، من رئاسة لجنة العلاقات الخارجية والأمن في الكنيست يوم 30 أكتوبر الماضي، إذ برر رئيس كتلة الائتلاف الحاكم أوفير كاتس، إقالة إدلشتاين بأنه خالف القوانين والأعراف البرلمانية بمخالفة سياسات حزب الليكود، إذ سبق أن صوّت لصالح مشروع فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية، وهو عكس توجهات الليكود في هذه المرحلة، وهو ما يعد مخالفة لمبادئ الانضباط الحزبي.
في الحقيقة إن إقالة إدلشتاين لم تكن جراء تصويته لمشروع قانون فرض السيادة على الضفة، وإنما جاءت ضمن صفقة سياسية كبرى لإنقاذ الائتلاف الحاكم من التفكك، فإقالته جاءت قبل يوم واحد فقط من مظاهرات الحريديم في مدينة القدس (31 أكتوبر) اعتراضًا على قانون تجنيد الحريديم، ويُعد إدلشتاين من أبرز مؤيدي القانون، وأن إقالته جاءت ضمن صفقة تهدئة الأحزاب الحريدية وعدم دفعها لتفكيك الائتلاف الحاكم.
خلفًا لـ"إدلشتاين" تم تعيين النائبة عن الليكود تالي غوتليب، رئيسة للجنة الأمن القومي والعلاقات الخارجية، وهي المسؤولة عن تسريبات أمنية سابقة حول الحرب مع إيران، الأمر الذي أثار قوى المعارضة مثل رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، الذي وصف تعيين "غوتليب" بإعلاء المصالح السياسية على المصالح الوطنية وأمن البلاد، متعجبا من توليها لجنة تُعد "قدس الأقداس" في الرقابة على الأمن القومي الإسرائيلي.

وسبق أن وجهت المستشارة القانونية للحكومة الإسرائيلية «جالي بهاراف» في يونيو 2024 اتهامات لـ"غوتليب" تتضمن تسريب معلومات متعلقة بقائد حركة حماس يحيى السنوار، كما تم اتهامها بتسريب وثائق حول الحرب مع إيران.
صداع التسريبات
لم يقتصر صداع التسريبات على سيدات المجتمع السياسي والعسكري الإسرائيلي، بل امتد أيضًا إلى السيارات الصينية من نوع «شيري» (CHERY)، إذ أصدر اليوم رئيس الأركان إيال زامير قراره بسحب تلك السيارات من ضباط الجيش الإسرائيلي، بعد أن كشفت تقارير أمنية عن احتمالية مشاركة أنظمة السيارة في التجسس وتسريب المعلومات، وستتم عملية السحب بشكل تدريجي بدءًا من الضباط الشاغلين للمناصب السرية وذوي المعلومات الأمنية الحساسة، ومن المتوقع الانتهاء من سحب تلك السيارات جميعها في ربيع عام 2026.
وختامًا، يبدو أن الصراعات السياسية في الداخل الإسرائيلي تُلقي بظلالها الوخيمة على مسألة التحقيق في التسريبات التي تخرج من هنا وهناك، فالنائبة "غوتليب" حظيت بمناعة وحصانة قوية من قبل الليكود الذي تغاضى عن تصريحاتها ومنشوراتها السابقة، كما أن قضيتها دخلت ضمن قضايا التراشق السياسي بين الحكومة والمستشارة القانونية للحكومة جالي بهاراف، وفي المقابل أخذت قضية المدعية العسكرية "تومر" منحى تصعيديًا حين استنفر اليمين الإسرائيلي المتشدد اعتراضًا على حبس جنود متهمين بالاعتداء الجنسي على أحد الأسرى الفلسطينيين.



