رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حزب الله تحت الحصار المالي: المدفوعات الرقمية وسيلة جديدة للالتفاف على العقوبات الأمريكية

نعيم قاسم- الأمين
نعيم قاسم- الأمين العام لحزب الله (أرشيفية)

يعاني حزب الله اللبناني من أزمات مالية ضاغطة في ظل الأوضاع المضطربة التي تحاصره، وهو ما ينعكس بطبيعة الحال على التمويلات التي يتلقاها الحزب، في ظل حاجته إلى استمرار تدفقات هذه التمويلات بل زيادتها لتعويض خسائره التي يعانيها في ظل الضغوط العسكرية والميدانية التي فُرضت له في مرحلة ما بعد طوفان الأقصى، والتي أضعفت الحزب هيكليًا على عدة مستويات.

وفي ظل هذه الظروف يبحث الحزب عن موارد لتعويض هذه الخسائر والالتفاف على العقوبات التي تحاصره وتضغط على موارده المالية، وهو ما دفعه إلى البحث عن آليات للتمويل والدعم يستطيع من خلالها تجاوز العقوبات أو الرقابة المشددة على آليات الدعم التي كان يعتمد عليها ومنها شبكات الجمعيات إضافة إلى الآليات المصرفية التي أصبح من الصعب الاعتماد عليها، لذلك اتجه الحزب إلى المدفوعات الرقمية للحصول على الدعم أو التبرعات.

ووفق صحيفة "فايننشال تايمز"، فإن جمعيات خيرية مدرجة على قوائم العقوبات ومرتبطة بحزب الله دعت المتبرعين بانتظام إلى إرسال الأموال عبر شركات مدفوعات رقمية لبنانية تتعامل مع شركات بطاقات أمريكية مثل "فيزا" و"ماستركارد"، وتشير المقابلات وسجلات التحويلات إلى أن عددًا من الجمعيات ضمن شبكة البرامج الاجتماعية التابعة للحزب طلبت من المتبرعين إرسال الأموال إلى محافظ رقمية يملكها أفراد عبر شركتي "ويش موني" Whish Money و"أو إم تي" OMT، بدلاً من حسابات الجمعيات الرسمية.   

وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت
وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت

المأزق المالي لـ"حزب الله"

تتراجع القدرة المالية لحزب الله اللبناني في ظل تشديد العقوبات على موارده المالية، ويبدو ذلك من خلال الإعلانات المستمرة من جانب وزارة الخزانة الأمريكية عن فرض عقوبات على كيانات وأشخاص مرتبطين بالحزب، وهو ما يمثل ضغطًا هائلًا على مقدرات الحزب، خاصة في ظل تراجع قدرة الداعم الأول "إيران" على توفير الدعم اللازم نظرًا للضغوط التي تتعرض لها طهران، والضغوط التي يتعرض لها النظام الاقتصادي والمالي الإيراني والذي يتعرض أيضًا لعقوبات مماثلة لما يتعرض له الحزب.

وتعتبر وزارة الخزانة الأمريكية أن تجفيف منابع الدعم للحزب هي أهم الخطوات التي قد تمنع مخططاته، وفي يوليو الماضي فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع للوزارة عقوبات على سبعة مسؤولين كبار وكيان واحد مرتبط بالمؤسسة المالية التي يسيطر عليها حزب الله، القرض الحسن (AQAH)، والتي أدرجها مكتب مراقبة الأصول الأجنبية على قائمة العقوبات عام 2007. وقد شغل هؤلاء المسؤولون مناصب إدارية عليا في AQAH، وسهلوا التهرب من العقوبات الأمريكية، مما مكّن حزب الله من الوصول إلى النظام المالي الرسمي.

وتسعى وزارة الخزانة الأمريكية من خلال هذه الخطوات إلى تعطيل مخططات حزب الله للتهرب من العقوبات والوصول إلى النظام المالي الرسمي مما يساهم في تقويض الاقتصاد اللبناني الهش أصلاً، حيث إن الأشخاص والكيانات التي فُرضت عليها العقوبات سعت إلى طمس مصالح حزب الله في معاملات تبدو مشروعة في المؤسسات المالية اللبنانية، مما عرّض هذه البنوك لمخاطر كبيرة تتعلق بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وسمح لحزب الله بتحويل الأموال لمصلحته الخاصة.

وتأتي هذه العقوبات في ظل مخاوف من مساعي حزب الله إلى جمع الأموال لإعادة بناء عملياته، حيث أعلنت وزارة الخزانة ملتزمة بشدة بتفكيك البنية التحتية المالية للجماعة والحد من قدرتها على إعادة بناء نفسها، ومواجهة شبكات التمويل غير المشروعة للجماعة المتورطة في التسهيلات المالية ومبيعات النفط وغيرها من المشاريع التجارية، وفق بيان للوزارة.

وتظهر مؤشرات الأزمة المالية التي يعانيها الحزب من خلال تقارير تتحدث عن تأخر في دفع رواتب عناصره، إضافة إلى التراجع في قدرة الحزب على مساعدة أهالي عناصر الحزب الذين قتلوا في معارك سابقة، إضافة إلى معاناة الحزب من صعوبات في دفع مستحقات مقاولين لترميم مبانٍ مدمرة بفعل الغارات، وذلك في ظل تلقي الأذرع المالية للحزب ضربات أنهكت الحزب ماليًا، فضلًا عن الهجمات الإسرائيلية التي طالت مراكز مالية ولوجستية في الضاحية الجنوبية.

نعيم قاسم والمرشد الإيراني -أرشيفية
نعيم قاسم والمرشد الإيراني -أرشيفية

دوافع لجوء الحزب إلى المدفوعات الرقمية:

تتعدد دوافع "حزب الله" اللبناني للجوء إلى المدفوعات الرقمية لترميم قدراته المادية المنهارة، وتتمثل هذه الدوافع في:

أولًا: الالتفاف على العقوبات

 تمثل المدفوعات الرقمية حيلة يستطيع من خلالها الحزب الالتفاف على العقوبات، خاصة وأن نظام الدفع الإلكتروني يمكن من خلاله توجيه الأموال عبر أفراد غير خاضعين للعقوبات بدلاً من الحسابات الخيرية الرسمية، وهو ما يقلل من فعالية العقوبات وقدرتها على اكتشاف المستفيد من هذه التحويلات، إضافة إلى تجاوز النظام المصرفي.

وقد يستطيع الحزب الاستفادة من هذه الآلية في ظل وجود البيئة التي ساعدت على رواج المدفوعات الرقمية، حيث يشير تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" إلى أن صناعة تحويل الأموال في لبنان شهدت توسعًا سريعًا في أعقاب الأزمات الاقتصادية والمصرفية التي شهدتها البلاد في عام 2019، ومن المتوقع أن تدخل التحويلات المالية إلى البلاد بحلول عام 2024 ما يقرب من 6 مليارات دولار، وفقًا للبنك الدولي.

ثانيًا: سرعة الوصول إلى جمهور المتبرعين

 يوفر نظام المدفوعات الرقمية ميزة هامة يحتاجها الحزب، وهي سرعة الوصول إلى جمهور المتبرعين في أنحاء العالم، خاصة إذا كان الحزب لديه كتلة جماهيرية ستسعى إلى دعمه في عدد من الدول سواء من جهة "إيديولوجية" أو من جهة دعم "فاعل مقاوم" وفق الصورة التي يصدرها الحزب عن نفسه، وهو ما يسهم في جمع أكبر قدر من التبرعات حول العالم في فترة قصيرة.

حزب الله - أرشيفية
حزب الله - أرشيفية

وما يعزز ذلك التقرير الذي نشرته مجموعة العمل المالي (FATF) في أكتوبر 2023 حول "التمويل الجماعي وتمويل الإرهاب"، والذي أكد أن التنظيمات المصنّفة إرهابية تسعى بشكل متزايد لاستخدام المنصات الرقمية والمحافظ الإلكترونية بهدف تفادي أنظمة الرقابة المصرفية التقليدية، وضمان سرعة الوصول إلى جمهور المتبرعين عالميًا بعيدًا عن الرقابة التقليدية.

ثالثًا: إخفاء هوية الحزب

 من المميزات التي يوفرها نظام الدفع الإلكتروني إخفاء هوية المستفيد من التحويلات الإلكترونية، وهي الميزة التي يحتاجها الحزب في ظل العقوبات المفروضة والرقابة المشددة، وهو ما يؤكده تقرير "FATF" الذي أكد أن هذا النظام يتيح الاختفاء ضمن حركة مالية واسعة يصعب تتبّعها، وأن الأطر التقنية الحديثة، بما فيها محافظ الأفراد والوسائط الاجتماعية والأصول الرقمية، تُستغل في إخفاء هوية المستفيد النهائي والالتفاف على القيود التنظيمية.

حزب الله - أرشيفية
حزب الله - أرشيفية

ختامًا:

يمكن القول إن لجوء حزب الله إلى آلية المدفوعات الرقمية في التبرعات أو التمويلات بشكل عام، يأتي في إطار محاولات الحزب لـ"التكيّف المالي"، وتوظيف المميزات التي يتيحها هذا النظام المالي لتجاوز العقوبات والرقابة التقليدية المفروضة، والقدرة على توفير احتياجاته أو إعادة بناء شبكاته التي تضررت مؤخرًا.

 

وفي ظل تحذيرات تقارير دولية مثل تقرير مجموعة العمل المالي (FATF)، فإن الحزب سيستفيد من هذا النظام المالي في ظل وجود ثغرات يستطيع النفاذ منها خاصة في ظل إمكانية إخفاء هوية المستفيد من التحويلات، ما يعني أن الحزب لا يزال قادرًا على صناعة موارد مادية، كما أن العقوبات والرقابة على شبكات الحزب لن تُجفف منابعه المادية وإن كان لها أثر ضاغط.

محمد شعت*

كاتب وباحث في الشؤون الإقليمية والدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء