شراكة صاعدة بين طهران وكازاخستان: ملامح التمدد الإيراني في آسيا الوسطى
تشهد العلاقات الإيرانية الكازاخستانية تطورًا ملحوظًا خلال الآونة الأخيرة، ورغم أن العلاقات بين البلدين تُصنَّف بأنها "إيجابية وبناءة" وتوصف بأنها ذات جذور تاريخية وثقافية وحضارية، إلا أن هناك مؤشرات على اتجاهات من جانب البلدين لتعزيز هذه العلاقات بشكل أكبر، ويبدو لدى الجانبين إرادة مشتركة لتوسيع العلاقات الشاملة.
وتتجه السياسات الإيرانية إلى إعطاء أولوية للعلاقات مع كازاخستان، وذلك في إطار النهج الإيراني في السياسة الخارجية الإيرانية لتعزيز العلاقات مع دول الجوار، في ظل تأكيد البلدين على ضرورة توسيع العلاقات الشاملة بينهما في مختلف المجالات، وكذلك على أهمية المشاركة الفعّالة في المنظمات الإقليمية والدولية، مشيرين إلى التاريخ الإيجابي والبناء للعلاقات الثنائية بين البلدين.
مؤشرات تعزيز العلاقة بين البلدين
شهدت المرحلة الأخيرة العديد من المؤشرات على اتجاهات تعزيز العلاقات بين إيران وكازاخستان، وذلك من خلال العديد من الخطوات التي تمت مؤخرًا للاهتمام بتوسيع العلاقات على عدة مستويات، والتي يأتي على رأسها الجانب الاقتصادي والتبادل التجاري بين الجانبين.

وفي أغسطس الماضي، أكد وزيرا الطرق والتنمية الحضرية في إيران وكازاخستان على تحقيق هدف حجم التجارة البالغ 3 مليارات دولار، وضرورة تطوير موانئ إيران وزيادة الحركة التجارية من خلال تنويع طرق النقل، وذلك في لقاء جمع فرزانة صادق، وزيرة الطرق والتنمية الحضرية في جمهورية إيران الإسلامية، مع نورلان سورانباييف، وزير النقل في جمهورية كازاخستان، على هامش حضور القمة الثالثة للدول غير الساحلية.
وبدا من خلال مخرجات الاجتماع أن هناك اتجاهًا من الجانبين لوضع خطط مستقبلية لتعزيز التعاون والتنسيق في الملفات التي تشغل الجانبين، حيث ناقش الجانبان ضرورة تعزيز جميع قطاعات النقل بين إيران وكازاخستان، وأكدا على أهمية وضع وثيقة شاملة للتعاون في مجال النقل مدتها خمس سنوات، وأكد وزير خارجية كازاخستان على عدم وجود أي قيود على قبول الرحلات الجوية الإيرانية على الأراضي الكازاخستانية.
وفي خطوة تنفيذية تعكس حرص الجانبين على سرعة تنفيذ الرؤية المشتركة لتعزيز العلاقات في جانب تطوير الموانئ والحركة التجارية وتنويع طرق النقل، اتفق وزيرا النقل الإيراني والكازاخستاني على تشكيل لجنة مشتركة لصياغة وثائق التعاون وخارطة طريق شاملة، قبل زيارة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مسعود بزشكيان، إلى أستانا، وتقرر عقد اجتماعات دورية ومؤتمرات عبر الهاتف لتسريع التخطيط المستقبلي.
ويسعى الجانبان إلى توسيع التعاون إلى مستوى أبعد من التعاون الثنائي ليصل إلى دائرة أوسع، حيث أكدت وزيرة الطرق والتنمية الحضرية في إيران على ضرورة متابعة خارطة الطريق الخاصة بالمسار الشرقي للممر الشمالي الجنوبي، وكذلك تطوير هذا المسار الذي تُركّز عليه كازاخستان بالتعاون مع روسيا وتركمانستان وإيران، وقد وقّع نواب وزراء النقل في هذه الدول على الوثيقة ذات الصلة.

وتشمل مؤشرات تعزيز التعاون بين الجانبين خطوات أخرى تتضمن الاتفاقيات الثنائية، حيث وقّع وزير الخارجية الإيراني، سيد عباس عراقجي، ووزير الخارجية الكازاخستاني، مراد أبو غاليولي، اتفاقية تهدف إلى تطوير التعاون الثنائي في مجالات الاقتصاد والتجارة والنقل، وذلك في يونيو من العام الجاري الذي يشهد قفزات في مسار العلاقات بين البلدين.
وتؤشر مثل هذه الاتفاقيات على تعزيز العلاقات الاستراتيجية والتوجه نحو تعزيز التعاون الإقليمي وزيادة التبادل التجاري بين البلدين، والتركيز على تعزيز التفاعلات الاستراتيجية بين إيران وكازاخستان، حيث يسعى الطرفان إلى زيادة التعاون في مجالات متعددة تشمل الاقتصاد والنقل، مما يسهم في تحقيق التنمية المستدامة في المنطقة.
ويأتي الاهتمام بالتعاون الثقافي وتعزيز العلاقات في هذا المجال ضمن خطة البلدين لتحقيق الشراكة على عدة مستويات، حيث تم توقيع مذكرة تفاهم بين الجانبين لتطوير العلاقات الثقافية والفنية، وتكثيف التعاون في مجالات التراث المشترك والمتاحف والحرف اليدوية والسياحة، ما يؤشر على تعزيز الروابط الشعبية بين البلدين.
أهداف تعزيز العلاقات بين الجانبين
تأتي خطوات تعزيز التعاون بين إيران وكازاخستان في إطار تحقيق المصالح المشتركة، خاصة فيما يتعلق بملفات هامة تتمثل في الاقتصاد الجيوسياسي والتنسيق الإقليمي الذي يخدم مصالحهما، وقد يستفيد الجانبان من العمل المشترك في عدة ملفات تتمثل في:
أولًا: التعاون الإقليمي

يمكن للجانبين تعزيز التعاون الإقليمي من خلال تعزيز التنسيق في المحافل الإقليمية "ECO، منظمة شنغهاي، الاتحاد الاقتصادي الأوراسي" لمواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية المشتركة، وهو ما أكد عليه الجانبان خلال الاتصال الأخير بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ونظيره الكازاخستاني يرماك كوشاريباييف.
وبدا اهتمام الجانبين خلال المكالمة بأهمية التعاون الإقليمي من خلال هذه المنظمات، وشدّدا على الإرادة المشتركة لتوسيع العلاقات الشاملة بين البلدين في مختلف المجالات، وكذلك على أهمية المشاركة الفعّالة في المنظمات الإقليمية والدولية، وأهمية الحضور النشط والمشاركة الفعّالة في هذه المنظمات، ومن بينها منظمة التعاون الاقتصادي (ECO)، واتفقا على مواصلة المشاورات والتنسيق في هذا الصدد.
ثانيًا: أمن بحر قزوين
من الملفات التي تهم الجانبين وتعد من الملفات المشتركة هي أمن بحر قزوين، ويبدي الجانبان حرصهما على أن يبقى "بحر سلام وصداقة"، ما يعكس الرغبة المشتركة في التعاون في مجالات الأمن، وهو الأمر الذي أبدى الجانبان حرصهما على التعاون لتحقيق نتائج تفيد الجانبين.
وقد أبدت إيران اهتمامها بهذا الملف على لسان وزير خارجيتها السابق، حسين أمير عبد اللهيان، الذي أكد أن بحر قزوين يجب التعامل معه باعتباره بحر سلام وصداقة، وهو موضوع تعاون آخر بين إيران وكازاخستان، مع التأكيد على حق الاستفادة والأمن الذي توفره الدول الساحلية فقط، ولذلك فإن بحر قزوين من الممكن أن يُكمل التعاون وليس المنافسة في مجالات النقل ومبادلات النفط والتجارة وحماية البيئة والأمن.
ثالثًا: مجال النقل والترانزيت
يأتي مجال النقل والترانزيت ضمن المجالات التي تهم الجانبين لما يمكن أن يحققه من فوائد اقتصادية وأمنية للبلدين، حيث يمكن ربط آسيا الوسطى بالمياه الحرة، واستغلال موقع إيران الاستراتيجي كأكثر طرق الترانزيت أمانًا وأقل تكلفة (ممر الشمال–الجنوب)، والتركيز على الخدمات الهندسية والتقنية لتطوير هذه الممرات.
وقد بدا اهتمام الجانبين بهذا المجال من خلال رئيسي الدولتين، حيث أكد الرئيس الكازاخستاني "قاسم جومارت توكاييف" على إرادة بلاده في التعاون الثنائي مع إيران، بما يشمل مجالات الترانزيت والطاقة والخدمات الهندسية والتقنية والتبادل المالي والاقتصادي والتجاري، واستغلال الإمكانيات المتوفرة في هذا المجال لدى البلدين.
في المقابل، اعتبر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن البلدين لديهما طاقات وفيرة ومتفرقة في مجالات ترانزيت السلع والطاقة والتعاون الهندسي والفني، خاصة وأن ممر الترانزيت الذي يعبر من إيران هو أكثر أمانًا وأقل تكلفة بين سائر الطرق التي تصل كازاخستان وباقي الدول في منطقة آسيا الوسطى بالمياه الحرة الدولية والأسواق العالمية.

رابعًا: التعاون الأمني
يأتي التعاون الأمني ضمن أولويات البلدين لتعزيز التعاون الثنائي في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتهريب المخدرات، بالإضافة إلى التعاون الحدودي في بحر قزوين، وقد بدا الاهتمام بالتعاون في هذا المجال من خلال دعوة مساعد وزير الداخلية للشؤون الأمنية والأمن الداخلي الإيراني "حسين ذوالفقاري" إلى تأسيس فريق عمل أمني مشترك بين إيران وكازاخستان.
وشملت الدعوة تحقيق الأمن الإقليمي من خلال التعاون الأمني بين الدول المطلة على بحر قزوين، ووصفت التعاون بين إيران وكازاخستان في مجال حراسة الحدود المائية لبحر قزوين بأنه إيجابي، ما يشير إلى إمكانية التعاون في مجال مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والمخدرات.
ختامًا:
يُعد تعزيز العلاقات بين إيران وكازاخستان فرصة استراتيجية للبلدين، خاصة إيران التي قد تستفيد من التعاون مع كازاخستان في تخفيف وطأة العقوبات المفروضة عليها، وقد تستفيد كازاخستان أيضًا من هذه العلاقة في تنويع روابطها التجارية الإقليمية وتحقيق التوازن بين القوى الكبرى.
لكن في ظل هذه المساعي من الجانبين، تبقى هناك بعض التحديات في طريق الشراكة بين إيران وكازاخستان في المجالات السابقة، أبرزها تحدي التمويل والبنية التحتية، حيث إن تشغيل الممرات التي تمثل قلب الشراكة التجارية يتطلب استثمارات وتمويلات ضخمة.



