رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

سفارة قرغيزستان في القاهرة.. دلالات الانفتاح ومسارات التعاون

رئيس دولة قرغيزستان
رئيس دولة قرغيزستان في ضيافة الرئيس السيسي

في إطار المساعي المصرية إلى تعزيز حضورها في آسيا الوسطى، وتحركاتها الدبلوماسية لتعزيز علاقاتها مع دول المنطقة، جاءت زيارة رئيس قرغيزستان صادير جباروف إلى القاهرة في أول زيارة رسمية، والتي حملت معها خطوة عملية في تعزيز العلاقات بين البلدين والانتقال من العلاقات المحدودة إلى علاقات دبلوماسية أوسع، ما يؤشر على مرحلة جديدة من العلاقات، وذلك في الوقت الذي تُكثّف فيه مصر تحركاتها لبناء جسور استراتيجية مع دول آسيا الوسطى، مدفوعة بتحولات جيوسياسية في الإقليم وتنافس دولي على النفوذ، وهو ما يجعل إعلان فتح السفارة القرغيزية في القاهرة تطورًا يحمل أبعادًا إقليمية تتجاوز الثنائية التقليدية. 

وجاءت الخطوة التي تمثل قفزة في العلاقات بين البلدين بإعلان رئيس قرغيزستان عن افتتاح سفارة لبلاده في القاهرة، معتبرًا أن هذا القرار يأتي بمثابة اعتراف من جانب قرغيزستان بالدور المحوري الذي تلعبه مصر في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، فضلًا عن العلاقات التاريخية بين البلدين، وهو ما رحّب به الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي وصف القرار بالخطوة الاستراتيجية التي من شأنها تعزيز العلاقات الثنائية، لا سيما في المجالات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية.

صادير جباروف رئيس جمهورية قرغيزستان في ضيافة الدكتور مصطفى مدبولي
صادير جباروف رئيس جمهورية قرغيزستان في ضيافة الدكتور مصطفى مدبولي

خطوات عملية لتعزيز الشراكة

تأتي الخطوة بمثابة اتجاه عملي من الجانبين لتعزيز مستوى التمثيل الدبلوماسي، وهو ما يرفع سقف الثقة السياسية بين البلدين، وقد بدا هذا التوجه من خلال اللقاء الأول بين الرئيسين، والذي تناول النقاش حول ملفات مهمة سيكون لها أثرها الإيجابي، حيث ناقش الرئيسان تعزيز التجارة والاستثمار بين البلدين، واستكشاف فرص التصنيع المشتركة، وتعزيز التعاون بين المؤسسات الدينية في البلدين لمواجهة الأيديولوجيات المتطرفة، وهو الأمر الذي يعكس التنسيق السابق لتكوين هذه الرؤية المشتركة بين البلدين والتي تهم كل طرف منهما.

ولم تكن الخطوة التي أقدمت عليها قرغيزستان مجرد خطوة رمزية، لكنها تؤشر على بداية جادة تحقق مصالح كلا الطرفين، وسيتبعها خطوات أخرى لتعزيز العلاقات التي انطلقت إلى مرحلة جديدة في ظل اهتمام مصر بتعزيز الحضور في آسيا الوسطى، وأيضًا اهتمام قرغيزستان بالاستفادة من موقع مصر في الشرق الأوسط، وهو ما يفتح آفاقًا جديدة للتعاون بين البلدين.

وتسعى قرغيزستان من خلال هذه الخطوة إلى الاستفادة من الخبرات المصرية في ملفات هامة، وهو ما بدا من خلال المحادثات بين الرئيسين، حيث أبدى جباروف رغبة بلاده في الاستفادة من الخبرات المصرية، حيث تطرقت المحادثات إلى إمكانية مشاركة الشركات المصرية في جهود التنمية وإعادة الإعمار في قرغيزستان، نظرًا للخبرة الواسعة التي تتمتع بها الشركات المصرية في مثل هذه المجالات.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي

وما يعزز جدية البلدين في اتخاذ خطوات عملية على أصعدة مختلفة هو بحث تشكيل أطر عملية لتنفيذ ما تم من الرؤية المشتركة، وهو ما أكده الرئيس عبد الفتاح السيسي من خلال التنسيق الجاري لعقد اجتماعات اللجنة الحكومية المشتركة للتعاون الاقتصادي والعلمي والفني، معتبرًا أن هذه اللقاءات تمثل إطارًا مؤسسيًا لمتابعة نتائج الزيارة والبناء عليها، بما يعكس العلاقات السياسية القوية بين البلدين، مثمنًا الزيارة التاريخية لجباروف وأهميتها في فتح آفاق جديدة للعلاقات الثنائية، معربًا عن حرص مصر على تعزيز التعاون مع قرغيزستان في مختلف المجالات.

مسارات التعاون بين البلدين

ناقش اللقاء الذي تم بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس قرغيزستان صادير جباروف مسارات التعاون المرتقبة بين البلدين، ويأتي على رأس هذه المسارات المسار الاقتصادي والاستثماري، حيث أولى اللقاء اهتمامًا خاصًا بتوسيع التعاون التجاري والاقتصادي والاستثماري، وذلك في ظل الإعلان عن بحث إنشاء لجنة حكومية مشتركة بين قرغيزستان ومصر، بالإضافة إلى إنشاء مجالس أعمال وعقد منتديات أعمال مشتركة، ما يؤشر على التنسيق الجاد في هذا الإطار.

وتؤشر الاتفاقات التي تم توقيعها بين الجانبين على تعدد مسارات التعاون بين الجانبين، حيث شهد صادير جباروف، رئيس الجمهورية القرغيزية، والدكتور مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء المصري، توقيع عدد من الاتفاقيات بين الجانبين المصري والقرغيزي لتعزيز التعاون المشترك بين البلدين، إضافة إلى توقيع مذكرة تفاهم للتعاون في مجالات الكهرباء والطاقة المتجددة، إلى جانب توقيع اتفاقية تعاون في مجال الزراعة.

وزير خارجية جمهورية قرغيزستان جينبيك كولوباييف
وزير خارجية جمهورية قرغيزستان جينبيك كولوباييف

ويبدو من خلال مذكرات التفاهم اتجاه البلدين إلى شراكة حقيقية تشمل مسارات متعددة، حيث تم توقيع مذكرة تفاهم أيضًا تشمل التعاون العلمي والفني، وذلك في ظل تأكيد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء المصري، على أن منتدى الأعمال المصري القرغيزي يُمثل اليوم فرصة مهمة وحقيقية لإعطاء دفعة قوية على مسار تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين في مختلف المجالات، وعلى رأسها القطاعات ذات الاهتمام المشترك، والتي تتمثل في البنية التحتية، والطاقة، والتعدين، والزراعة، والاتصالات والرقمنة، والصناعات الدوائية.

ويبدو الحرص من الجانبين على تسهيل السفر والتواصل بين البلدين وتوفير المزيد من التسهيلات القنصلية والدبلوماسية، حيث تم توقيع اتفاقية بين قرغيزستان ومصر بشأن الإلغاء المتبادل لمتطلبات التأشيرة لحاملي جوازات السفر الدبلوماسية والخدمة والخاصة خلال اجتماع بين وزير خارجية جمهورية قرغيزستان جينبيك كولوباييف ووزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في القاهرة، وذلك في إطار زيارة رئيس قرغيزستان إلى القاهرة.

ختامًا:

تمثل خطوة إعلان قرغيزستان افتتاح سفارة لها في القاهرة نقطة تحول في العلاقات بين البلدين، والانتقال من مرحلة العلاقات المحدودة إلى التأسيس لمرحلة من العلاقات أكثر انفتاحًا وشراكة وبناء علاقات ترتكز على أسس ثابتة، وذلك لتحقيق الكثير من المصالح المشتركة التي كانت حاضرة في اللقاء الأول الذي جمع بين الرئيسين، ما يؤشر على تأسيس مسارات تعاون طويلة المدى تمنح القاهرة حضورًا جديدًا في آسيا الوسطى، وتفتح الباب أمام قرغيزستان للحضور في الشرق الأوسط والقارة الإفريقية.

ورغم الجدية التي أبداها الجانبان والخطوات التنفيذية لتعزيز التعاون في العديد من المسارات، إلا أن النتائج ستظل مرهونة بفعالية اللجان الثنائية التي ستتشكل لمتابعة التنفيذ، وأيضًا مخرجات هذه اللجان وقدرة الجانبين على المتابعة التنفيذية ووضع آليات تنفيذية ورقابية لإتمام ما تم مناقشته بين الجانبين.

محمد شعت*

كاتب وباحث في الشؤون الإقليمية والدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء