رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

انضمام كازاخستان لـ"اتفاقات أبراهام".. هندسة أمنية جديدة في آسيا الوسطى

رئيس كازاخستان -
رئيس كازاخستان - قاسم جومارت توكاييف

التحقت دولة كازاخستان باتفاقات التطبيع مع إسرائيل المعروفة باسم "اتفاقات أبراهام"، حيث أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال استضافته لقمة زعماء خمس دول من آسيا الوسطى في البيت الأبيض، أن كازاخستان وافقت رسميًا على الانضمام إلى اتفاقات التطبيع مع إسرائيل. وجاء هذا الإعلان عقب اتصال هاتفي جمع ترامب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس كازاخستان قاسم جومارت توكاييف، ويأتي ذلك في إطار سياسة "تعددية المحاور"، والتي تعتبر استراتيجية نشطة لإعادة هندسة العلاقات الدولية.

واعتبر ترامب أن خطوة انضمام كازاخستان لـ"اتفاق أبراهام" بمثابة انتصار لإدارته، حيث كتب على حسابه في منصة "تروث سوشيال": "كازاخستان أول دولة في ولايتي الرئاسية الثانية تنضم إلى اتفاقيات أبراهام، والأولى من بين العديد من الدول القادمة.. المزيد من الدول تتجه نحو تبني السلام والازدهار من خلال "اتفاقات أبراهام"، وفي المقابل أشاد رئيس كازاخستان بجهود ترامب وقال إن الرئيس الأمريكي "أسهم في إنهاء 8 حروب".

الرئيس ترامب
الرئيس ترامب

ماهي اتفاقات "أبراهام"؟

تعد اتفاقات "أبراهام" محاولة لوضع إطار دبلوماسي يستهدف التطبيع الشامل بين إسرائيل والدول الأخرى، خاصة الدول العربية أو الدول ذات الأغلبية المسلمة. وقد سُمِّيت بهذا الاسم نسبة إلى النبي "إبراهيم"، والذي يعتبره العرب واليهود سلفًا مشتركًا بينهم، لتكون ركيزة لوجود روابط تاريخية مشتركة يمكن البناء عليها وتطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية والإسلامية.

وشمل إعلان "اتفاقات أبراهام" في 15 سبتمبر 2020 أهمية الحفاظ على السلام وتعزيزه في الشرق الأوسط وحول العالم على أساس التفاهم المتبادل والتعايش، فضلًا عن احترام كرامة الإنسان وحريته، بما في ذلك الحرية الدينية، وأهمية تشجيع الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار بين الأديان والثقافات من أجل ترسيخ ثقافة السلام بين الديانات الإبراهيمية الثلاث والبشرية جمعاء.

وجاء هذا الإعلان في النصف الثاني من عام 2020 خلال الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يحرص على انضمام أكبر عدد ممكن من الدول إلى هذه الاتفاقات والتطبيع الشامل مع إسرائيل، وهو ما يجعل الولاية الثانية لترامب بمثابة استكمال لهذه السلسلة من الاتفاقات، إذ يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية تعتبر أن نجاح هذه الاتفاقات ترسيخ للنفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط وفتح آفاق أوسع للتطبيع "العربي – الإسرائيلي".

وشملت الاتفاقات التي أُعلنت في العام 2020 الإمارات والبحرين والمغرب، وفي يناير من العام 2021 وقعت الحكومة السودانية على الإعلان العام، حيث أعلنت السفارة الأمريكية في الخرطوم أن السودان وقع مع الولايات المتحدة "اتفاقات أبراهام"، التي وافقت بموجبها الخرطوم على تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، وذلك بعدما أزالت الولايات المتحدة السودان من قائمة عقوباتها المفروضة على الدول الراعية للإرهاب، لكن عدم الاستقرار المستمر داخل السودان أخر قدرتها على إضفاء الطابع الرسمي على اتفاقية ثنائية مع إسرائيل.

نتنياهو 
نتنياهو 

دوافع انضمام كازاخستان للاتفاقات

تعتبر كازاخستان انضمامها إلى "اتفاقات أبراهام" اتساقًا مع سياستها الخارجية التي تسعى للتعاون والحوار، في ظل العلاقات الدبلوماسية الكاملة التي تربط بين البلدين منذ أكثر من 30 عامًا، حيث وصفت كازاخستان انضمامها المتوقع إلى الاتفاقات الإبراهيمية بأنه خطوة "طبيعية ومنطقية"، مؤكدة أن هذه الخطوة "تمثل استمرارًا لمسار سياستها الخارجية الذي يرتكز على الحوار والاحترام المتبادل وتعزيز الاستقرار الإقليمي".

وفي ظل هذه العلاقات بين كازاخستان وإسرائيل، تسعى كازاخستان إلى استمرار نهجها في "التعددية الدبلوماسية" والابتعاد عن المحاور المغلقة، وهي سياسة تحرص عليها منذ استقلالها في عام 1991 لتحقيق التوازن بين القوى الكبرى والإقليمية، وهو ما يحقق لها عددًا من الأهداف التي تتمثل في:

أولًا: التوازن الإقليمي وتعددية المحاور

منذ استقلال كازاخستان في عام 1991 تتبع سياسة تعددية المحاور، وهي السياسة التي تسعى إلى بناء علاقات متوازنة وودية مع جميع القوى الكبرى ذات التأثير العالمي وتنمية علاقات متبادلة المنفعة مع كل الدول ذات الدور المهم في الشؤون العالمية، من أجل ضمان استقلال الدولة الصغرى أو المتوسطة وحماية سيادتها.

رئيس كازاخستان - قاسم جومارت توكاييف
رئيس كازاخستان - قاسم جومارت توكاييف

وتهتم كازاخستان بهذه السياسة لعدة أسباب، حيث إن كازاخستان محصورة بين روسيا والصين، وكلتاهما قوتان عظميان، لذا سعت لتجنّب الوقوع في تبعية لأي منهما. ومن منطلق البراجماتية السياسية تتعامل كازاخستان مع قوى متعارضة: "روسيا، الصين، الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي"، إضافة إلى علاقاتها الإقليمية مع "إيران وتركيا" دون انحياز واضح لأي محور.

وقد استخدمت كازاخستان لتحقيق هذه السياسة مواردها من النفط والغاز لتجذب استثمارات من الصين والولايات المتحدة وأوروبا، وتكسر احتكار روسيا لخطوط الأنابيب. وقد أتاح تنويع الشراكات الاقتصادية لها موازنة النفوذ الروسي–الصيني واستغلال المنافسة بين القوى الكبرى لصالحها، ما مكنها من نسج شبكة من العلاقات الاقتصادية والسياسية مع جميع القوى الكبرى.

ثانيًا: تعزيز الشراكات التقنية والتجارية

تضع كازاخستان على رأس أولوياتها في إدارة علاقاتها الخارجية توسيع التعاون الاقتصادي وتنويع اقتصادها وتقليل الاعتماد على جيرانها الأقوى باعتبارها دولة غير ساحلية، وقد يمكنها الانضمام إلى "اتفاقات أبراهام" من الاستفادة في تعزيز التعاون مع كل من إسرائيل والولايات المتحدة، لا سيما في تحسين الوصول إلى التكنولوجيا الإسرائيلية والأمريكية.

وفي المقابل ستسعى إسرائيل لتكون بمثابة قناة مثالية لتوثيق العلاقات بين الاقتصاد العالمي وأكبر اقتصاد يشهد نموًا مستمرًا في آسيا الوسطى، حيث يبلغ الناتج المحلي الإجمالي لكازاخستان 262 مليار دولار أمريكي، ولديها القدرة على تحقيق نمو أكبر مستقبلًا، ولذلك فإنه من المفيد لها ألا تقتصر علاقاتها على أكبر الشركاء التجاريين في "روسيا والصين".

وقد تسعى كازاخستان بخطوة الانضمام إلى "اتفاقات أبراهام" إلى تعاون وثيق مع الولايات المتحدة في تصدير طاقتها ومعادنها الحيوية عبر "الممر الأوسط"، وهو طريق العبور الذي يمتد غربًا عبر أذربيجان، والذي يوفر ممرًا آمنًا بعيدًا عن الشركاء التجاريين التقليديين لروسيا وإيران، كما أن احتمالية حصول استثمارات كبيرة من داعمين مثل الولايات المتحدة وأوروبا قد توفر الممر الأوسط لكازاخستان بديلاً آمنًا لصادراتها النفطية.

الرئيس بوتين
الرئيس بوتين

ثالثًا: البعد الأمني والجيوستراتيجي

لا تربط كازاخستان علاقاتها الخارجية بالاقتصاد فقط، ولكنها تضع أيضًا في الحسبان أولوياتها الأمنية والجيوستراتيجية، وذلك في ظل موقعها الجغرافي الحساس، حيث يربطها حدود طويلة مع روسيا، والصين، ودول وسط آسيا. ولذلك فإن السياسة الأمنية والجيوستراتيجية التي تتبعها كازاخستان تعتمد على استباق الأزمات أو منع التهديدات قبل وقوعها.

ولذلك فإن الانضمام إلى "اتفاقات أبراهام" يأتي في المقام الأول لإرضاء الولايات المتحدة الأمريكية، في ظل حرص كازاخستان على تطوير علاقات ودّية مع جميع الدول التي تلعب دورًا مهمًا في السياسة العالمية وتمثل مصالح عملية للدولة. وتعتبر كازاخستان أن هذه السياسة تمكنها من درء أي مظاهر تهدد أمنها وتعزيز الظروف الخارجية المواتية للتنمية السياسية والاقتصادية.

ويتبين أن مساعي كازاخستان لتحقيق مصالحها الأمنية والجيوستراتيجية ترى أن إدارة سياستها بهذه الطريقة "ليست مجرد خيار دبلوماسي، بل ضرورة أمنية فرضها الموقع الجغرافي لكازاخستان بين روسيا والصين وأفغانستان"، إضافة إلى تركيبتها السكانية المتعددة عرقيًا ودينيًا. ولذلك فإن هذه الاستراتيجية تمكنها من بناء نظام أمني فعّال في آسيا الوسطى لمواجهة التهديدات التي يأتي على رأسها الإرهاب الدولي والتطرف والهجرة غير الشرعية من أفغانستان ودول الجوار وتهريب المخدرات.

ختامًا:

يمكن القول إن انضمام كازاخستان إلى "اتفاقات أبراهام" يأتي في إطار إدارة سياستها الخارجية التي تعتمد على "تعددية المحاور" لتحقيق التوازن بين القوى الكبرى والإقليمية، وذلك لضمان أمنها واستقلالية قرارها، وهو ما يجعلها تبتعد عن التحالفات المغلقة أو الانحياز لأطراف بعينها. ولذلك فهي تسعى للموازنة بين الانفتاح على "المحور الأمريكي الإسرائيلي" والحفاظ على علاقاتها الوثيقة مع "روسيا والصين" لبناء شبكة أمان حيوية واستراتيجية.

وتضع هذه الخطوة العلاقات الإقليمية لكازاخستان في اختبار حقيقي، خاصة مع "تركيا وإيران"، ومدى قدرتها على الاحتفاظ بسياسة التوازن وتعددية المحاور، والحفاظ على علاقاتها الإقليمية والدولية، خاصة إذا كانت القوى الإقليمية تخشى من تعزيز نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة.

محمد شعت*

كاتب وباحث في الشؤون الإقليمية والدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء