رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تبدّل المزاج الأوروبي: كيف خسر اللوبي الصهيوني معركته الإعلامية والسياسية؟

مؤتمر الرابطة اليهودية
مؤتمر الرابطة اليهودية الأوروبية- أرشيفية

يسود القلق حاليًا في أوساط الحركات والتنظيمات الصهيونية المنتشرة في أوروبا نتيجة تنامي الموجة المعارضة والمنددة بالجرائم الإسرائيلية في حق الشعب الفلسطيني، ففي خلال الحرب الماضية تنامت الدعوات المطالبة بفرض عقوبات وحظر تصدير الأسلحة إلى الجانب الإسرائيلي.

هذا بجانب التظاهرات المتشحة بالكوفيات الفلسطينية المعروفة التي جابت العواصم الأوروبية المختلفة، ونجم عن الحراك المعادي للجرائم الإسرائيلية دفع حكومات بعض الدول الأوروبية إلى الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين، فخلال الحرب الماضية اعترفت ثمان دول أوروبية بفلسطين، أولها إسبانيا والنرويج وأيرلندا، ولاحقًا فرنسا وبريطانيا العضوان الدائمان في مجلس الأمن.

على مدار أكثر من قرن من الزمان شكّلت أوروبا رافدًا هامًا للحركة الصهيونية، ففيها عُقدت المؤتمرات الصهيونية الأولى (المؤتمر الصهيوني الأول كان بمدينة بازل السويسرية عام 1897)، كما كانت مصدرًا هامًا لتمويل الهجرات الإسرائيلية، كما دفعت الحكومات الأوروبية المتعاقبة إلى تأييد المطالب الصهيونية بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.

بوريس جونسون
بوريس جونسون

مؤخرًا تَغَرَّبت المواقف الأوروبية كثيرًا عن دعم الصهيونية والمواقف الإسرائيلية، إذ بدأنا نلحظ أصواتًا أوروبية متعالية تندد بالتحركات الإسرائيلية، متبنية في ذلك الوقت الرؤية الفلسطينية للصراع الدائر منذ أكثر من سبعة عقود، وهو ما أقلق الحركات والجمعيات الصهيونية الموجودة في أوروبا التي أحست بانسحاب البساط من تحت أقدامها.

تأتي في مقدمة تلك الحركات ما يسمى "مؤتمر الرابطة اليهودية الأوروبية" الذي عقد مؤتمره الخاص في 4 نوفمبر 2025 في مدينة "كراكوف" البولندية، مستضيفًا فيه العديد من الشخصيات الأوروبية المرموقة مثل رئيس الوزراء البريطاني السابق بوريس جونسون، الذي تولى الحكم من عام 2019 إلى عام 2023.

لم يكن مؤتمر الرابطة اليهودية هو الأول من نوعه، ففي 17 أكتوبر الماضي نظم كل من المؤتمر اليهودي الأوروبي (EJC) ولجنة التنسيق للمنظمات اليهودية البلجيكية (CCOJB) ومنتدى المنظمات اليهودية (FJO)، بالتعاون مع السفارة الإسرائيلية في بلجيكا ولوكسمبورج، والبعثة الإسرائيلية في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلنطي، احتفالًا بمناسبة ذكرى السابع من أكتوبر.

في هذا المؤتمر دافعت رئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا ميتسولا عن إسرائيل، مطالبة بالإفراج عن جميع الرهائن، ومحذرة من تنامي معاداة السامية في المجتمعات الأوروبية.

مؤتمر الرابطة اليهودية الأوروبية- أرشيفية 
مؤتمر الرابطة اليهودية الأوروبية- أرشيفية 

انتقاد حزب العمال البريطاني

أشدَّ بوريس جونسون، في انتقاداته لحزب العمال البريطاني ومواقفه خلال الحرب الأخيرة، واصفًا إياه بالداعم للجماعات الإرهابية، خاصة بعد إعلان رئيس الوزراء الحالي كير ستارمر، اعترافه بالدولة الفلسطينية، والذي وصفه بالأمر الخاطئ.

ركز جونسون على تغير التركيبة الداخلية لحزب العمال البريطاني، التي باتت تعج بالعديد من الجماعات المؤيدة للموقف الفلسطيني، إذ باتت الدوائر الإسلامية الحضرية تشكل أمرًا ضاغطًا على قيادة حزب العمال.

طالب جونسون القادة الأوروبيين بضرورة توضيح الفرق بين إسرائيل وحركة حماس، مدعيًا أن ميثاق الحركة يدعو إلى تدمير إسرائيل، ومؤكدًا أن إسرائيل تواجه تهديدات وجودية. لذا انتقد قرار «كير ستارمر» في ذلك الوقت، معتبرًا أن قرار الحكومة البريطانية لا يستوفي المعايير الأساسية للقانون الدولي التي وضعتها اتفاقية مونتيفيديو عام 1933، التي تحدد حقوق وواجبات الدول.

كما استغرب جونسون من تعاطف مثقفي الغرب مع فلسطين، منتقدًا في ذات الوقت التغطية الإعلامية لهيئة الإذاعة البريطانية للأحداث في غزة، واصفًا إياها بالتغطية الأحادية للأحداث.

قلق يهودي

فيما أبدى رئيس الرابطة اليهودية الأوروبية الحاخام مناحم مارغولين، تخوفه من تصاعد ما أسماه موجة الكراهية لليهود في أوروبا، إذ أشار إلى أن أحدث الاستطلاعات تشير إلى أن حوالي 20% من الأوروبيين يحملون إسرائيل مسؤولية الحرب في غزة.

وعبر مارغولين،  عن تخوفه من تحول أوروبا وعودتها مرة أخرى إلى مرحلة الهولوكوست، موضحًا أن اليهود اليوم باتوا يخشون العيش في أوروبا، ومنتقدًا في ذات الوقت الجمعيات الصهيونية المعنية بمكافحة معاداة السامية بعدم تحقيق أي إنجازات تُذكر.

ويكاد يجمع ممثلو المنظمات الصهيونية مثل إيف أوشنيسكس، رئيسة لجنة التنسيق للمنظمات اليهودية البلجيكية، وكونتور رئيس اللجنة اليهودية الأوروبية، على أن 7 أكتوبر ساهم بشكل متزايد في ارتفاع معاداة السامية في أوروبا، إذ أصبحت أمرًا شائعًا بين النخب الليبرالية بعدما كانت مقصورة في وقت سابق على اليساريين المتطرفين في حقب ماضية.

مؤتمر الرابطة اليهودية الأوروبية- أرشيفية
مؤتمر الرابطة اليهودية الأوروبية- أرشيفية

التركيز على المحرقة

لا تزال المحرقة، أو ما يعرف باسم الهولوكوست، سمة رئيسية في خطابات الجماعات الصهيونية في أوروبا، فلا تزال خطاباتهم ومقالاتهم تعج بالمحرقة وتذكير الأوروبيين بها. ففي مقال لـ"موشيه كونتور" رئيس اللجنة اليهودية الأوروبية، نُشر في مجلة "جيروزالم بوست" في 9 أكتوبر الماضي، أكد أن المحرقة ما زالت مستمرة على الأراضي الأوروبية رغم مرور ثمانين عامًا عليها.

ويستشهد "كونتور" بحادث الاعتداء على الكنيس اليهودي في مدينة مانشستر الإنجليزية يوم عيد الغفران (6 أكتوبر)، والذي أدى إلى مقتل اثنين من اليهود، مشيرًا إلى ارتفاع موجات الكراهية ضد اليهود في بريطانيا، والتي دفعت إلى تقييد حرية ونشاط اليهود حتى في أداء طقوسهم الدينية التي باتت تمارس خلف الأسوار الحديدية والحراسات المشددة.

يرى كونتو أن أوروبا حاليًا باتت تتبنى الرؤية الفلسطينية، وأن الأفكار المعادية لإسرائيل واليهود متنامية بشكل مخيف، موضحًا أن منفذ هجوم مانشستر الأخير تمت تغذيته فكريًا بالعديد من الأفكار والمبادئ المعادية للصهيونية، التي باتت ملموسة في كل شيء: في الإعلام، والفصول الدراسية، والإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي.

مستشهدًا بأن المحرقة في "أوشفيتز" (معسكر اعتقال في بولندا اتخذه النازيون لمعاقبة اليهود خلال الحرب العالمية الثانية) بدأت في البداية بخطابات الكراهية التي حولت وقتها اليهود إلى وحوش ضارية ينبغي الفتك بهم، وأن قتلهم كان يُعد فضيلة يسعى إليها المواطن الأوروبي.

مغازلة الحشود الشعبوية

في محاولة لتفسير تنامي الخطاب المعادي لليهود والصهيونية في أوروبا، يشير «كونتور» باللوم إلى القادة السياسيين الذين باتوا يخضعون لرؤى وتوجهات الحشود الشعبوية التي تعادي إسرائيل، مدعيًا أن اعتراف القادة بدولة فلسطين من شأنه صك شرعية للأعمال المتطرفة.

وطالب "كونتور" بأهمية ردع الأيديولوجيات المعادية لإسرائيل التي باتت تتبناها معظم المنظمات المدنية والحقوقية الأوروبية، التي تشرعن التمييز ضد اليهود وتصدر الإدانات الأحادية ضد إسرائيل. فالأمن وحده لن يكفي لردع الهجمات على اليهود، لذا يجب نزع الشرعية عن معاداة السامية في أوروبا.

ختامًا:

يتضح من تحركات المنظمات الصهيونية في أوروبا أنها تعاني من العديد من الأزمات الفكرية التي تساهم مع مرور الوقت في ارتفاع درجة الوعي لدى المجتمع الأوروبي بأبعاد القضية الفلسطينية واتخاذ مسافة بعيدة عن الرؤية الإسرائيلية للصراع، ومن أبرز تلك الأزمات:

النظرة المتعالية للغير:

من خلال تعبيرات بوريس جونسون و«رئيس اللجنة اليهودية الأوروبية موشيه كونتور للحشود الداعمة للقضية الفلسطينية، نجدهما دائمًا ما يستخدمان مصطلح "الشعبوية" كنوع من الدونية والتقليل من شأنهم، وهو الأمر الذي يساهم مع مرور الزمن في تزايد موجات معاداة السامية في أوروبا.

التذكير بالمحرقة:

خلال أحاديث رؤساء المنظمات الصهيونية دائمًا ما يستخدمون لفظ «المحرقة» والتذكير بما حدث خلال الحرب العالمية الثانية التي انقضت منذ أكثر من ثمانية عقود.

كان الحديث عن المحرقة في الماضي يُجدي حيث كان الأوروبيون حديثي عهد بالحرب العالمية الثانية، أما الآن فالأجيال الحديثة في المجتمعات الأوروبية مثل جيل الألفية وما بعده وجيل زد، انقطعت صلتهم البصرية والسمعية بالحرب العالمية الثانية، وباتت جزءًا من ماضي أجدادهم، لذا لن تجدي معهم ذكريات المحرقة، وإنما الذي يجدي معهم حاليًا صورة الدمار والانتهاكات التي ترتكبها إسرائيل يوميًا في قطاع غزة.

الانفصام الإنساني:

تعاني تلك التنظيمات من حالة فصام، فتدّعي ـ سواء كان ذلك صحيحًا أم خاطئًا ـ أن ضحايا حادث 7 أكتوبر وصلوا إلى 1200 ضحية، متجاهلة في الوقت نفسه عدد الضحايا الفلسطينيين الذي وصل إلى 66 ألف قتيل وتشريد مليوني شخص، والمقارنة بين الضحايا هنا وهناك كفيلة بأن تجعل كفة الرواية الفلسطينية هي الراجحة، وأن أية محاولة لتجاهل الانتهاكات الإسرائيلية ستُقابل برفض إنساني في المجتمعات الأوروبية الحديثة.

حرب صليبية أخرى:

معظم مؤيدي إسرائيل حاليًا من أوروبا من أنصار اليمين الأوروبي المتشدد، لذا تحاول المنظمات الصهيونية الضغط على ذلك التيار مذكّرة إياه بخطورة المسلمين في أوروبا ودورهم الداعم لخصومهم السياسيين، ومحاولة تحويل الصراعات الحزبية في أوروبا إلى صراع مسيحي–إسلامي على غرار الحملات الصليبية، فتصريحات بوريس جونسونحملت تلميحات إلى كون المسلمين هم من أنجحوا حزب العمال البريطاني، وهم من ضغطوا على كير ستارمر من أجل اتخاذ قرار الاعتراف بفلسطين.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء