نيجيريا في مرمى ترامب.. اتهامات باضطهاد المسيحيين وتهديد بقطع المساعدات
يبدو أن الرئيس الأمريكي "ترامب" قد وُفِّق في اختيار الاسم المناسب، فتغيير اسم وزارة الدفاع "البنتاجون" إلى "وزارة الحرب" متفق تمامًا مع سياساته التي الذي عبّر عنها مرارًا بالأفعال لا بالأقوال: "السلام بالقوة"، ذلك النهج الأمريكي الذي اتبعه منذ وصوله إلى البيت الأبيض، وبالفعل كانت للسياسات ذات الطابع الخشن.
تطبيق السلام من خلال القوة ظهر جليًّا في القضية الفلسطينية، وفي تعامله مع إيران وحلفائها في الإقليم، وفي الحرب الروسية الأوكرانية، وفي قضية تهريب المخدرات (فنزويلا). ويدّعي ترامب أن هذه السياسة هي الطريقة المثالية والوحيدة للتعامل مع الملفات المعقدة، والتي يستخدم فيها مبدأ الفرصة الأخيرة، أو كما يقولها المتخصصون "سياسة حافة الهاوية"، عبر تحذير الخصم أو حتى خداعه والشروع في مفاوضات، ثم استخدام القوة بشكل مفاجئ، وذلك عبر السماح باغتيال طواقم التفاوض، أو استخدام الحسابات الإلكترونية لإرسال رسائل للخصم، أو القيام بضربات مباشرة لإخضاعه، ومن ثم التأثير عليه بوضعه في موقف الضعيف، ثم إرغام الأخير على تنفيذ الشروط الأمريكية.
وفي خطوة تصعيدية تتوافق مع سياسة السلام عن طريق القوة، استخدم الرئيس "ترامب" حسابه على منصة "تروث سوشيال" لتوجيه تحذيرات لنيجيريا، على خلفية مزاعم تروّج لاستهداف المسيحيين النيجيريين عبر المتطرفين الإسلاميين. وقد اتهم الرئيس "ترامب" الحكومة النيجيرية بـ"السماح" بقتل المسيحيين، وهدد بإنهاء جميع المساعدات الأمريكية للبلاد إذا استمر ما وصفه بـ"الاضطهاد المسيحي". يناقش هذا التقرير تهديدات ترامب الأخيرة، وذلك على النحو الآتي:
أولًا: مضمون تصريحات ترامب ضد نيجيريا
كتب الرئيس "ترامب" على منصته "تروث سوشيال" أنه طلب من "وزارة الحرب" وضع خطة لهجوم محتمل، في إطار تحذيره من أن المسيحية "تواجه تهديدًا وجوديًا في نيجيريا". وأضاف: "إذا استمرت الحكومة النيجيرية في السماح بقتل المسيحيين، ستوقف الولايات المتحدة فورًا كل المساعدات لنيجيريا"، واختتم منشوره بـ"تحذير: من الأفضل للحكومة النيجيرية أن تتحرك بسرعة!".

ولم تكن هذه التصريحات بالجديدة، ففي يوم 31 أكتوبر الماضي كتب على حسابه الخاص على المنصة نفسها: "آلاف المسيحيين يُقتلون، ويتحمل متطرفون مسؤولية هذه المذبحة الجماعية"، دون أن يقدم أدلة تدعم ادعاءاته. وقد أشار "ترامب" إلى أنه يسمي نيجيريا "دولة ذات اهتمام خاص"، وفقًا لتصنيف وزارة الخارجية الأمريكية للدول "المتورطة في انتهاكات خطيرة للحرية الدينية".
الأمر لم يتوقف عند ترامب فقط، بل إن أحد داعميه والمنتسبين للحزب الجمهوري، وهو "توم حرب"، قد ظهر على إحدى القنوات الفضائية العربية في 27 أكتوبر الماضي ليدّعي "أن المسيحيين يُقتلون في نيجيريا"، وهو اليوم الذي يواكب ذكرى الاحتفال بالحريات الدينية، وهي المناسبة التي تم إقرارها مع إدارة "بيل كلينتون" منذ توقيع قانون الحرية الدينية العالمية.
ثانيًا: نيجيريا والتهديدات الأمنية
وبالآلية نفسها التي اتبعها "ترامب"، ردّ الرئيس النيجيري "بولا أحمد تينوبو" على منصة "إكس" قائلًا: "إن وصف نيجيريا بأنها غير متسامحة دينيًا لا يعكس واقعنا الوطني"، مضيفًا أن "الحرية الدينية والتسامح كانا مبدأً أساسيًا في هويتنا الجماعية وسيظلان كذلك دائمًا".
واقع الأمر أن الرئيس النيجيري يجد نفسه في مأزق حقيقي، إذ تمثل تصريحات "ترامب" عامل ضغط خارجي، في ظل انتشار التهديدات الأمنية غير التقليدية في نيجيريا، وأبرزها بالطبع إرهاب "بوكو حرام" وفصائلها المنتشرة في الشمال الشرقي وعلى أطراف بحيرة تشاد، وتهديدات العصابات الإجرامية واللصوصية في الشمال الغربي، وصراعات المزارعين والرعاة في الشمال الأوسط، والمجموعات الانفصالية في الجنوب الشرقي، وتحديات إرهاب مجموعات رعاة الفولاني، وأخيرًا شبح الانقلاب العسكري الأخير، إذ رددت وسائل الإعلام المحلية أن محاولة انقلابية تمت عبر عدد من الضباط وتم القبض عليهم.

وفي أعقاب هذه التطورات وتردي الحالة الأمنية، قام "تينوبو" بإجراء تغييرات على مستوى القيادة العليا والوسطى للمؤسسة العسكرية، في محاولة منه لتحقيق توازن إقليمي، وضخ دماء جديدة في الهيكل العسكري لتغيير الاستراتيجية والتكتيك المتبعين في عمليات مكافحة الإرهاب، التي تشمل مواجهة خطر "بوكو حرام" وفصائلها أو عمليات مكافحة الإرهاب في الشمال الغربي ضد العصابات الإجرامية واللصوصية.
إن اعتبار الصراع في نيجيريا كهجمات منظمة ضد المسيحيين يختزل الأزمة في نيجيريا، ويسعى لتبسيط انعدام الأمن باعتباره صراعًا مسيحيًا–إسلاميًا، إذ إن الهجمات في ولايات مثل "بلاتو" و"بينوي" و"زامفارا" و"بورنو" هي أزمات متداخلة تشمل التنافس العرقي وندرة الموارد والجرائم العنيًفة والإرهاب.
ثالثًا: هل يواجه المسيحيون فعلًا تهديدًا وجوديًا؟
يمكن القول إن الأزمة في نيجيريا متعددة الأبعاد، إذ تنقسم نيجيريا جغرافيًا إلى ثلاثة أقاليم وتضم 36 ولاية. وتتميز نيجيريا بالتنوع الشديد، وهذا التنوع يشمل اختلاف الطوائف داخل الدين الواحد.
يتمركز المسلمون في الشمال مع وجود ضئيل في الجنوب الغربي، ويتمركز المسيحيون في الجنوب الشرقي والغربي مع وجود ضئيل في الشمال. المسلمون ينقسمون ما بين سنة وشيعة وصوفية وسلفية، والمسيحيون ينقسمون إلى كاثوليك وبروتستانت.
ويُعد تيار المسيحية الخمسينية من أبرز التيارات الإنجيلية في نيجيريا، كما أن جمعياته لها صدى كبير ومواقف مؤثرة في السياسة الخارجية النيجيرية، إذ يُرجع لها التأثير على قرار نيجيريا سابقًا بالانضمام إلى منظمة التعاون الإسلامي، والاعتراض على قرارات الولايات الشمالية بتطبيق نموذج الشريعة الإسلامية.
وتختلف التهديدات الأمنية التي يلاقيها المسيحيون في نيجيريا، بل إن أبرز ضحاياهم تتواجد في الشمال الأوسط وعلى يد متطرفي الفولاني، وهذا لا يمنع أن ولاية غرب إفريقيا، أحد فصائل "بوكو حرام"، تنظم هجمات ضدهم، لكن الثابت أن الأخير لا يهدد الوجود المسيحي المتمركز في إقليم الجنوب الشرقي، بل إن هذا الإقليم لديه نزعة انفصالية أساسًا، ويريد إنشاء دولة "بيافرا"، في إشارة إلى محاولة الانفصال عن الاتحاد النيجيري أواخر الستينيات والتي أدت إلى حرب أهلية بعد ذلك.
على أن هذا الطرح لا ينفي تعرض المسيحيين لهجمات على يد المتطرفين الإرهابيين، لكنه يثبت أن النيجيريين جميعهم بمختلف طوائفهم، وخاصة المسلمين، يعانون من ويلات إرهاب "بوكو حرام" والعصابات الإجرامية التي تستهدف الشمال النيجيري.

رابعًا: حماية المسيحيين أم محاولة لاكتساب نفوذ؟
في خضم سياسات مبدأ ترامب "السلام من خلال القوة"، وبتتبع نهجه في السياسة الخارجية تجاه الدول الإفريقية، يمكن أن تتضح بشكل أكبر نوايا ترامب ضد نيجيريا. وهنا نحن لا نقلل من بعض التهديدات التي يلاقيها المسيحيون في نيجيريا، إلا أن هذا الخطر يواجهه أيضًا المسلمون، بل إن أكثر ضحايا "بوكو حرام" كانوا مسلمين ومن الشمال الشرقي، حتى إن عصابات اللصوصية والإجرام لا تدقق في هوية القرى الدينية قبل أن تسطو عليها، فهي تستهدف هذه القرى بغض النظر عن دينها.
وعلى جانب آخر، التوترات بين المزارعين والرعاة ترجع في بعدها الأساسي إلى سياسات الحكومة غير الرشيدة في إدارة هذا الملف.
وقد يرى ترامب أثرًا لتصريحاته في تغيير نهج الحكومة النيجيرية لتحسين استجابتها للخطر الإرهابي — وهو ما شرع فيه "تينوبو" فعلاً قبل تصريحات ترامب — لكن أيضًا يمكن لهذه التهديدات أن تجلب مزيدًا من النفوذ الأمريكي في الدولة الأكبر إفريقيًا، والتي تعتبر عملاق النفط الإفريقي، وتحوي ثروات من المعادن النادرة، مع إمكانية الاستفادة من عقد صفقات اقتصادية كبرى تتمتع فيها الولايات المتحدة باستثمارات ضخمة في السوق النيجيري الذي يبلغ تعداد سكانه 230 مليون نسمة ويتميز بالتعدد الشديد.
ففعليًا قلّص "ترامب" تمويله لوزارة الخارجية إلى النصف، كما أوقف عمل الهيئة الأمريكية للتنمية الدولية، في مقابل اعتماد "نموذج استثماري جديد قائم على المصالح المتبادلة"، وهنا يمكن الحديث عن جلب نيجيريا إلى طاولة المفاوضات بالقوة، وإملاء الشروط الأمريكية.
وقد تكون تهديدات "ترامب" مساومة من جهته لنيجيريا، خاصة بعد تنامي علاقاتها مع روسيا والصين، ففعليًا يمكن رصد تنامي الاستثمارات الصينية في نيجيريا، وتزايد الطلب النيجيري على الأسلحة الروسية والصينية، كما أن نيجيريا ولأول مرة تعلن مشروعها للطاقة النووية بمساعدة روسيا، ويحدث كل هذا في إطار الحرب المشتعلة على النفوذ في إفريقيا بين الصين وروسيا والولايات المتحدة والدول الأوروبية.

والملاحظ أن "نيجيريا"، التي تعتبر بوابة النفوذ في الغرب الإفريقي، قد غابت عن اجتماع يوليو في البيت الأبيض الذي ضم رؤساء بعض الدول الإفريقية مثل (غانا، غينيا الاستوائية، ناميبيا)، وبالتالي يمكن فهم الحملة التي يشنها "ترامب" ضد نيجيريا في هذا الإطار.
وقد تشكل تهديدات "ترامب" الأخيرة استجابة لضغط بعض المنظمات المسيحية اليمينية في الداخل الأمريكي، والتي لها علاقة بتيار المسيحية الخمسينية المنتشر في نيجيريا، لتصعيد الضغط على الرئيس النيجيري لحماية المسيحيين. وهنا يمكن الحديث عن تنامي النزعة الدينية في إدارة ترامب، فليس من المعقول أن تحرك الولايات المتحدة أسلحتها للدفاع عن المسيحيين في دولة أخرى، خاصة أن مؤيديه وحركة "ماجا" يرفضون هذا النهج، ويدعونه إلى الالتزام بسياسة "أمريكا أولاً"، وليس "المسيحيين في دولة أخرى أولاً"، وهو التيار نفسه الذي استجلب الدعم غير المشروط لإسرائيل.
وختامًا:
فعلى الرغم من جرأة تصريحات "ترامب" في تهديد دولة ذات سيادة، وهو تهديد خارج عن الأعراف الدبلوماسية والدولية، فإنه يأتي ضمن سياسة "ترامب" المتمثلة بسياسة الفرصة الأخيرة والسلام بالقوة.
والأخير لا يعطي اهتمامًا لا بالدول الإفريقية أساسًا ولا حتى بالأعراف الدولية والدبلوماسية، إذ سبق أن تهجم على الأفارقة، وقد كانت له تصريحات مشينة ضدهم في فترة ولايته السابقة.
لكن الثابت من سياسات ترامب هو الضغط على الخصم لأقصى درجة ثم الإتيان به إلى طاولة المفاوضات، ومن ثم الوصول إلى تفاهمات تخدم الطرف الأمريكي بعد إذعان الخصم لسياسات القوة.
وفي الأجل القريب، فمن المستبعد قيام ترامب بتوجيه ضربات عسكرية مباشرة لنيجيريا، ولكن من المحتمل زيادة العقوبات الاقتصادية عليها وتقليص المساعدات التي تتلقاها، وهي أساسًا مساعدات في مجال الأمن والدفاع. أي أن هذه الخطوة تنطوي على مخاطر قد تزيد من حدة التهديدات الأمنية.
وأخيرًا، يعلم ترامب جيدًا أن التدخل العسكري ضد التنظيمات الإرهابية لا يؤدي إلى انتهاء التنظيمات نفسها، خاصة إذا كانت أسباب وجودها لا تزال مستمرة.



