رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

التقارب الهندي الإسرائيلي.. أهداف استراتيجية ورسائل موجهة إلى باكستان والعالم الإسلامي

نتنياهو وسارة ورئيس
نتنياهو وسارة ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي

في زيارة هي الأولى من نوعها عقب التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة في 9 أكتوبر الماضي، قام وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، بزيارة رسمية إلى الهند التقى خلالها بنظيره الهندي الدكتور سوبرامانيام جايشانكار، وجاءت الزيارة تحت عنوان بناء شراكة طويلة الأمد بين الجانبين.

خلال زيارته أكد "ساعر" تقديره لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، باعتباره أول زعيم عالمي يُجري اتصالًا هاتفيًا برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بعد انطلاق عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر 2023، إذ أبدى مودي تعاطفًا وقتها مع إسرائيل، معتبرًا أن العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة عملية دفاع عن النفس.

لم يفت "ساعر" خلال الزيارة الإشارة إلى نزع سلاح "حركة حماس" ووصمها بالإرهابية، في محاولة منه لجذب التعاطف الهندي الذي يواجه حربًا مفتوحة مع العديد من التنظيمات الإسلامية في منطقة جامو وكشمير، خاصة تنظيم «عسكر طيبة» الذي يتشابه مع حركة حماس في العديد من الخصائص، أبرزها المرجعية الفكرية والدينية.

توقيع اتفاقية تعزيز الشراكة الأمنية بين إسرائيل والهند 
توقيع اتفاقية تعزيز الشراكة الأمنية بين إسرائيل والهند 

يبدو أن "ساعر" خلال زيارته للهند يحاول الترويج للمشروع الإسرائيلي في القضاء على حركة حماس، خاصة بعد نص اتفاق وقف إطلاق النار على نزع سلاح الحركة، وهو ما قد يسيل لعاب قادة نيودلهي في اتخاذ خطوات مماثلة تجاه التنظيمات التي تصفها بالإرهابية في كشمير.

تأتي زيارة ساعر للهند في هذا الوقت تتويجًا للعلاقات المتصاعدة بين البلدين، فخلال العقدين الأخيرين شهد البلدان تصاعدًا غير مسبوق في مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية، فضلًا عن الزيارات المتبادلة بين الجانبين، فالعلاقات بين البلدين شهدت انقلابًا واضحًا في المواقف والسياسات، فمن القطيعة التامة إلى التحالف والشراكة الاستراتيجية.

وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر 
وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر 

من الرواية الفلسطينية إلى الرواية الإسرائيلية

غيرت الهند زاوية رؤيتها للصراع العربي الإسرائيلي 180 درجة تمامًا، فبعد أن كانت مؤيدة للحق العربي في وقت سابق، باتت الآن مدافعة عن الرؤية الإسرائيلية، وذلك بعد صعود الحزب الهندوسي إلى سدة الحكم، خاصة في عام 2014. 

أتت المواقف الهندية الرافضة لإسرائيل قبل قيام الدولة الإسرائيلية، ففي عام 1947 رفضت الهند مشروع تقسيم فلسطين، كما رفضت قبول عضوية إسرائيل في عام 1949، وفي عام 1950 تم الاعتراف بإسرائيل على مضض وتحت ضغط الدول الكبرى وقتها، لكنها في عام 1975 اعترفت نيودلهي بمنظمة التحرير الفلسطينية ومنحتها الاعتراف الكامل بتمثيل الشعب الفلسطيني في عام 1980 في عهد رئيسة الوزراء السابقة أنديرا غاندي، وفي عام 1988 تم الاعتراف بدولة فلسطين.

كان التقارب الفلسطيني الهندي في عهد حكومات حزب المؤتمر الذي خاض نضالات الاستقلال في نهاية الأربعينيات، لكن بعد ضعف قواه وانحسار مده السياسي في نهاية السبعينيات وصعود حزب بهاراتيا جاناتا، بدأ الأخير في مد جسور تواصل بسيطة مع إسرائيل.

ساهم انهيار الاتحاد السوفيتي في عام 1991 ودخول منظمة التحرير الفلسطينية في سياقات اتفاقات مدريد ـ أوسلو في تحرر السياسة الخارجية الهندية تجاه إسرائيل، الأمر الذي ساهم في تطبيع العلاقات بشكل كامل بين الجانبين في عام 1992 وتبادل السفراء.

رأينا في السابق كيف كانت الهند مناهضة للمشروعات الأممية الرامية لإنشاء دولة إسرائيل، مثل رفضها لخطة التقسيم عام 1947، لكن مؤخرًا انقلب الموقف الهندي رأسًا على عقب، ففي عام 2014 وخلال عملية الجرف الصامد رفضت الهند تصويتًا في البرلمان الداخلي لإدانة العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.

وفي يونيو 2019 صوتت الهند ضد قبول المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان كعضو مراقب في المجلس الاقتصادي والاجتماعي بالأمم المتحدة، وخلال الحرب الأخيرة دعمت الهند إسرائيل داخل أروقة الأمم المتحدة، فمثلًا في 27 أكتوبر 2023 امتنعت الهند عن التصويت لصالح مشروع قرار أممي بوقف إطلاق النار في غزة، وفي نوفمبر من ذات العام امتنعت أيضًا عن التصويت لصالح مشروع قرار أممي خاص بالتحقيق في الانتهاكات الإنسانية في غزة، وفي أبريل 2024 امتنعت عن التصويت لصالح مشروع باكستاني قدم في مجلس حقوق الإنسان يدين الانتهاكات الإسرائيلية ويفرض حظر تصدير سلاح لإسرائيل.

 وزير الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار
 وزير الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار

بداية التعاون العسكري

بدأت العلاقات التبادلية العسكرية بين الجانبين في وقت مبكر وتحديدًا عام 1962، أي في عهد الرئيس الراحل جواهر لال نهرو المؤيد للقضايا العربية وقتها، ففي تلك السنة اندلعت الاشتباكات الحدودية بين الصين والهند وشهدت تفوقًا كاسحًا للجانب الصيني، مما استدعى تدخلًا إسرائيليًا لعرض المساعدات على الجانب الهندي.

في البداية وافق الجانب الهندي، لكن اشترط نهرو وقتها أن تبقى الصفقة في طي السرية والكتمان حتى لا تُثار حفيظة الدول العربية وقتها، إلا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك ديفيد بن جوريون، رفض سرية الصفقة وأصر على العلانية، وهو ما اضطر نهرو إلى الإذعان له في نهاية الأمر تحت وطأة الضربات الصينية وتراجع الجيش الهندي.

دائمًا ما كانت إسرائيل على خط النزاعات الحدودية الهندية التي شكلت سوقًا رائجة للأسلحة الإسرائيلية، فخلال الحرب الهندية الباكستانية عام 1999 والمعروفة باسم "حرب كارجيل"، وجدت القوات الهندية نفسها في مأزق عملياتي وعجز عن صد الهجوم الباكستاني على قرية "كارجيل" نتيجة نقص المخزون من الذخائر، مما دفع نيودلهي وقتها إلى الاستعانة بالجانب الإسرائيلي لتزويدها بالذخائر اللازمة، والتي بفضلها تمكن الجيش الهندي من استعادة زمام الأمور ودحر القوات الباكستانية.

في بداية الألفية الجديدة تنامى التعاون العسكري الهندي الإسرائيلي خاصة بعد معركة كارجيل، ففي يوليو 2001 وقع البلدان عقدًا بقيمة ملياري دولار تزود فيه القوات الهندية بمعدات متطورة في المجال الجوي، وفي نوفمبر 2002 تم توقيع عقد آخر للتعاون في مجال الأبحاث الفضائية.

وخلال زيارة رئيس الوزراء أرييل شارون للهند في سبتمبر 2003، رأس وفدًا ضم 150 عضوًا أغلبهم من المختصين بالصناعات العسكرية، ونجح في توقيع صفقة بقيمة مليار دولار صدرت فيها إسرائيل ثلاثة أنظمة إنذار مبكر من طراز فالكون.

وخلال الفترة من 2015 إلى عام 2019 تزايد التعاون العسكري والأمني بين البلدين لتصبح إسرائيل ثاني أكبر مورد للأسلحة للهند بعد روسيا، وتركز الواردات الهندية من الأسلحة الإسرائيلية على الأسلحة فائقة التكنولوجيا من أنظمة الرادارات وأنظمة الدفاع الجوي.

شملت مبيعات الأسلحة الإسرائيلية ذخائر للصواريخ والطائرات المقاتلة وطائرات مسيرة من طرازات هيرون وهاروب وسكاي ستريكر، فضلًا عن أنظمة دفاع جوي من طرازات باراك وسبايدر، وكذلك الأسلحة الرشاشة من طراز عوزي والأنظمة الإلكترونية، وأخيرًا الرادارات البحرية والجوية.

خلال الحرب الأخيرة بين الهند وباكستان برز أيضًا دور السلاح الإسرائيلي من خلال صواريخ سبايس التي قصفت العديد من المواقع الباكستانية، فضلًا عن تشغيل منظومة الدفاع الجوي 
"سبايدر".

تختلف تقديرات مبيعات الأسلحة المتبادلة بين الهند وإسرائيل، إلا أن تقريرًا منسوبًا إلى معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام رجح حجم الإنفاق العسكري المتبادل بين الجانبين إلى 37 مليار دولار ما بين عامي 2012 و2022.

حرب غزة وتأثيرها على مبيعات الأسلحة والعمالة

كان التبادل العسكري بين الجانبين يسير في اتجاه واحد من تل أبيب إلى نيودلهي، إلا أن ظروف الحرب الأخيرة جعلت الأمور تتبدل، ففي تقرير يعود إلى صحيفة "يديعوت أحرونوت" أفاد باستيراد إسرائيل قذائف وأسلحة خفيفة ومسيرات من الهند مثل مسيرة (هيرمس ـ 900)، والتي تعد إسرائيلية في الأساس، حيث إن تل أبيب أقامت مصنعًا في مدينة حيدر آباد لإنتاج تلك المروحيات.

التعاون الاسرائيلي الهندي
التعاون الاسرائيلي الهندي

وفي مجال آخر ساهم تعزيز العلاقات الإسرائيلية الهندية في فتح آفاق جديدة أمام العمالة الهندية التي لاقت رواجًا خلال الحرب الأخيرة، ففي مايو 2023 وقع الطرفان اتفاقًا على جلب العمالة الهندية بواقع حوالي 42 ألف عامل هندي.

كما ساهم التقارب بين البلدين في تسهيل هجرة اليهود الهنود إلى إسرائيل، إذ بلغ عدد اليهود من أصول هندية حوالي 85 ألف يهودي هندي، وتُقدَّر إحصائيات العمالة الهندية بحوالي 20 ألف عامل هندي في البلاد.

الممر الهندي بديلًا للممر الصيني

ردًّا على مشروع الحزام والطريق الذي يعبر عن ذروة النشاط الاقتصادي الصيني ومفتاح سيادته على كافة اقتصاديات دول العالم، دعمت الولايات المتحدة مشروعًا منافسًا للمشروع الصيني، وهو مشروع الممر الاقتصادي بين الهند ودول الشرق الأوسط وأوروبا.

يهدف المشروع إلى ربط الهند تجاريًا واقتصاديًا بدول الشرق الأوسط، وتحديدًا دول الخليج العربي وإسرائيل، بدول أوروبا الشرقية خاصة اليونان، الأمر الذي يعزز فرص التنمية في تلك الدول.

تم الإعلان عن ذلك المشروع في 10 سبتمبر 2023 خلال قمة مجموعة العشرين في مدينة نيودلهي، ويلاحظ أن الإعلان عن المشروع سبق عملية طوفان الأقصى مباشرة، الأمر الذي أدى إلى ربط نتائج الحرب بإمكانية تحقيق المشروع.

وفقًا لما أُعلن، يتكون المشروع من ممرين، فالأول يبدأ من ميناء موندرا الهندي على الساحل الغربي ثم ميناء الفجيرة الإماراتي، ومن الفجيرة يتم استخدام خطوط السكك الحديدية إلى السعودية والأردن وانتهاءً بميناء حيفا الإسرائيلي على البحر المتوسط، أما الممر الغربي فيبدأ من ميناء حيفا إلى موانئ اليونان وإيطاليا وميناء مرسيليا بفرنسا.

ختامًا:

تأتي زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي الأخيرة للجانب الهندي في إطار استراتيجية إسرائيلية واضحة المعالم تهدف إلى تحقيق العديد من النقاط المركزية الهامة، وهي:

أولًا: تعميق التعاون المتبادل بين الجانبين، فالهند باتت شريكًا اقتصاديًا لا غنى عنه للسوق الإسرائيلية، خاصة في ظل حملات المقاطعة التي فُرضت على إسرائيل بسبب الحرب الأخيرة، فالهند باتت المتنفس الاقتصادي الأبرز بالنسبة لإسرائيل.

ثانيًا: خلال الحرب الأخيرة حوصرت إسرائيل دبلوماسيًا، وازداد الحصار بعد قرار المحكمة الجنائية الدولية بتوقيف رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، لذا تأتي زيارة ساعر في محاولة لكسر الحصار الدبلوماسي عن البلاد.

ثالثًا: شكلت تجربة إسرائيل في التعامل مع حركة حماس الفلسطينية وإضعاف قدرات حزب الله اللبناني تجربة مميزة ونموذجًا يُحتذى به للدول التي تعاني من أزمات أمنية مع جماعات مشابهة، مثل الهند التي تواجه تحديات مماثلة في منطقة كشمير.

رابعًا: يشكل التقارب الهندي الإسرائيلي محاولة إسرائيلية غير مباشرة للضغط على باكستان من أجل التطبيع معها، فباكستان تعد القوة النووية الإسلامية الوحيدة، كما أنها تمتلك علاقات تواصل مع العديد من التنظيمات الإسلامية مثل حماس وطالبان وغيرها، لذا تحاول إسرائيل من حين لآخر أن تجرّ باكستان إلى سياق تحالفاتها في المنطقة.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء