خطاب "الشروط المستحيلة".. كيف حاول خامنئي ترميم "هيبة إيران"؟
أظهر المرشد الإيراني علي خامنئي تمسك الجمهورية الإيرانية بسياستها تجاه الولايات المتحدة الأمريكية، في خطابه الأخير خلال الاحتفال بـ" يوم الطالب ويوم الكفاح الوطني ضد الاستكبار العالمي"، مبينا أن الخلاف بين الجانبين خلاف جوهري وليس تكتيكيًا، وصراع مصالح بين منهجين مختلفين، كما فرض المرشد الأعلى للثورة الإيرانية ما يمكن وصفه بـ"الشروط المستحيلة" لإعادة التعاون بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية.
ويأتي فرض "الشروط المستحيلة" من جانب المرشد الإيراني علي خامنئي، والمرتبطة بتخلي أمريكا عن دعمها لإسرائيل، في إطار الخطاب الحماسي والتعبوي الذي اعتاد المرشد الإيراني ورموز نظامه على إنتاجه، خاصةً فيما يتعلق بالدعم الأمريكي للكيان الصهيوني، وسحب القواعد العسكرية الأمريكية من الشرق الأوسط، وعدم التدخل في شؤون المنطقة، ما يؤشر إلى أن الخطاب يتجاوز الداخل إلى تفرعات النظام في الخارج أو الكتل الأيديولوجية المؤيدة له في الدول العربية.
ورغم علم "خامنئي" اليقيني بأن هذه الشروط غير قابلة للتحقق أو التنفيذ، إلا أنه بهذه اللهجة يحاول ترميم هيبة الدولة الإيرانية التي تضررت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، في ظل ما تعرضت له الجمهورية الإيرانية من ضربات موجعة واختراقات متعددة، سواء الضربات التي طالت الداخل الإيراني "وهو التطور الأبرز والأخطر مؤخرًا"، أو تلك التي طالت أذرعه في الخارج، أو ظهوره بمظهر الطرف الأضعف في مفاوضات البرنامج النووي وإملاء الشروط عليه من جانب واشنطن، لتصل الإملاءات بمطالب ترامب لنظام إيران بالاستسلام غير المشروط.

صعود نبرة "الندية"
التعامل بـ"ندية" مع ما يصفها النظام الإيراني بـ"قوى الاستكبار العالمي" يُعد إحدى الارتكازات المهمة في الخطاب الإيراني لنظام ما بعد الثورة الإيرانية عام 1979، وذلك بهدف الحفاظ على مبادئ الثورة الإسلامية التي كانت مواجهة قوى "الاستكبار العالمي" أحد شعاراتها الرئيسية، وقد تم توظيف هذا الشعار في مواجهة نظام الشاه "محمد رضا بهلوي"، والذي كان من أسباب إسقاطه والثورة عليه اتهامه بالعمالة أو الارتهان لـ"الغرب".
ولذلك فإن المرشد الأعلى للثورة الإيرانية يحاول التمسك بالخطاب الذي أنتجته الثورة تجاه الغرب والتعامل معه بـ"ندية" واستقلالية في الفكر والقرار، حيث إن هذا المبدأ أحد أهم المبادئ التي أسست للشرعية الثورية، وبالتالي فإن الحفاظ على هذا المبدأ ضرورة لإعطاء شرعية للنظام الذي أفرزته الثورة، وإن كان هذا التمسك على مستوى الخطاب وليس على مستوى الفعل أو رد الفعل على الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية والغرب، وهي الضغوط التي أظهرت طهران كـ"دولة هشة".
وإن كان هذا النوع من الخطاب يأتي في توقيت يشهد تحولات فكرية كبيرة تجاه النظام الحاكم ومرجعيته وسياساته أيضًا التي تسببت في أزمات داخلية وخارجية، إلا أن الهدف من إعادة إنتاجه هو الحفاظ على الكتلة الأيديولوجية التي تؤيد النظام من منظور ديني ومذهبي، وتتمسك بالثوابت الدينية التي يروجها النظام، وهذه الكتلة لا تقتصر على الداخل فقط، ولكن لها امتداداتها في العديد من الدول العربية، ويدرك خامنئي أهمية الحفاظ عليها لبقاء نفوذه في هذه الدول.

نظرية التآمر.. واستدعاء التاريخ
حرص خطاب المرشد الإيراني علي خامنئي على ترسيخ فكرة العداء مع الولايات المتحدة الأمريكية، والتأكيد على أن هذا العداء ليس وليد الظروف الآنية أو الخلافات الحالية، ولكن العداء ممتد منذ عقود بين الجمهورية الإيرانية وأمريكا، وهذا العداء في الأساس بسبب تآمر الولايات المتحدة الأمريكية على إيران وشعبها، وبالتالي فإن الموقف الحالي من جانب إيران هو بمثابة مقاومة للاستكبار الأمريكي وإجهاض للتآمر.
ولتعزيز سردية المؤامرة الأمريكية التاريخية ضد إيران، اتكأ المرشد الإيراني علي خامنئي على وقائع تاريخية، من بينها واقعة اقتحام السفارة الأمريكية في إيران في 4 نوفمبر 1979، عندما أقدم طلاب أُطلق عليهم "أتباع خط الإمام" على اقتحام سفارة واشنطن، احتجاجًا على ما وصفوه بـ"أنشطة التجسس الأمريكية"، وخلال تلك العملية، احتُجز 52 دبلوماسيًا أمريكيًا لمدة 444 يومًا، ما أدى إلى قطع العلاقات بين طهران وواشنطن، وتحولت الحادثة إلى نقطة مفصلية في تاريخ السياسة الخارجية الإيرانية.

وأعاد خامنئي خلال الخطاب التأكيد على أن السفارة الأمريكية في هذا التوقيت كانت "غرفة عمليات للتآمر ضد إيران"، ولم تكن تعمل كسفارة مثل باقي السفارات، قائلًا: "إن عمل السفارات في العالم يتمثل عادة في جمع المعلومات ونقلها إلى بلدانها، غير أن السفارة الأمريكية لم تكن لجمع المعلومات، بل أنشأت غرفة عمليات للتآمر وتنظيم فلول النظام السابق وبعض العسكريين وغيرهم للعمل ضد الثورة، وقد أدرك الطلاب طبيعة هذا النشاط واحتفظوا بالسيطرة على السفارة".
وحرص خامنئي على تكثيف الوقائع التاريخية التي تثبت العداء الأمريكي لإيران، ويهدف هذا التكثيف إلى تحقيق أكبر قدر من الإقناع للجمهور المستهدف، باعتبار أن هذه الوقائع بمثابة أدلة لا يمكن إنكارها، حيث اعتبر خامنئي أن اعتبار حادث اقتحام السفارة الأمريكية أصل الخلاف بين إيران وأمريكا غير دقيق، مؤكدًا أن "مشكلتنا مع أمريكا بدأت منذ عام 1952، بعد إسقاط الحكومة الوطنية في إيران عام 1952، وهي ضربة قاسية للشعب الإيراني"، قائلاً إن الشعب أدرك حينها طبيعة أمريكا الاستكبارية وخطرها، وأضاف أن "الأمريكيين ابتسموا في وجه محمد مصدق، لكنهم بالتعاون مع البريطانيين، نفذوا انقلابًا أطاح الحكومة الوطنية وأعادوا الشاه الهارب إلى إيران".
هذا السرد للوقائع التاريخية، ومنها وقائع سابقة لاندلاع الثورة الإيرانية عام 1979، يرسخ فكرة العداء مع الدولة الإيرانية وأي حكومة وطنية، فإذا كانت بعض هذه الوقائع سابقة للثورة والأنظمة التي أفرزتها، فإن ذلك يعني أن العداء يستهدف الدولة ووجودها، كما يستهدف أيضًا أي حكومة وطنية تسعى إلى تحقيق المصالح الوطنية وإعلاء شأن الدولة الإيرانية، وهو ما ينسحب ضمنيًا على النظام الحالي.
ويؤكد خامنئي على هذه الفكرة بقوله: "إن عداء الولايات المتحدة وتآمرها المستمر على الجمهورية الإسلامية يتمثل فيما وصفه بأنه خروج فريسة ثمينة من حلقها، وفقدانها السيطرة على موارد إيران"، مضيفًا أن "أمريكا لم تكن مستعدة للتخلي عن إيران بسهولة، ولذلك بدأت من البداية تحريضاتها لا ضد النظام الإسلامي فحسب، بل ضد الشعب الإيراني كله". ما يعني أن عداء واشنطن للنظام الحالي يرجع لسبب عدم خضوعه للابتزاز الأمريكي وعدم تمكينه من ثروات إيران وخيراتها، وهو ما يمكن وصفه بـ"تبييض وجه النظام الحالي".

استقطاب الطلاب والنبرة التعبوية
راعى خطاب المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي المناسبة التي أُلقي فيها، وهي "يوم الطالب ويوم الكفاح الوطني ضد الاستكبار العالمي"، وهما مناسبتان لهما وزنهما لدى النظام الإيراني، وحضرهما آلاف الطلاب الجامعيين والمدرسيين وعدد من أسر ضحايا حرب يونيو أو حرب الاثني عشر يومًا، وقد حرص خامنئي على إبراز الدور الطلابي في الثورة، ما يشير ضمنًا إلى ضرورة مساندة الطلاب للنظام الذي أفرزته الثورة والالتفاف حوله في مواجهة الغرب الذي يتآمر ضد وطنهم.
وتأتي محاولات الاستقطاب في ظل تغيرات لافتة في أفكار الطبقة الطلابية التي أصبح قطاع عريض منها يعارض سياسات النظام الحالي، وسجلت هذه الطبقة حضورًا لافتًا خلال التظاهرات التي شملت عددًا من المدن الإيرانية خلال السنوات الأخيرة، والتي كانت في مجملها رافضة لسياسات النظام التي أدت إلى تدهور معيشي غير مسبوق، وفشل في حل الملفات المهمة التي يأتي على رأسها الاتفاق النووي والنفوذ الإقليمي.
وحرص خامنئي على توجيه خطاب تعبوي وحماسي لهذه الطبقة التي مثلت جمهور المناسبة الأساسي، حيث دعا إلى ضرورة تقوية البلاد في جميع المجالات، قائلاً إن الحكومة يجب أن تعمل بقوة في مجالاتها المختلفة، والقوات المسلحة في الشؤون العسكرية، مؤكدًا أن قوة البلاد تجعل العدو يدرك أنه لن يجني شيئًا من مواجهة أمة قوية بل سيتضرر، وعندها ستتحقق الحصانة الوطنية. وتشير هذه العبارات الحماسية والتعبوية إلى استراتيجية إقناعية تعتمد على العاطفة لدى طبقة الطلاب في ظل دعوة الاستنفار ضد العدو، ما يوحي بالخطر الخارجي الذي يتطلب تكاتف الطلاب الذين كانوا جزءًا من الثورة.
ختامًا:
إجمالًا، يمكن القول إن خطاب المرشد الإيراني علي خامنئي استهدف في المقام الأول إعادة بث الروح الثورية في ظل التهديدات المتزايدة التي تتطلب تكاتفًا ضد العدو، كما أن لجوء الخطاب إلى استخدام تعبيرات مثل "غرفة عمليات للتآمر" و"تنظيم فلول النظام السابق" يأتي في إطار محاولة تجديد سردية الدولة الأمنية حول التهديد المستمر الذي يجب مواجهته مهما كانت المشكلات الداخلية.
وحمل الخطاب أيضًا أهم سمات الخطاب الثوري الإيراني الذي يقدم المواجهة بوصفها جهادًا سياسيًا وأخلاقيًا لحماية الثورة، إضافة إلى استراتيجية "التضفير الخطابي" التي تربط أي فعل سياسي بواجب ديني، والتي تعد أقصر الطرق لتحقيق الإقناع، خاصةً إذا كان الجمهور المستهدف يتأثر بالدعاية الدينية.
كما حمل الخطاب العديد من الدلالات التي تعزز رسائل الصمود بعد الحرب الأخيرة، وفي ظل ظروف اقتصادية طاحنة، وغلق الباب أمام دعوات الانفتاح على الغرب التي يتبناها التيار الإصلاحي على المستوى الداخلي، أما على المستوى الخارجي فإن لغة الخطاب تحمل عدة دلالات تتمثل في عدم تقديم تنازلات من جانب إيران مهما كانت الضغوط، وإرسال رسائل للغرب بخفض سقف التوقعات في أي مفاوضات قادمة.



