رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ترحيل اللاجئين الأفغان.. بين اعتبارات الأمن القومي وأوراق الضغط السياسي

حركة طالبان الأفغانية
حركة طالبان الأفغانية - أرشيفية

تتخذ باكستان إجراءات مشددة لإدارة أمنها الحدودي، وذلك في ظل المحاولات الباكستانية لمواجهة الهجمات التي تتعرض لها الأراضي الباكستانية، خاصة في ظل التوتر الأمني بين باكستان وحكومة "طالبان" الأفغانية، والدخول في مفاوضات بين الجانبين التي تركز على مطالبة إسلام أباد لحكومة كابول بمنع استخدام الأراضي الأفغانية من جانب جماعات إرهابية تهدد الأراضي الباكستانية. 

وتأتي المطالب الباكستانية لتتجاوز قدرة طالبان "الأفغانية" التي قد لا تملك السيطرة الكاملة على أراضيها في ظل نشاط جماعات تهدد حكومة طالبان نفسها، وعلى رأسها "داعش خراسان" الذي ينفذ عمليات ضد "طالبان الأفغانية"، فضلًا عن جماعة طالبان باكستان "تحريك طالبان TTP" التي لا تنتمي هيكليًا لـ"طالبان الأفغانية"، وهو الأمر الذي يصعّب السيطرة عليها. وربما هذه الأسباب هي التي دفعت باكستان لاتخاذ إجراءات أحادية لإدارة أمنها الحدودي ومواجهة التهديدات الإرهابية. 

طالبان باكستان- أرشيفية
طالبان باكستان- أرشيفية

ويأتي على رأس الإجراءات الأحادية التي تتخذها باكستان إعادة اللاجئين الأفغان، حيث أعادت إسلام أباد فتح معبر طورخم الحدودي في شمال غربي إقليم خيبر بختونخوا لتسهيل عودة اللاجئين الأفغان إلى وطنهم، وقد وصل مئات المواطنين الأفغان إلى مركز الهجرة الحدودي، حيث كانت تجري إجراءات التوثيق قبل السماح لهم بالعبور إلى أفغانستان. ويأتي هذا الإجراء لتحقيق عدة أهداف:

أولًا: مواجهة التهديدات الأمنية

تسعى باكستان من خلال هذه الخطوة إلى مواجهة التهديدات الأمنية، وخاصة إدارة "الأمن الحدودي"، في ظل الاتهامات الباكستانية بأن جزءًا من الهجمات الإرهابية الأخيرة تم التخطيط لها أو دعمها من داخل الأراضي الأفغانية، وخاصة عبر شبكات "طالبان باكستان" (TTP). وترى إسلام أباد أن بعض العناصر المتشددة تستغل تجمعات اللاجئين للتحرك والتخفي وعبور الحدود.

وتبدو الخطوة الباكستانية أنها تهدف في أحد جوانبها إلى تفكيك البنى الداعمة للإرهاب والحد من حركة المسلحين عبر الحدود، وإرسال رسالة مباشرة لطالبان مفادها أن تجاهل نشاطات TTP ستكون له تبعات. ويعكس هذا التحول انتقالًا من سياسة الإقناع الدبلوماسي إلى نهج الضغط والإكراه، وشمل ذلك طرد أكثر من 500 ألف لاجئ أفغاني كمرحلة أولى، ثم كانت المرحلة الثانية لطرد 800 ألف آخرين، مع استمرار موجات ترحيل اللاجئين الأفغان.

قيادات حركة طالبان الأفغانية -أرشيفية
قيادات حركة طالبان الأفغانية -أرشيفية

وتشعر إسلام أباد بالخطر في ظل وجود آلاف اللاجئين الأفغان غير الرسميين، الذين قد يتم استخدامهم حال تصاعد التوتر مع أفغانستان، خاصة بعدما أظهرت الفترة الأخيرة مدى تقلب الوضع على طول الحدود الأفغانية الباكستانية. يشترك البلدان في حدود جبلية وعرة تمتد لنحو 2600 كيلومتر تُعرف باسم خط دوراند، وإمكانية استخدام هذه الحدود لتهريب أسلحة إلى داخل الأراضي الباكستانية، خاصة وأن إسلام أباد سبق لها أن اتهمت بعض اللاجئين الأفغان بتنفيذ عمليات إرهابية في عام 2023، واعتبرت أنهم مسؤولون عن 14 من أصل 24 تفجيرًا انتحاريًا في ذلك العام لصالح حركة طالبان باكستان.

وتأتي الإجراءات الباكستانية في ظل التصاعد غير المسبوق للعمليات الإرهابية، فوفقًا لبيانات معهد باكستان للدراسات الأمنية والصراعات (PICSS)، فقد شهدت باكستان تصاعدًا حادًا في وتيرة العنف خلال أوائل عام 2025، حيث سجل المعهد 74 هجومًا مسلحًا في شهر يناير فقط، أسفرت عن 240 قتيلًا، بينهم 35 من أفراد الأمن و20 مدنيًا، إلى جانب مقتل 185 من العناصر المشتبه بانتمائها للجماعات المسلحة، وهو ما يعكس منحنى تصاعديًا في التهديدات الأمنية التي تواجهها البلاد.

حركة طالبان الأفغانية - أرشيفية
حركة طالبان الأفغانية - أرشيفية

ثانيًا: اللاجئون كورقة للتفاوض

يُعد ملف اللاجئين إحدى الأوراق الضاغطة التي تستخدمها باكستان ضد حكومة "طالبان" الأفغانية، حيث إن عودة آلاف اللاجئين تمثل ضغطًا كبيرًا على حكومة "طالبان" التي تواجه تحديات كبيرة في الداخل، خاصة في ملف الاقتصاد وعدم القدرة على تدبير الاحتياجات المعيشية. ولذلك أبدت وكالات الأمم المتحدة مخاوفها في وقت سابق من أن يؤدي الترحيل القسري للأفغان من جانب باكستان إلى كارثة إنسانية.

ويعزز هذه المخاوف الأعداد الكبيرة للاجئين الأفغان على الأراضي الباكستانية، حيث تشير التقديرات إلى أن عدد اللاجئين الأفغان في باكستان وصل إلى 3.7 مليون لاجئ أفغاني، 700 ألف منهم فرّوا من أفغانستان بعد وصول طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021، ومن بين هؤلاء قرابة 1.73 مليون لاجئ أفغاني موجودين في باكستان بشكل غير قانوني، مع محدودية الحماية القانونية أو سبل الحصول على اللجوء، وفق التقديرات.

وسبق لحكومة "طالبان" الأفغانية الاعتراض على السياسة الباكستانية في ترحيل اللاجئين لما يمثله من ضغط عليها، وجاء على لسان وزير الدفاع في حكومة الملا محمد يعقوب: "إن قرار باكستان بطرد الأفغان غير مبرر وغير إنساني، ونحن ندينه". وتؤشر مثل هذه التصريحات من جانب مسؤولين في حكومة طالبان على ما تمثله ورقة اللاجئين من ضغط تسعى حكومة إسلام أباد إلى توظيفه.

ويأتي إعلان باكستان عن إعادة فتح معبر طورخم الحدودي في شمال غربي إقليم خيبر بختونخوا لتسهيل عودة اللاجئين الأفغان إلى وطنهم في الوقت الذي تجري فيه باكستان مفاوضات مع "طالبان" الأفغانية، حيث من المقرر أن تستأنف هذه المفاوضات في السادس من نوفمبر الجاري بوساطة تركية، وفق ما أعلنته وزارة الخارجية التركية التي قالت إن جميع الأطراف توافقوا على استمرار وقف إطلاق النار، وسيتم دراسة تفاصيل تنفيذه خلال اجتماع عالي المستوى بإسطنبول في السادس من نوفمبر 2025، ما يؤشر على ممارسة ضغوط على طالبان لتلبية مطالب باكستان.

داعش خرسان - أرشيفية
داعش خرسان - أرشيفية

ثالثًا: تحقيق أهداف جيوسياسية

ضمن أهداف باكستان من توظيف ورقة اللاجئين الأفغان على نطاق واسع هو تعزيز مصالحها الجيوسياسية تجاه أفغانستان ودول أخرى في المنطقة على رأسها روسيا والصين والهند وإيران، ومساعي هذه الدول لترسيخ نفوذها في الأراضي الأفغانية التي كانت تسعى باكستان لأن تكون صاحبة النفوذ الأعلى فيها في ظل العلاقة بين إسلام أباد وحركة "طالبان" الأفغانية، التي قدمت لها الكثير من الدعم قبل وصولها إلى السلطة.

وجاء التقارب بين أفغانستان والهند مؤخرًا ليعزز مخاوف باكستان من تراجع نفوذها بشكل كبير في أفغانستان واستغلال هذا الفراغ من قبل دول مناوئة، خاصة في ظل تزايد التوترات بين الهند وباكستان واتهامات إسلام أباد لنيودلهي بدعم الجماعات الإرهابية التي تستهدف أراضيها، وهو ما يدفع باكستان لتوظيف كل أوراق الضغط لتوجيه رسائل لجميع الدول الفاعلة في كابول.

داعش خرسان - أرشيفية
داعش خرسان - أرشيفية

ولذلك فإن باكستان تتمسك بتأكيد موقعها بوصفها الفاعل الأكثر تأثيرًا في المعادلة والمشهد الأفغاني، وذلك في الوقت الذي تتزايد فيه محاولات أطراف إقليمية مثل "الصين وروسيا وإيران والهند" لصياغة مسارات تعاون وتفاهمات أمنية وسياسية مباشرة مع كابول، ما يعزز فرضية استغلال قوى غير صديقة لباكستان لأي فراغ استراتيجي داخل أفغانستان، واستثمار هذا الفراغ سواء عبر أدوات سياسية أو شبكات عسكرية غير مباشرة. لذلك ترسل باكستان رسائل لكل هذه الأطراف بأن استقرار أفغانستان لا يمكن فصله عن الأمن القومي الباكستاني، ولذلك فإنها قد تلجأ لسياسات قاسية للحفاظ على هذا التوازن.

إجمالًا، تأتي ورقة ترحيل اللاجئين الأفغان من باكستان ضمن سياسات واسعة من جانب إسلام أباد تحاول من خلالها تأطير العلاقات مع "طالبان" الأفغانية ودفعها إلى الحفاظ على أمن باكستان من خلال تحجيم الجماعات النشطة على أراضيها التي تستهدف الأراضي الباكستانية، ويأتي على رأس هذه الجماعات جماعة طالبان باكستان "TTP". وتحاول باكستان تحقيق ذلك من خلال الإقناع الدبلوماسي ومسار المفاوضات من ناحية، ومن ناحية أخرى تفعيل أدوات الضغط وعلى رأسها "ملف اللاجئين".

جماعة طالبان باكستان -أرشيفية
جماعة طالبان باكستان -أرشيفية

كما تسعى باكستان إلى تحقيق رؤية أوسع من العلاقات الثنائية مع كابول تتعلق بتوازن القوى في أفغانستان، خاصة في ظل وجود أطراف تسعى إلى تعزيز نفوذها على حساب النفوذ الباكستاني وما يمثله ذلك من تهديدات للأمن القومي الباكستاني. لذلك فإن فكرة الوجود الباكستاني في المشهد الأفغاني ليست مجرد خيار سياسي بالنسبة لطالبان أو القوى الفاعلة في كابول، ولذلك تسعى إسلام أباد لإظهار قدرتها على التأثير في المشهد من خلال العديد من الأدوات.

محمد شعت*

كاتب وباحث في الشؤون الإقليمية والدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء