رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الذهب والسلاح والنفوذ.. خيوط اللعبة الصينية في اقتصاد الحرب الإفريقي

النفوذ الصيني في
النفوذ الصيني في إفريقيا - أرشيفية

تحدثت تقارير دولية عن مسارات تهريب السلع والمعادن التي تُستغل لتمويل الصراعات في إفريقيا، في معنى يوضح البراجماتية التي لا تتأثر بمخرجات هذه الصراعات من أزمات إنسانية وموجات لجوء وهجرة غير شرعية ونزوح، وهو التنفيذ الحرفي لمقولات "نيكولو ميكافيللي" الغاية تبرر الوسيلة، والتي تبرر الأفعال مهما كانت قاسية وغير أخلاقية إذا كانت تخدم هدفًا سياسيًا، وهو ما تطبقه الصين بشكل كبير في إفريقيا وفي أبرز الصراعات التي تهدد السلم والأمن الإقليمي، وذلك دون رادع، وفي كثير من الأحيان بمعاونة شركات غربية. يناقش هذا التقرير جانبًا من السياسة الصينية ودورها في تمويل الصراعات عبر طرق غير مباشرة، وذلك على النحو الآتي:

أولًا: السياسة الصينية تجاه إفريقيا

في إطار نهجها التوسعي تجاه القارة الإفريقية، تستخدم الصين أدوات عديدة منها الدبلوماسية، والأدوات الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية (الأمنية والعسكرية). وقد قدمت مبادرة الحزام والطريق منذ عام 2013، وذلك في مبادرة منها لإنشاء مجموعة مشاريع تشمل البنية التحتية، والطاقة، والتعدين، والاتصالات، وقد تحولت هذه المشاريع إلى أدوات ضغط سياسي لتحقيق الصين هدفين: كسب الولاءات السياسية، واستغلال الأصوات الإفريقية في دعم قراراتها على المستوى الدولي أو تحييد هذه الأصوات ضمن أي قرار مناوئ للمصالح الصينية. فعلى سبيل المثال، ترصد بعض الدراسات ضغط الصين على بعض الدول الإفريقية "مالاوي وغامبيا" للانسحاب من تحالف برلماني مناوئ للصين.

النفوذ الصيني في إفريقيا - أرشيفية 
النفوذ الصيني في إفريقيا - أرشيفية 

وعلى أي حال، تأتي السياسة الصينية كجزء من التكالب الدولي على القارة الإفريقية، نظرًا لاعتبارها قارة "بِكر" ولا تزال تُستكشف فيها الثروات والمعادن ومصادر الطاقة. هذا فضلًا عن مناخها وأراضيها التي يمكن أن تستغلها الدول لتأمين احتياجاتها الغذائية عبر الاستثمارات في هذا المجال، والاستفادة من مصادر المياه العذبة، والممرات الدولية، وتوسيع قاعدة الاستثمارات للاستفادة من الأسواق الإفريقية، إذ تُعتبر من الأسواق الواعدة. وهي قارة شابة بحق، فنسبة السكان تحت عمر 25 عامًا تبلغ 60%، أما معدلات النمو السكاني فهي في ازدياد، أي أن القارة تملك من الإمكانيات ما يؤهلها لأن تكون قارة المستقبل، وهي نفس الإمكانيات التي تُثير القوى الدولية التي لا تنظر إلى مصالحها إلا بمعزل عن أي حسابات للمعايير الأخلاقية.

ثانيًا: البعد الأمني والعسكري في السياسة الصينية

تُعد الصين المورد الأول للأسلحة في القارة الإفريقية، وتتزايد نسبة الأسلحة المصدّرة إلى دول إفريقيا جنوب الصحراء، نظرًا لوضعها الخاص والحالة الأمنية التي تزداد سوءًا وهشاشة، بفضل التهديدات الأمنية التي تواجهها، سواء فيما يتعلق بانتشار الجماعات المسلحة أو الإرهابية بمختلف ولاءاتها (القاعدة، داعش)، أو قصور الأجهزة الأمنية وتداعي حالة القطاع العسكري بسبب ممارسات الفساد، أو تنامي خطر تنظيمات الجريمة المنظمة بكل أشكالها. 

النفوذ الصيني في إفريقيا - أرشيفية 
النفوذ الصيني في إفريقيا - أرشيفية 

ووفقًا لإحصائيات مركز السياسات الدولية، تبلغ حصة بكين من سوق الأسلحة حوالي 10%، وأن ما يقرب من 70% من جميع الجيوش الإفريقية تستخدم المركبات المدرعة الصينية. وفي الفترة من 2019–2023، تلقّت ما لا يقل عن 21 دولة إفريقية شحنات منتظمة من الأسلحة الصينية. ويرجع تزايد الطلب الإفريقي على الأسلحة الصينية – رغم قلة جودتها – إلى أسعارها التنافسية وغياب المشروطية التي تفرضها الدول الغربية على بيع الأسلحة، وهي التي غالبًا ما تشترط معايير مراعاة حقوق الإنسان. هذا يفسر جانبًا كبيرًا من تنامي الطلب على الأسلحة الصينية.

كما ساهم التهافت الإفريقي على الأسلحة في زيادة إنشاء الشركات الصينية والمقاولين الحكوميين مقراتٍ لهم في إفريقيا، ومن بين هذه الشركات شركة "نورينكو" (North Industries Group Corporation Limited - Norinco)، وهي أكبر شركة أسلحة في الصين. واللافت أن نوعية الشركات التي تخصصت في إنتاج الطائرات بدون طيار تنامت أيضًا، وهو ما أثار قلق الولايات المتحدة، وقد عبّر عنه قائد القيادة الأمريكية في إفريقيا "مايكل لانجلي".

ثالثًا: الصين وتمويل الطرف الآخر للصراع

أوضحت تقارير ودراسات عدة تورط الصين في دعم الأطراف الأخرى (إرهابية أو إجرامية أو متمردة) وذلك عبر التعاون مع عصابات الجريمة المنظمة، وعن طريق استغلال نفس مسارات التهريب سواء للسلع أو البشر، أي المسارات التقليدية للتهريب في إفريقيا.

النفوذ الصيني في إفريقيا - أرشيفية 
النفوذ الصيني في إفريقيا - أرشيفية 

ويلعب الفساد دورًا هامًا في وقوع نوعية معينة من الأسلحة الصينية في أيدي الجماعات الإرهابية، وهنا يمكن الحديث عن ظاهرة تسرب مخزون الأسلحة من الجيوش الإفريقية، وهو جانب هام يفسر سبب وجود هذه النوعية لدى جماعات مثل "نصرة الإسلام والمسلمين" الموجودة في مالي، وجماعة M23 المتمردة في الكونغو. الفساد هنا من الجانبين – المجمع الصناعي العسكري – سواء من العسكريين الرسميين أو من الشركات الصينية نفسها التي تورد الأسلحة للجانب الحكومي، حيث تتعدد التقارير التي تُثبت جرائم فساد في القطاع العسكري الصيني (في الجيش الصيني أو حتى المقاولين الحكوميين والشركات الدفاعية الصينية).

وقد أكد معهد "جامستاون" (Jamestown) في إحدى تقاريره على تشابك نشاط التعدين غير القانوني (استخراج الموارد عبر الاعتماد على شبكات غير رسمية إجرامية)، وتواجد شركات التمويل الصيني، التي تعتمد على توفير ملاذات غير شرعية (Offshores) ووسطاء مرتبطين بالدولة الصينية (رجال أعمال)، وهي الجهات التي تتعامل مع الشبكات والجماعات المحلية (إرهابية، متمردة، إجرامية). وهو ما يعني بالنهاية تورطًا مباشرًا في تمويل اقتصاد الحرب المرتبط بالصراعات في إفريقيا.

النفوذ الصيني في إفريقيا - أرشيفية 
النفوذ الصيني في إفريقيا - أرشيفية 

شركات صينية متخصصة في نشاط التهريب

وتعزز هذا الافتراض بعد أن أصدرت إحدى المحاكم في "الكونغو" حكمًا على 3 عملاء صينيين لتورطهم في التعدين غير القانوني (تهريب الذهب) في منطقة "كيفو" التي يندلع فيها الصراع بين الحكومة الكونغولية وحركة M23. وبالطريقة نفسها، كشفت بعض الدراسات عن تورط الشركات الصينية في نشاط التهريب بمالي، والتي بدورها تتعاون مع الشبكات الإجرامية المحلية لتوريد الأسلحة مقابل تهريب "خشب الورد"، وهو مورد نادر، والنوعية المنتشرة في إفريقيا لها مميزات خاصة، وهو ما يفسر امتلاك جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM)" ترسانة من الأسلحة الصينية.  

ويقدم الوضع في السودان دليلًا آخر على السياسة الصينية المزدوجة في التعامل مع طرفي الصراع، حيث يمكن رصد انتشار الأسلحة الصينية سواء ضمن الأسلحة التي يمتلكها الجيش السوداني أو حتى تلك التي يمتلكها الدعم السريع، وهو ما وثقته تقارير الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية.

النفوذ الصيني في إفريقيا - أرشيفية 
النفوذ الصيني في إفريقيا - أرشيفية 

وقد أدى الصراع في الكونغو إلى نزوح أكثر من 6 ملايين شخص، وانتشار المجاعات وتفشي الأمراض، وفي السودان تصاعدت الأزمة الإنسانية، وانقطعت إمدادات الكهرباء والطاقة وتوقفت البنى التحتية الأساسية بسبب استهدافها من جانب قوات الدعم السريع، وفي مالي تحاصر "نصرة الإسلام والمسلمين" العاصمة "باماكو" وتستهدف شاحنات الوقود والسلع الأساسية.

ختاما:

 تسارع الصين للاستفادة من إمكانات القارة الإفريقية، ومن ثم فهي تستفيد من العلاقات الرسمية مع الدول، وتستفيد أيضًا من التورط في دعم الأطراف الأخرى (متمردة، إجرامية، إرهابية). ويمثل دعم الصين للأطراف الأخرى الجانب الآخر من الصورة؛ فـتسارع النظم الحاكمة لشراء الأسلحة والمعدات الصينية يمكن تفسيره، أما الجانب الآخر للسياسة الصينية فلا يمكن تفسيره بعيدًا عن الميكافيلية والبحث عن المصالح أياً كانت، وبغض النظر عن الجوانب الأخلاقية والأبعاد الإنسانية.

شيماء حسن*  

 باحث دكتوراه متخصصة في الشأن الإفريقي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء