مكافحة التجسس أم ورقة ضغط؟ دوافع الحوثيين وراء استهداف المنظمات الدولية
تعرضت مقرات المنظمات الدولية والأمم المتحدة في اليمن لهجمات مكثفة من الحوثيين "جماعة أنصار الله" خلال الأشهر الأخيرة، خاصة المناطق الواقعة تحت سيطرة الحركة، وشملت هذه الهجمات اقتحامات للمقرات والمكاتب، ومصادرة معدات وأجهزة اتصالات، ووصل الأمر إلى مداهمة منازل الموظفين الدوليين العاملين بهذه المنظمات، وتأتي هذه المداهمات ضمن هجمات متفرقة منذ أشهر.
ونقلت تقارير عن مسؤول في الأمم المتحدة قوله: إن الحوثيين المدعومين من إيران احتجزوا عشرين موظفًا من موظفي المنظمة الدولية، بعد يوم من مداهمة منشأة أخرى للأمم المتحدة في العاصمة صنعاء، وهو ما أكده جان علم، المتحدث باسم منسق الأمم المتحدة المقيم في اليمن، لوكالة أسوشيتد برس، بأن موظفي الأمم المتحدة احتُجزوا داخل المنشأة في حي الحداء جنوب غرب صنعاء، والمعتقلون هم خمسة يمنيين و15 موظفًا دوليًا، وأطلق الحوثيون سراح 11 موظفًا أمميًا آخرين بعد استجوابهم.
ولم تكن هذه الهجمات هي المرة الأولى، لكنها جاءت في أعقاب حملة متواصلة شنتها جماعة الحوثي على الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الدولية الأخرى العاملة في الأراضي الخاضعة لسيطرتها، بما في ذلك صنعاء ومدينة الحديدة الساحلية على البحر الأحمر ومحافظة صعدة في الشمال، وذلك في الوقت الذي توجه فيه الحركة اتهامات متكررة لموظفي الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية والسفارات الأجنبية بالتجسس لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل.

دوافع الحركة لمهاجمة المنظمات
تأتي مهاجمة الحوثيين لمقرات المنظمات الدولية والأممية في الوقت الذي تتعرض فيه الحركة لضغوط من المجتمع الدولي وفرض عقوبات، وهو ما يدفعها إلى امتلاك أوراق ضغط في إطار المساومة السياسية والابتزاز لإجراء تفاهمات مع المجتمع الدولي لتخفيف العقوبات والضغوط بشكل عام، إضافة إلى الحصول على مكاسب بالتفاهم مع الأطراف الدولية في مناطق سيطرة "أنصار الله".
وفي الوقت الذي لفتت فيه مداهمات الحركة أنظار المجتمع الدولي وما تبعها من دعوات دولية بضرورة الإسراع للإفراج عن المحتجزين، تستطيع الحركة مساومة المجتمع الدولي على الإفراج المشروط، مقابل تخفيف الضغوط المفروضة على الحركة وإعطائها بعض المكاسب التي تستطيع من خلالها ترميم هيكلها الذي تعرض لأضرار واسعة خلال الفترة الأخيرة بعد الضربات الغربية والإسرائيلية ضدها.

ويأتي ضمن حسابات حركة "أنصار الله" تعزيز "الأمن الداخلي" وتحجيم حصول هذه الجهات أو المنظمات على معلومات محلية أو ميدانية قد تضر بالحركة، وقد يتضح ذلك من خلال مصادرة الحركة لأجهزة ومعدات اتصال أثناء اقتحام المكاتب، وتبرير الحركة لحملة المداهمات الواسعة لمكاتب المنظمات الدولية بوجود "شبكات تجسس"، وهو الأمر الذي قد يعزز موقف الحركة داخليًا.
وفي ظل تصاعد الصراع والمواجهة الإقليمية وتنامي دور الحوثيين في المشهد من خلال مهاجمة السفن والممرات المائية وتوجيه ضربات للكيان الإسرائيلي، وتعرضهم لضربات وهجمات غربية وضغوط سياسية ودبلوماسية واقتصادية، فإن الحركة بطبيعة الحال تسعى إلى تحقيق حالة من "الردع" للدول المشاركة في هذه الضغوط من خلال إظهار القدرة على إلحاق الضرر.
وبالنظر إلى وقائع سابقة مشابهة، فقد فرضت الحركة في عامي 2021 و2022 رسومًا غير قانونية على المساعدات، وهو ما يشير إلى أن الحركة تمارس ضغوطًا على المنظمات الإنسانية والإغاثية، وفق تقارير "الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)"، وبالتالي فإن هذه الضغوط قد يكون الهدف من ورائها هو تشغيل برامج التمويل عبر قنوات تابعة لها، وأن تتدفق التمويلات والمساعدات من خلال قنوات اقتصادية موالية لها.

وفي المجمل، فإن غاية كل هذه الأهداف في النهاية هي محاولات من جانب الحركة لفرض "واقع سياسي جديد"، يشمل تحكمها في المشهد في مناطق السيطرة، وخاصة العاصمة "صنعاء"، ما قد يضطر المجتمع الدولي إلى التعامل معها باعتبارها "سلطة أمر واقع"، خاصة في ظل حساسية المجال الإنساني ومحاولة الحركة احتكاره وإدارته، ما يمنحها نفوذًا سياسيًا جديدًا.
هذه النتيجة التي يحاول الحوثيون الوصول إليها تفرض على المجتمع الدولي عدم القدرة على عزلهم عن المشهد، وبالتالي فإن أي تفاهمات أو تسويات قد تتم لا بد أن تكون الحركة طرفًا فيها وليس بمعزل عنها، بل لا بد أن تكون حاضرة في قلب المشهد، خاصة في ظل تسويق الحدث باعتباره حماية من مخاطر خارجية تتمثل في مكافحة التجسس، ما يعني أن الحركة قادرة على فرض السيادة.
تداعيات سياسية وإنسانية
تسببت حملة مداهمات الحوثيين لمقرات ومكاتب المنظمات الدولية والأمم المتحدة في تداعيات وارتدادات على المستويين الإنساني والسياسي، خاصة في ظل تكرار هذه المداهمات خلال السنوات الأخيرة، فقد أدان الأمين العام للأمم المتحدة استمرار الاعتقالات التعسفية لموظفي الأمم المتحدة وشركائها، وكذلك الاستيلاء غير القانوني المستمر على مباني الأمم المتحدة وأصولها في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، مؤكدًا أن هذه الإجراءات تُعيق قدرة الأمم المتحدة على العمل في اليمن وتقديم المساعدة الأساسية.
واستمرارًا لتداعيات المداهمات، أعرب الاتحاد الأوروبي عن إدانته للاعتقالات التعسفية الإضافية التي طالت موظفي الأمم المتحدة على يد الحوثيين في اليمن، فضلًا عن الاستيلاء على ممتلكات الأمم المتحدة ومحاولات دخول مقر الأمم المتحدة في صنعاء في انتهاك للقانون الدولي واتفاقيات فيينا التي تنص على حرمة المباني الدبلوماسية في جميع الأوقات، داعيًا في الوقت نفسه إلى احترام حرية الملاحة في البحر الأحمر، ومطالبًا بوقف جميع التهديدات والهجمات ضد السفن التجارية.

ومن التداعيات المحتملة بعد إدانات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وتأكيدهما أن ممارسات الحوثيين تعرقل العمل الإنساني، قد يتجه المانحون أو الممولون للبرامج الإنسانية والإغاثية إلى البحث عن قنوات بديلة وإعادة تقييم قنوات التمويل، وإعطاء الأولوية لقنوات غير مباشرة أو تقليص البرامج الدولية، وهو الأمر الذي ستكون له ارتدادات سلبية على الملف الإنساني والإغاثي في اليمن.

ورغم إظهار الحوثيين قدرتهم على امتلاك أوراق ضغط والسيطرة الميدانية، إلا أن الإدانات الشاملة من المنظمات الدولية ستتسبب في تكلفة سياسية للحركة، وتزايد الضغوط من جانب المجتمع الدولي عليها ومحاولة عزلها، خاصة بعد إعطاء خصومها مبررات لمزيد من الضغوط واتخاذ إجراءات دبلوماسية وأمنية للرد على تجاوزاتها.
ختامًا:
تأتي حملة مداهمات حركة الحوثيين ضد المنظمات الدولية والأمم المتحدة في إطار فرض واقع سياسي جديد في مناطق السيطرة، على أن يضمن هذا الواقع إعادة ترتيب علاقة الحركة بالمجتمع الدولي والتعامل معها كسلطة فاعلة ومسيطرة وتملك أوراق ضغط، وتأتي هذه التحركات مغلفة بالإطار السيادي الذي تحاول إظهاره من خلال مواجهة مخاطر خارجية وعمليات تجسس لصالح الخصوم.
ورغم إظهار الحركة قدرتها على السيطرة الميدانية ومساعيها لتكون طرفًا في أي تسويات أو تفاهمات مقبلة كسلطة أمر واقع، إلا أن هذه التحركات قد تعطي مبررات للخصوم لشن مزيد من الضربات لإضعافها هيكليًا، وفرض مزيد من العقوبات لتجفيف منابع الدعم.



