رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تقدير موقف| صناديق الاقتراع بالنار.. إفريقيا بين التحول الديمقراطي والعنف السياسي

العنف الانتخابي في
العنف الانتخابي في إفريقيا -أرشيفية

ضمن الموجة الثالثة للتحول الديمقراطي، دخلت الدول الإفريقية في عهد الديمقراطية، بعد عقود من الاستعمار وحكم النظم الاستبدادية، وقد نجحت بعض الدول في إرساء قواعد الديمقراطية، بينما ذهب البعض الآخر إلى وجود نوع من الديمقراطية الشكلية التي تعتمد على المظهر لا الجوهر، أي إجراء عمليات انتخابية بدون وجود تغيير سياسي حقيقي أو تطبيق سلمي لتداول السلطة، أي أن هذه الدول حققت نوعًا من التطور الدستوري الديمقراطي ولم تصل إلى مرحلة التحول الديمقراطي، وقد ارتبط هذا النمط ببزوغ عدة ظواهر أبرزها ظاهرة العنف الانتخابي المصاحب لأي عمليات انتخابية يتم تنظيمها، وفي تنزانيا والكاميرون برز العنف الانتخابي بشكل واضح، ويتناول هذا التقرير أبرز مظاهر العنف الانتخابي في هذه الدول.

رئيس الكاميرون بول بيا
رئيس الكاميرون بول بيا

أولاً: مفهوم العنف الانتخابي

يُعتبر شكلًا من أشكال العنف السياسي المصاحب لعملية الانتخابات والعمليات المرتبطة بها، وبالتالي يُعد نتيجة للعملية الانتخابية. ويتضمن العنف الانتخابي الأعمال المنظمة أو العشوائية التي تهدف إلى التأثير على العمليات الانتخابية باستخدام الترهيب والتخويف وخطابات الكراهية ونشر معلومات مغلوطة، واستهداف الأفراد والابتزاز وتدمير الممتلكات، وذلك بهدف التأثير على العمليات الانتخابية، أي بما يعني تحديد الفائز والخاسر. أي أنها أعمال ذات طابع قسري تستهدف العامة أو ممتلكاتهم أو البنى التحتية، ويقوم بها العديد من الأطراف سواء كانوا من السياسيين أنفسهم (ظاهرة البلطجة السياسية) أو الأحزاب أو الفاعلين من غير الدولة لتقويض الحملات الانتخابية واستهداف تجمعات الناخبين، سواء كان الاستهداف لمنظمي العملية الانتخابية (الموظفين)، أو حتى الناخبين أنفسهم والمُرشحين.

عيسى تشيروما باكاري
عيسى تشيروما باكاري

ثانياً: العنف الانتخابي في الكاميرون

نُظّمت الكاميرون الانتخابات الرئاسية في 12 أكتوبر الماضي، والتي تنافس فيها الحزب الحاكم برئاسة "بول بيا" ومرشح المعارضة "عيسى تشيروما باكاري"، ويتربع على رأس السلطة "بيا" الذي يبلغ من العمر 92 عامًا، ويحكم الكاميرون منذ عام 1982، وقد أعلن المجلس الدستوري فوزه بولاية ثامنة، فيما رفض "تشيروما" النتائج المعلنة. وقد حصل "بيا" على 53.66% من الأصوات، متقدمًا على منافسه الرئيسي "تشيروما باكاري" الذي نال 35.19%. وبناءً عليه، أعربت أحزاب معارضة أخرى ومنظمات مجتمع مدني عن مخاوفها بشأن مصداقية الانتخابات، وأشارت إلى نسب إقبال مرتفعة بشكل غير معتاد في بعض الدوائر، وتباين في فرز الأصوات، وسرعة اعتماد النتائج، وكلها دلائل على ما يمكن أن نسميه "تزويرًا" لإرادة الناخبين وتزوير النتائج أيضًا.

والواقع أن العنف الانتخابي قد تصاعد مبكرًا وبالتزامن مع الإعلان عن بدء فرز النتائج، إذ اندلعت اشتباكات بين محتجين من المعارضة وقوات الأمن، خاصة بعد ظهور مؤشرات مبكرة على تقدم "بيا". وبعد إعلان النتائج، أفاد "تشيروما" عبر "فيسبوك" بمقتل شخصين إثر إطلاق نار على مدنيين قرب منزله في مدينة "غاروا" شمالي البلاد، دون تحديد الجهة المسؤولة. كما قُتل 4 أشخاص على الأقل في مواجهات عشية إعلان النتائج في مدينة "دوالا".

ومن شأن فوزه بالولاية الثامنة أن يظل الرئيس في منصبه إلى أن يتم المائة عام، و"بول بيا" الذي استمر حكمه لمدة 40 عامًا، لم تكن الكاميرون في عهده بأفضل حال؛ فلا هي حققت مستوى من التنمية مناسب، ولا هي حققت معدل أمن يرضي الشعب الكاميروني. فبين فساد مستشرٍ في القطاع الحكومي العام – إذ تقع بالمرتبة 140 من إجمالي 180 دولة، وهي مرتبة متأخرة جدًا في التصنيف العالمي لمؤشر مدركات الفساد – ولا هي كدولة تستطيع تأدية الخدمات الأساسية للمواطنين بدون تمييز، إذ تقع في المرتبة 20 على المؤشر الدولي للهشاشة، ويعني هذا أنها تُعد من الدول التي تواجه تحديات في مجالات السلطة، والحقوق الاجتماعية والاقتصادية، وشرعية الحكم. وتقع الكاميرون في وسط إفريقيا، وتعاني من معدلات عالية من الجريمة المنظمة، خاصة في تهريب الذهب والمعادن الأخرى، هذا فضلًا عن الخطر الإرهابي من جماعة "بوكو حرام" والتمرد الانجلوفوني في الشمال.

وبالتالي يمكن تفسير شيوع ظاهرة العنف الانتخابي التي رافقت الانتخابات الرئاسية كأحد مظاهر التمرد الاحتجاجي على وضعٍ مذري بالفعل، إذ فشل نظام "بيا" في تحقيق معادلة الأمن والتنمية، وتوفير الخدمات الأساسية وتردي الحالة الأمنية، أي أننا أمام المظاهر المتكاملة للدولة "الهشة" في الكاميرون.

رئيسة تنزانيا سامية صولحو حسن
رئيسة تنزانيا سامية صولحو حسن

ثالثًا: العنف الانتخابي في تنزانيا

أُجريت الانتخابات الرئاسية في تنزانيا في 29 أكتوبر الماضي، وقد أعلنت السبت الأول من نوفمبر نتائج الانتخابات التي حققت فيها الرئيسة "سامية صولوحو حسن" فوزًا ساحقًا وصل إلى إجمالي 9 ملايين صوت، أو 97.66 في المئة من الإجمالي، مما يمنحها فترة ولاية مدتها خمسة أعوام. ووفقًا للجنة الانتخابية، فإن نسبة المشاركة في الانتخابات اقتربت من 87% من إجمالي الناخبين المسجلين في البلاد البالغ عددهم 37.6 مليون ناخب، وهي التقديرات التي عدّها البعض مبالغًا فيها.

وخلال جولة الانتخابات، أفاد الحزب المعارض "شتيما" بأن حوالي 700 فرد قد لقوا حتفهم. وقد تم إجراء هذه الانتخابات في ظل غياب أبرز الأحزاب المعارضة التي تم احتجاز واعتقال زعمائها، وبالتالي يأتي التشكيك في نتائجها من هذا المنطلق. وعلى الرغم من أن الرئيسة التي تولت السلطة في 2020 قد صممت حملتها الانتخابية على إنجازاتها في مجال البنية التحتية، فإن هذا الأداء يبدو غير مرضٍ للمواطن التنزاني، فلا تزال جرائم الاختطاف والاحتجاز القسري ضد المعارضين مستمرة، ولا يزال القمع ضد الاحتجاجات في تصاعد، وهو ما جعل مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان توجه الدعوة لقوات الأمن التنزانية إلى عدم استخدام القوة "غير الضرورية أو غير المتناسبة" ضد المتظاهرين.

ووفقًا لمنظمة العفو الدولية، فقد قُتل ما لا يقل عن 100 شخص خلال الاحتجاجات المندلعة منذ الأسابيع الماضية، كما أن قوات الأمن منتشرة في المستشفيات وتحاول التحكم بالرواية الرسمية لمنع نشر أعداد الضحايا لتفادي إحراج الحكومة.

وإجمالًا، تمثل ظاهرة "العنف الانتخابي" أحد مظاهر تراجع الديمقراطية، إذ يمكن أن تكون عبر جهات منظمة حكومية، أو يمكن أن يقوم بها أفراد عاديون أو جمعيات حقوقية أو فاعلون من دون الدولة كأسلوب احتجاجي على الانتخابات. وهذه الظاهرة تجد لها صدى كبيرًا في دول العالم الثالث التي لم تستطع أن تصل إلى مستوى الديمقراطية الحقيقية، واكتفت بالإجراءات الشكلية التي تميز العملية الديمقراطية، ما جعل ملازمتها للعمليات الانتخابية ضرورة للتمرد على الواقع المفروض.

شيماء حسن* 

 باحث دكتوراه متخصصة في الشأن الإفريقي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء