رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تحالف الصين وإيران لمواجهة الغرب.. توازن هش أم مشروع تكتل جديد؟

المرشد الإيراني والرئيس
المرشد الإيراني والرئيس الصيني - أرشيفية

في ظل التوترات والضغوط التي يمارسها الغرب على إيران، يتجه النظام الإيراني إلى تفعيل سياسة "الاتجاه شرقًا" كخيار استراتيجي لمواجهة الحصار الغربي، وفي هذا الإطار تبدو أهمية تعزيز العلاقات مع الصين سواء في الجانب السياسي والدبلوماسي والحصول على الدعم الصيني في المحافل الدولية، أو على الجانب الاقتصادي لمواجهة الضغوط الاقتصادية المتتالية وتهدئة الداخل، أو الجانب العسكري في ظل حاجة إيران إلى تحديث منظومتها الدفاعية والتكنولوجية.

ويأتي الحرص الإيراني على تعزيز هذه العلاقات بالصين إدراكًا بثقل بكين باعتبارها إحدى القوى الفاعلة في المشهدين الدولي والإقليمي، وأهميتها في شبكة التحالفات الدولية التي تساعدها على الخروج من المدار الغربي أو الصمود أمام الضغوط التي يمارسها الغرب في ملفات تعتبرها إيران مصيرية ولا تقبل المساومة، ما يجعل باب المواجهة والصدام مفتوحًا، ولذلك فإن المساعي الإيرانية لتعزيز علاقاتها مع الصين تمضي على قدم وساق، خاصة في الجوانب التالية:

أولًا: المسار السياسي والدبلوماسي

يشغل المسار السياسي والدبلوماسي حيزًا كبيرًا من العلاقات الإيرانية الصينية، وذلك في الوقت الذي تسعى فيه الصين إلى تعزيز حضورها في منطقة الخليج وآسيا الوسطى، إذ تنظر إلى إيران باعتبارها شريكًا فاعلًا ومؤثرًا في هذه المنطقة، وفي المقابل تنظر إيران إلى الصين باعتبارها طرفًا دوليًا فاعلًا وقوة مؤثرة في النظام العالمي، ومن المهم الاستفادة من هذه الإمكانات في مواجهة الحصار الغربي، ويبدو هذا الاهتمام من خلال التواصل المستمر واللقاءات رفيعة المستوى بين قيادات البلدين.

الرئيس الصيني شي جين بينغ
الرئيس الصيني شي جين بينغ

ومؤخرًا أبدى الطرفان حرصهما على تنفيذ الاتفاقية الأهم في مسار العلاقات بين الجانبين، وهي الاتفاقية الشاملة للتعاون الاستراتيجي الممتدة لـ"25 عامًا"، إذ ينظر الجانبان إلى هذه الاتفاقية باعتبارها الإطار الأشمل والأوسع لطبيعة العلاقات الاستراتيجية الممتدة التي تحقق أهداف كل طرف، وإن كانت إيران في الوقت الراهن أكثر حاجة إلى مساندة الصين في الملفات العالقة مع الغرب.

ويمكن ترجمة مساعي تعزيز العلاقات في هذا المسار من خلال اللقاءات رفيعة المستوى بين الجانبين، ففي سبتمبر الماضي التقى الرئيس الصيني شي جين بينغ بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أثناء زيارته للصين لحضور قمة منظمة شنغهاي للتعاون 2025، وتم التأكيد خلال اللقاء على أهمية تنامي العلاقات بين الجانبين وقدرة هذه العلاقة على الصمود أمام المتغيرات العالمية.

الرئيس الصيني أشار إلى مكانة إيران في الأولويات الصينية، حيث أكد خلال اللقاء أن بلاده تضع علاقاتها مع إيران على رأس أجندتها الدبلوماسية في الشرق الأوسط، وأن بكين مستعدة للعمل مع إيران لدفع الصداقة قدمًا، وتعميق الثقة المتبادلة، والعمل معًا على تعزيز النمو المطرد والطويل الأجل للشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

في المقابل، أبدى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان استعداد طهران لتعزيز التعاون مع الصين في إطار منظمة شنغهاي للتعاون، مشددًا على أن الصين شريك استراتيجي شامل لإيران، كما أن طهران تعلق أهمية كبيرة على علاقاتها مع الصين، ورغم تطور المشهد الدولي ستحافظ إيران على صداقتها مع الصين وتعمق التعاون معها، والحفاظ على التنسيق الوثيق لحماية السلام والاستقرار في الشرق الأوسط.

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان

وفي إطار مساعدة الصين لإيران في صون كرامتها الوطنية، قال وزير الخارجية الصيني وانغ يي أثناء لقائه نظيره الإيراني عباس عراقجي في يوليو الماضي، إن الصين ستواصل دعم إيران في حماية سيادتها الوطنية وكرامتها، ومقاومة سياسات القوة، والدفاع عن حقوقها ومصالحها المشروعة من خلال المفاوضات السياسية، والالتزام بمبدأ حسن الجوار والصداقة لتحسين وتطوير العلاقات مع الدول المجاورة باستمرار، باعتبارها شريكًا استراتيجيًا شاملًا.

في المقابل، اعتبر عراقجي أن بلاده مستعدة لتعزيز التبادلات رفيعة المستوى بين البلدين، وتعميق التعاون ذي المنفعة المتبادلة، ومواصلة الدعم القوي لبعضهما البعض، مجددًا التأكيد على أن إيران ليست لديها أي نية لتطوير أسلحة نووية، لكنها لن تتخلى عن حقها المشروع في الاستخدام السلمي للطاقة النووية.

ومؤخرًا التقى علي ولايتي مستشار المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي مع تشونغ بيوو، سفير جمهورية الصين لدى طهران، الذي أكد عمق العلاقات التاريخية والمتميزة بين إيران والصين، وأن العلاقات بين البلدين لها أبعاد استراتيجية وعميقة، مؤكدًا أن دعم بكين البنّاء في المحافل الدولية يظهر عمق التعاون الودي والثقة المتبادلة بين البلدين، ويمكن التعاون بينهما أن يتوسع أكثر في ضوء التطورات الإقليمية والعالمية.

ثانيًا: المسار الاقتصادي والاستثماري

تمثل الصين أهمية كبرى لإيران في المسار الاقتصادي، حيث تعتبر بكين الوجهة الأولى للمنتجات الإيرانية غير النفطية. فوفق مساعد رئيس هيئة التصدير والاستيراد الإيرانية للتخطيط والشؤون الدولية أبو الفضل أكبربور، فإن الصين كانت الوجهة الأولى للمنتجات الإيرانية خلال عام 2024، حيث استوردت سلعًا غير نفطية بقيمة 14.8 مليار دولار من إيران، وكانت الصين أيضًا المصدر الثاني للواردات إلى إيران في ذلك العام، من خلال تصدير منتجات غير نفطية بقيمة 19.3 مليار دولار.

علي ولايتي مستشار المرشد الأعلى للثورة الإيرانية
علي ولايتي مستشار المرشد الأعلى للثورة الإيرانية

ويشمل هذا المسار أيضًا التعاون بين الجانبين في بناء محطات الطاقة التي تواجه خللًا وعجزًا، ما يمثل دفعة لهذا القطاع الحيوي والمهم، حيث أعلن ممثل منظمة شنغهاي للتعاون أن المستثمرين الصينيين مستعدون لتمويل بناء محطات الطاقة ذات الدورة المركبة في إقليم خوزستان الغني بالطاقة في إيران، للمساعدة في معالجة اختلال التوازن في مجال الطاقة في البلاد وتعزيز التنمية الاقتصادية الإقليمية.

وعن التعاون في البنية التحتية والموانئ، قال المدير التنفيذي لمكتب منظمة شنغهاي للتعاون في إيران إن موقع خوزستان الاستراتيجي في جنوب غرب إيران وإمكاناتها الاقتصادية الهائلة يجعلانها لاعبًا رئيسيًا في تعزيز العلاقات الإيرانية الصينية، وأنه بفضل موقعها على الخليج العربي وقربها من اقتصادات إقليمية قوية، توفر خوزستان فرصًا استثنائية لتطوير البنية التحتية للموانئ والنقل البحري.

وتمثل تجارة النفط بين إيران والصين أهمية كبرى، حيث يمثل النفط موردًا رئيسيًا للاقتصاد الإيراني، لكن العقوبات المفروضة على القطاع تعرقل حرية تعامل إيران مع السوق العالمية. وقد وصلت واردات الصين من النفط الخام الإيراني إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق في يونيو 2025، وفقًا لبيانات شركات تتبع الناقلات. وأظهرت بيانات من شركة التحليلات "فورتيكسا" أن واردات الصين من النفط الإيراني بلغت في المتوسط 1.8 مليون برميل يوميًا في الفترة من 1 إلى 20 يونيو، وهو أعلى حجم مسجل على الإطلاق في تاريخ التجارة النفطية الثنائية بين البلدين.

وتعد الصين المشتري الرئيسي للنفط من إيران، الذي يمثل نحو 13.6 في المائة من المشتريات في عام 2025 من قبل أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، ووفق التقديرات فإن الصين تشتري نحو 90 في المائة من النفط الإيراني الذي يتم شحنه، وهو ما جعل عدد المشترين محدودًا بسبب العقوبات الأمريكية التي تهدف إلى قطع التمويل عن البرنامج النووي لطهران.

ثالثًا: المسار العسكري والأمني

في ظل اهتمام الجانبين بالمسارين السياسي والاقتصادي، تبدو الحاجة أيضًا إلى تعزيز المسار العسكري، خاصة إيران التي تسعى إلى تحديث أنظمة دفاعها الجوي وتطوير قدراتها التكنولوجية، كما تسعى الصين أيضًا إلى تعزيز حضورها في مناطق النفوذ البحري والممرات المائية، وهو ما انعكس على تنامي التعاون العسكري بين الجانبين.

وفي إطار التعاون العسكري بين الجانبين، جاءت المناورات البحرية في مارس الماضي في خليج عمان، والتي أُطلق عليها مناورات "الحزام الأمني البحري 2025"، وقد بدأت بالقرب من ميناء تشابهار الإيراني، وتهدف إلى تعزيز التعاون بين القوات البحرية للدول المشاركة (إيران والصين وروسيا)، وشملت التدريبات ضرب الأهداف البحرية والسيطرة على الأضرار وعمليات البحث والإنقاذ المشتركة.

وتعليقًا على هذه المناورات، قال المتحدث باسم وزارة الدفاع الصينية إن جيش التحرير الشعبي الصيني مستعد لتطوير تعاونه مع الجيشين الروسي والإيراني، مشيرًا إلى أنه منذ عام 2019 أجرت الصين وإيران وروسيا خمس مناورات بحرية مشتركة، كما أن الصين مستعدة للتعاون الفعّال مع كل الأطراف في مجال الأمن البحري، والمساهمة في تحقيق السلام والاستقرار على المستويين العالمي والإقليمي.

<span style=وزير الدفاع الصيني دونغ جون">
وزير الدفاع الصيني دونغ جون

وتأتي هذه الخطوات لتعزيز التعاون العسكري بين الجانبين في الوقت الذي أبدت فيه إسرائيل قلقها من مساعدة الصين في إعادة بناء ترسانة الصواريخ الإيرانية، حيث نقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن مصادر غربية مجهولة أن الصين تعمل حاليًا على إعادة بناء ترسانة الصواريخ الإيرانية بعد حرب الأيام الاثني عشر بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، وهي المزاعم التي لم تؤكدها الحكومة الصينية.

لكن ما يعزز إمكانية التعاون بين إيران والصين في بناء برنامجها الصاروخي هو إدراج وزارة الخزانة الأمريكية ستة كيانات وستة أفراد صينيين مسؤولين عن تزويد الحرس الثوري الإيراني بـ"مكونات الدفع" المستخدمة لإنتاج الوقود الصلب اللازم لدفع صواريخ إيران.

ختامًا:

يمكن القول إن مسارات التعاون بين إيران والصين تحقق لكل منهما مكاسب في ظل حاجة كل منهما إلى الآخر، ففي الوقت الذي ترى فيه إيران التعاون مع الصين موردًا مهمًا لإنعاش اقتصادها ومساعدتها في تحديث منظوماتها الدفاعية، تنظر الصين أيضًا إلى إيران باعتبار أن العلاقة معها قد تحقق التوازن في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يدفع الجانبين إلى التنسيق لمواجهة الهيمنة الغربية.

ورغم أن العلاقات بين الصين وإيران تمثل تطورًا طبيعيًا لطبيعة التحولات الدولية، وترسيخًا للسياسة الإيرانية "الاتجاه شرقًا"، إلا أن كلًّا منهما سيحرص على إدارة هذه العلاقة ضمن حدود محسوبة، خاصة في ظل حرص الصين على عدم الانزلاق إلى الصدام مع الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، وفي الوقت نفسه تدير إيران علاقتها مع الصين لتعزيز قدرتها على الصمود أمام الضغوط الغربية وزيادة هامش المناورة.

محمد شعت*

كاتب وباحث في الشؤون الإقليمية والدولية 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء