سلام على الحافة: مسار العلاقات المعقّد بين باكستان وطالبان الأفغانية
في محاولة لتهدئة الأوضاع بين أفغانستان وباكستان، استؤنفت مفاوضات السلام الجارية بين البلدين في إسطنبول، حيث واصل الجانبان المحادثات بوساطة رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، بعد ساعات من رد الوفد الباكستاني على تقديم وفد طالبان ردًّا على مقترحاتهم، وقدمت باكستان موقفها النهائي لوفد طالبان الأفغاني، موضحة أن دعمها للإرهابيين أمر غير مقبول بالنسبة لإسلام آباد.
وتلمح تقارير باكستانية إلى توتر محتمل بين الجانبين خلال المفاوضات، حيث أشارت إلى أن إسلام آباد حثّت نظام طالبان الأفغاني على اتخاذ "إجراءات ملموسة وحاسمة" للقضاء على الإرهاب، لكن مصادر أمنية قالت إن حركة طالبان الأفغانية يبدو أنها تسعى إلى تحقيق أجندة مختلفة، وهو ما لا يصب في مصلحة أفغانستان وباكستان، وأن تحقيق المزيد من التقدم في المحادثات يعتمد على موقف حركة طالبان الأفغانية من المفاوضات.
وتأتي المرحلة الثانية من المحادثات بعدما قدمت باكستان خطة لمكافحة الإرهاب إلى حركة طالبان الأفغانية في محاولة لمعالجة الإرهاب عبر الحدود المنطلق من الأراضي الأفغانية، في المرحلة الأولى التي استضافتها قطر في 19 أكتوبر الجاري، واستجابت كابول للخطة الباكستانية.

خلفيات التوتر بين الجارتين أفغانستان وباكستان
يمثل خط دوراند الذي رسمه الاستعمار البريطاني عام 1893 نقطة خلاف رئيسية بين الدولتين الجارتين، باكستان وأفغانستان، بينما تعتبره باكستان حدودًا رسمية، ترى طالبان والحكومة الأفغانية أنه "خط افتراضي" غير شرعي، وهذا التباين في الرؤى يعمق الخلافات الحدودية ويزيد من حدة التوترات بين البلدين.
وتصاعدت التوترات مؤخرًا بعدما شنّت باكستان سلسلة من الغارات الجوية على مواقع داخل أفغانستان، وشهدت العلاقات بين البلدين توترًا لسنوات بسبب مزاعم باكستانية بأن أفغانستان تُوفر ملاذًا آمنًا للإرهاب والجماعات المسلحة المعادية لها، وجاءت الضربات الباكستانية بعد سلسلة من الهجمات في غرب باكستان خلال شهري سبتمبر وأكتوبر، والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 100 من قوات الأمن الباكستانية.
ومن المتوقع أن تكون خسائر قوات الأمن الباكستانية في عام 2025 على يد المسلحين المناهضين لباكستان هي الأعلى على الإطلاق، وهناك أدلة دامغة على أن ذلك نتيجة لقدرة المسلحين على تنظيم أنفسهم والعمل انطلاقًا من ملاذات آمنة وفرتها لهم طالبان، وذلك على الرغم من التاريخ الطويل لباكستان في دعم طالبان الأفغانية سواء في نشأتها أو لاحقًا في تمردها ضد الولايات المتحدة، إلا أن باكستان كوّنت عداءً عميقًا تجاه طالبان منذ عودتها إلى السلطة في أغسطس 2021.

ووُصفت الاشتباكات الأخيرة بين أفغانستان وباكستان بأنها "أخطر صراع حدودي" منذ وصول طالبان إلى الحكم، حيث قال الجيش الباكستاني إن اشتباكات جديدة قرب الحدود مع أفغانستان أسفرت عن مقتل خمسة جنود باكستانيين على الأقل و25 مقاتلًا، حتى في الوقت الذي تجري فيه الدولتان محادثات سلام في إسطنبول، مشيرًا إلى أن مسلحين حاولوا العبور من أفغانستان إلى كورام وشمال وزيرستان، متهمًا سلطات طالبان بالفشل في التحرك ضد الجماعات المسلحة التي تعمل من الأراضي الأفغانية.
وتواجه باكستان أشرس موجة من الهجمات ضد قواتها الأمنية منذ عام 2021، بالتزامن مع عودة طالبان إلى السلطة في أفغانستان، ووفق تقارير أمنية فقد سجلت باكستان أكثر من 2400 حالة وفاة خلال الأرباع الثلاثة الأولى من عام 2025، وهي تقديرات صادمة تفوق عدد القتلى في أنحاء باكستان العام الماضي، والذي بلغ حوالي 2500 شخص.

وتلقي باكستان باللوم في هذه الهجمات على حركة طالبان أفغانستان لتوفيرها ملاذات آمنة لحركة طالبان باكستان، تحريك طالبان (TTP)، التي يتمركز قادتها الآن في أفغانستان. ينحدر معظم أعضاء حركة طالبان باكستان من المناطق القبلية الباكستانية على طول الحدود الأفغانية، وذلك في الوقت الذي كانت تأمل فيه باكستان أن يغادر قادة حركة طالبان باكستان أفغانستان بمجرد تشكيل حكومة طالبان الموالية لباكستان في كابول.
مسار المحادثات الجارية وآلياتها
بعد أسبوع من المواجهات الدامية بين أفغانستان وباكستان على طول الحدود المشتركة، اتفق الجانبان في 19 أكتوبر الجاري على "وقف فوري لإطلاق النار"، حيث تدهورت العلاقات بين الجارتين إلى أدنى مستوى لها منذ عودة طالبان إلى السلطة في عام 2021. وأعلنت وزارة الخارجية القطرية أن البلدين اتفقا على وقف القتال والعمل من أجل "السلام والاستقرار الدائمين" بعد محادثات السلام في الدوحة بشأن الاتفاق الذي توسطت فيه إلى جانب تركيا.
وفي إطار هذه المحادثات اتفق الجانبان على عقد اجتماعات متابعة خلال الأيام المقبلة لضمان استدامة وقف إطلاق النار والتحقق من تنفيذه بشكل موثوق ومستدام بما يسهم في تحقيق الأمن والاستقرار في البلدين. وبالتزامن مع ذلك نشر وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف تأكيدًا للصفقة على منصة "X"، حيث كتب آصف: "سيتوقف الإرهاب العابر للحدود من الأراضي الأفغانية فورًا، وسيحترم كلا البلدين سيادة كل منهما وسلامة أراضيه".

في المقابل، أكدت طالبان التزامها بالسلام، وكتب المتحدث باسم طالبان، ذبيح الله مجاهد، على منصة "X" إنه بموجب شروط الاتفاق، يؤكد الجانبان التزامهما بالسلام والاحترام المتبادل والحفاظ على علاقات الجوار القوية والبناءة، مضيفًا: "يلتزم الجانبان بحل القضايا والنزاعات عبر الحوار. وقد تقرر ألا يقوم أي من البلدين بأي أعمال عدائية ضد الآخر، كما لن يدعما الجماعات التي تشن هجمات ضد حكومة باكستان، وأن الدولتين اتفقتا على الامتناع عن استهداف قوات الأمن أو المدنيين أو البنية التحتية الحيوية لدى بعضهما البعض".
وتربط باكستان صمود الاتفاق على وقف إطلاق النار بين الجانبين بقدرة طالبان الأفغانية على تأمين الحدود وعدم السماح باستخدام أراضيها من جانب أي طرف، حيث قال وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف إن اتفاق وقف إطلاق النار بين باكستان وحركة طالبان الأفغانية يتوقف على قدرتها على كبح هجمات المتشددين على إسلام آباد من أراضيها.
سيناريوهات محتملة لمسار المفاوضات
السيناريو الأول: تثبيت التهدئة
يتمثل السيناريو الأول في نجاح تثبيت التهدئة بين الجانبين، وهو ما يتطلب قدرة حكومة طالبان الأفغانية على منع التهديدات للأراضي الباكستانية من الأراضي الأفغانية وضبط سلوك الجماعات المناوئة للحكومة الباكستانية، خاصة حركة طالبان باكستان تحريك طالبان (TTP)، لكن يظل هذا السيناريو ضعيفًا في ظل ترجيح عدم قدرة طالبان الأفغانية على ضبط سلوك TTP باعتبارها ليست ضمن هيكلها التنظيمي.
السيناريو الثاني: تهدئة مع حدوث اختراقات
يتضمن السيناريو الثاني نجاح استمرار وقف إطلاق النار مع اختراقات على فترات زمنية متباعدة، خاصة في ظل عدم توقيع طالبان باكستان TTP على الاتفاق، على الرغم من أنها طرف فاعل، لكن باكستان ترفض التفاوض معها. ويتوقف هذا السيناريو على قدرة طالبان الأفغانية على احتواء الحركة، وهو السيناريو الأكثر احتمالًا وواقعية.

السيناريو الثالث: انهيار المفاوضات والتصعيد
يتضمن السيناريو الثالث الانهيار الكامل للمفاوضات الجارية بين أفغانستان وباكستان واللجوء إلى التصعيد العسكري بين الجانبين، ويتوقف ذلك على عدم رغبة طالبان الأفغانية في تحجيم الجماعات التي تشن هجمات على الأراضي الباكستانية، لكن الأرجح أن الجانبين لا يريدان الذهاب إلى هذا السيناريو في ظل الأزمات التي تحاصر كلًّا منهما، وحاجة كلا الطرفين إلى التهدئة وتحقيق الاستقرار.
ختامًا:
تمثل المفاوضات الجارية بين باكستان وأفغانستان محاولة لتثبيت التهدئة ووقف التصعيد على الحدود، وهو ما يمثل اختبارًا لحركة طالبان الأفغانية وقدرتها على ضبط سلوك الجماعات الموجودة على أراضيها، وإن كانت الحركة ليست لديها القدرة الكاملة على تنفيذ ذلك، إلا أن لديها القدرة على التحجيم، في ظل حرص حكومة طالبان على الظهور أمام المجتمع الدولي بالوفاء بتعهداتها بعدم استخدام أراضيها ضد أي طرف.
ورغم أن التهدئة الشاملة مستبعدة، يبقى أيضًا التصعيد العسكري المفتوح مستبعدًا في ظل عدم رغبة الجانبين في الوصول إلى هذا السيناريو الذي سيعمق المشكلات التي يعاني منها كل طرف، وهو ما سيجعل محاولات التهدئة موجودة لكن دون السيطرة الكاملة.
محمد شعت*



